حرب السودان من خلف الستار: المال والسلاح بين الداخل والتشابكات الإقليمية 

لوس أنجلوس - مشاوير

في وقت جاوزت فيه الحرب في السودان عامها الثالث، دون أفق واضح لحلول تنهي النزاع المتفاقم، برزت قضية توقيف سيدة إيرانية في الولايات المتحدة باعتبارها تطوراً قد يتجاوز أبعاده الجنائية إلى ما هو أعمق، في ظل تزايد الحديث عن شبكات مالية وتسليحية تغذي النزاع من خارج حدوده، وتلقي بتساؤلات عن مآل الحرب في أفقها المحلي والإقليمي.

وبحسب معلومات أولية، جرى توقيف شميم مافي في مطار لوس أنجلوس أثناء استعدادها لمغادرة البلاد، في عملية يُعتقد أنها جاءت بعد متابعة أمنية. وحتى الآن، لم تكشف وزارة العدل الأميركية تفاصيل الاتهامات بشكل كامل، إلا أن إدراج القضية أمام القضاء الفيدرالي يشير إلى طبيعتها المعقدة وتشابكها المحتمل مع ملفات عابرة للحدود.

في السودان، لا تبدو هذه التطورات بعيدة عن سياق الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 بين الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو. فمع مرور الوقت، تحوّل الصراع من مواجهة عسكرية تقليدية إلى حرب متعددة المستويات، تتداخل فيها الجبهات الميدانية مع مسارات التمويل والتسليح والتحالفات.

مافي

في الكواليس، تتحدث تقديرات مراكز بحثية، بينها مجموعة الأزمات الدولية، عن أن استمرار القتال بات مرتبطاً بقدرة الأطراف على تأمين مواردها، سواء عبر قنوات رسمية أو غير رسمية. وهو ما يفسر، بحسب هذه التقديرات، تنامي دور شبكات مالية معقدة تعتمد على شركات واجهة وتحويلات عابرة لعدة دول.

في هذا السياق، يبرز اسم إيران في عدد من التقارير الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بتكنولوجيا الطائرات المسيّرة التي أصبحت عنصراً حاسماً في نزاعات عدة. ورغم عدم وجود تأكيدات رسمية تربط القضية الأخيرة بشكل مباشر بهذه التكنولوجيا، فإن توقيت ظهورها يعيد تسليط الضوء على مساعي طهران لتعزيز حضورها في مناطق استراتيجية، بينها البحر الأحمر.

على خط موازٍ، يثير بعض المحللين مسألة استمرار نفوذ شبكات مرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمون داخل بنية الدولة السودانية، خصوصاً في القطاعات الاقتصادية والأمنية. ويستند هذا الطرح إلى الإرث الذي خلفه نظام عمر البشير، حيث تشكّلت خلال سنوات حكمه منظومة متداخلة جمعت بين السياسة والاقتصاد والأمن.

مافي

وبعد سقوط النظام في 2019، لم تختفِ هذه الشبكات بالكامل، وفق تقديرات متقاطعة، بل أعادت تموضعها بطرق أقل وضوحاً، مع احتفاظها — بحسب هذه التحليلات — بقدرة على التأثير في بعض مفاصل القرار أو في قنوات التمويل. كما يُشار في هذا السياق إلى أن الاعتماد التاريخي على قوى موازية للجيش أسهم في تكريس ظاهرة تعدد التشكيلات المسلحة، وهو عامل لا يزال يلقي بظلاله على المشهد الحالي.

قضية شميم مافي التي تتكشف خيوطها في الولايات المتحدة تعيد أيضاً طرح سؤال أوسع حول طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم تعد تُحسم فقط في ساحات القتال، بل عبر ما يصفه خبراء “بالاقتصاد الخفي”، الذي يشمل شبكات مالية معقدة يصعب تتبعها. ويشير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن هذا النمط أصبح سمة أساسية في النزاعات المعاصرة، ما يطيل أمدها ويزيد من تعقيدها.

مع بدء الإجراءات القضائية المرتقبة، يُنتظر أن تكشف الأيام المقبلة مزيداً من التفاصيل حول طبيعة القضية، وحجم الشبكات المحتملة المرتبطة بها. غير أن مراقبين يرون أن أي معطيات جديدة — حتى لو كانت ذات دلالات مهمة — لن تغيّر بالضرورة مسار الحرب على المدى القريب، في ظل توازن القوى القائم وتعقيداته.

في المحصلة، تبدو الحرب في السودان، بعد ثلاثة أعوام من اندلاعها، أبعد ما تكون عن الحسم. وبينما تستمر المعارك على الأرض، تتكشف تدريجياً طبقات أخرى من الصراع، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية مع الشبكات المالية، وتبقى الكلفة الإنسانية هي الثابت الوحيد في معادلة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات.

Exit mobile version