انعقدت اجتماعات “الكتلة الديمقراطية” في بورتسودان خلال الأيام الماضية بشكل معلن، من دون أن تفضي إلى اتفاق بشأن إعادة هيكلتها أو تقديم صيغة سياسية متماسكة، في وقت تتقاطع فيه هذه التطورات مع نقاشات أوسع حول موقع الحركات المسلحة، ومستقبل الترتيبات التي أفرزها اتفاق جوبا للسلام.
السؤال المطروح اليوم ليس عن بقاء الاتفاق أو زواله، بل عن موقعه في مشهد تغير كثيرا عما كان عليه عند توقيعه. فالوثيقة التي أعادت إدماج الحركات المسلحة في السلطة، عبر تمثيل سياسي وتنفيذي، وربطت ذلك بترتيبات أمنية، تجد نفسها الآن أمام واقع لم تكتمل فيه أهم أدواتها، وعلى رأسها دمج القوات.
هذه الفجوة بين النص والتطبيق هي ما يفسر جزءا من التعقيد الحالي. فالحركات المسلحة أصبحت جزءا من السلطة سياسيا، لكنها ما زالت تحتفظ بوجود عسكري مستقل نسبيا، ما يجعل أي حديث عن إعادة ترتيب المشهد السياسي مرتبطا أيضا بمصير هذا الترتيب الأمني المؤجل.
في هذا الإطار، تبدو “الكتلة الديمقراطية” محاولة لتنظيم هذا الحضور داخل قالب سياسي، لكنها في الوقت ذاته تعكس تناقضاته.
فبعض مكوناتها يستند إلى اتفاق جوبا وإلى ثقل ميداني، بينما تطرح تصورات لإعادة تعريفها ككيان مدني، وهو ما يفتح نقاشا حول حدود الفصل بين السياسي والعسكري، لا في النصوص فقط، بل في الواقع.
يبرز اسم جبريل إبراهيم في هذا السياق بوصفه أحد تعبيرات هذه المرحلة. فهو رئيس حركة مسلحة موقعة على الاتفاق، ويتولى في الوقت ذاته حقيبة مالية، ما يعكس تداخلا بين الأدوار لم تحسم معالمه بعد.
كما أن إدراجه ضمن قوائم عقوبات أميركية يضيف بعدا خارجيا للنقاش، من دون أن يفرض مسارا محددا داخليا.
ما يُتداول حول إعادة ترتيب بعض المواقع التنفيذية، بما في ذلك وزارة المالية، يظل في إطار نقاشات غير مؤكدة، تعكس حراكا سياسيا أكثر من كونه توجها مستقرا. فالاتفاق لم يمنح حقا دائما في المناصب، لكنه أوجد توازنات تجعل أي تغيير مرتبطا بسياق أوسع من مجرد تعديل إداري.
في المقابل، تعكس مواقف الحركات المسلحة تمسكا بدورها داخل المعادلة، استنادا إلى ما أفرزه الاتفاق وإلى حضورها على الأرض. وهو ما يفسر تعقيد النقاشات داخل “الكتلة الديمقراطية”، حيث لا يتعلق الأمر بإعادة تنظيم داخلي فحسب، بل بإعادة تعريف العلاقة بين هذه المكونات.
خارجيا، تتقاطع هذه التطورات مع مقاربات تركز على طبيعة الشريك السياسي، خاصة في ما يتعلق بوضوح الفصل بين المدني والعسكري. غير أن هذا العامل، رغم حضوره، لا يبدو كافيا بمفرده لفرض مسار محدد، في ظل تعدد الاعتبارات المحلية.
في المحصلة، لا يبدو أن اتفاق جوبا خرج من المشهد، كما لا يبدو أنه قادر بصيغته الحالية على تنظيمه بالكامل.
وبين هذا وذاك، تتحرك “الكتلة الديمقراطية” في مساحة إعادة ترتيب، تعكس مرحلة انتقالية مفتوحة، حيث تتداخل النصوص مع الوقائع، وتبقى الأسئلة أكبر من الإجابات، إلى أن تتبلور معادلة أكثر استقرارا.