كفاية .. كفاية

فيصل محمد صالح

لا أظن أن هناك جملةً تُلخّص الشعار المعروف باللغة الإنجليزية Enough is enough أكثر من أغنية الفنان عبد العزيز محمد داوود. فليس هناك كثيرٌ من الكلام يُقال في مسألة الحرب في السودان أكثر من هذا الشعار. سقطت كل الشعارات والمسميات والادعاءات والخطب، ولم تتبقَّ غير حقيقة واحدة: أن هذه الحرب لا تفعل شيئًا غير أن تأكل كل شيء؛ أرواحنا وأجسادنا، قيمنا، أخلاقنا، مواردنا، ممتلكاتنا، وكل بلادنا.

فقدت شعارات الحرب كلَّ معنىً لها، ومزّقت كرامة السودانيين وأهانتهم وأذلّتهم، وقد كانوا، على فقرهم وبؤسهم، قومًا أعزاء عند أنفسهم وعند الآخرين. وشرّدتهم في بلاد الدنيا، ووزّعتهم على أماكن النزوح واللجوء والمنافي. لم تجلب لهم سلامًا ولا ديمقراطية، ولم تُحطّم الدولة القديمة الموروثة من الاستعمار لتُقيم الدولة الوطنية العادلة، بل أسقطتهم ضحايا البندقية الهمجية والقتل العشوائي؛ ذبحتهم وألقتهم في النيل، وأسقطت على رؤوسهم القنابل والمسيّرات، ونهبت ممتلكاتهم ومدّخراتهم.

لا تزال المنظمات الدولية، بعد ثلاث سنوات من الحرب، تضع السودان في صدارة قائمة الأوضاع الإنسانية الكارثية، وتقول إن 19 مليون سوداني يحتاجون إلى المساعدات. اللاجئون الموجودون في دول عديدة يعيشون ظروفًا إنسانية صعبة، والنازحون من ولايات السودان المختلفة توزّعوا بين مراكز الإيواء ومنازل الأقارب وشوارع الله المفتوحة.

الخدمات الصحية منهارة، وحمّى الضنك والملاريا والكوليرا تفتك بالناس، والمدارس والجامعات تدمرت، وتحول بعضها إلى مراكز إيواء، ومئات الآلاف من الطلاب خارج دائرة التعليم النظامي.

قبل وبعد كل هذا، يحاصر الجوع الملايين؛ سواء من بقوا في منازلهم لكنهم فقدوا منافذ الرزق، أو من نزحوا وهاجروا. غرف التكايا والطوارئ تعمل بطاقات شبابية متجددة، لكنها مغلولة الأيدي بضعف الإمكانيات.

الجهود الإقليمية والدولية تتسارع، وتتضارب أحيانًا، وتنسّق مع بعضها في أحايين أخرى، لكنها تصطدم دائمًا بغياب الإرادة السياسية اللازمة لدى الأطراف، مما يجعلها في حيرة من أمرها.

تتعالى الأصوات بأن العالم لا يلتفت إلينا ولا يستمع لصيحاتنا، وحين يفعل، تعلو أصواتنا بالصراخ عن التدخل الدولي الذي يحاول أن يفرض علينا أجندة لتحقيق مصالحه. ولا ينكر أحد وجود تدخل إقليمي ودولي، لكنه أيضًا مسؤوليتنا، لأننا نحن من فتحنا له الباب.

كل هذه المؤثرات تعيدنا إلى المربع الأول الذي أدخلنا في هذه الحالة منذ أربع سنوات… ولا يزال يعمل: مربع الواهمين الذين كانوا يظنون أنهم قادرون على حسم هذه الحرب وكسبها في فترة قصيرة: “أسبوع… أسبوعين”… أو كما ظل يقول بعضهم.

كفاية.. كفاية، فقد سقط كل شيء وبانت الحقيقة: لن ينتصر أحد، ولن يكسب أحد، ولن يخلد بطلًا. بل ستستمر هذه الحرب لعنةً تطارد كل من فكّر وخطّط ونفّذ، ولا يزال يروّج لها. وآن للمخدوعين أن يستيقظوا.. كفاية.. كفاية.

Exit mobile version