مقالات

السيطرة المدنية على الجيش، الشرط الغائب والعقبة الكؤود أمام التحول الديمقراطي

عبدالباقي مختار "بقة"

لماذا ظل التناقض حاضراً وبكثافة بين الخطاب التقدمي لحركات النضال المسلح/ الهامش (علمانية، مواطنة متساوية) وممارستها الداخلية (غياب الديمقراطية/ السيطرة المدنية في ظل استقطاب قبلي/ جهوي)؟

هل كان بإمكان الحركة الشعبية لتحرير السودان (الجيش الشعبي) أن تنجح في تقديم “نموذج بديل ديمقراطي” كما وعدت بذلك، أم أن طبيعة العمل المسلح وتأثرها بالجيش السوداني يقود حتماً إلى الاستبداد العسكري حتى لو كان الهدف “تحريرياً”؟.

ظل السودان أكثر من مجرد حالة تجب دراستها في الانقلابات، أو نموذج ساطع للتصارع بين طموح شعبي مدني ثابت/ قوي، وبين بنية عسكرية ترسخت جذورها في الاقتصاد والسياسة لعقود طويلة، بل امتد أثرها وتأثيرها إلى حركات التغيير في مناطق الهامش السوداني ودول الجوار.

كما أسلفت في قراءتنا للكيفية التي تم بها تأسيس “قوة دفاع السودان”، إذ إنها بنيت على أنقاض الجيش الذي رافق حملة كتشنر بعد أن تم استبعاد المصريين، وتمت عمليات الفصل، السجن والنفي من تبقى من السودانيين الذين شاركوا في ثورة 1924.

وخلصنا إلى أن الجيش الجديد لم يكن مستقلاً، بل نشأ ليصبح من ضمن الجيوش التي تدافع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية في العالم والإقليم، والحامي الرسمي للإدارة الاستعمارية داخل السودان.

الجيش يقتحم دهاليز السياسة
وبتسليم الإدارة الاستعمارية مقاليد الحكم للسودانيين ووداع آخر حاكم بريطاني، توالت على إدارة الحكم في البلاد حكومات عسكرية مثّلت أكثر من 80% من فترات إدارة البلاد، وأقل من 20% من الحكم المدني. وكانت هي الشريك وصاحب النصيب الأكبر في القرار (2019)، فدخلت المؤسسة العسكرية- ممثلة في قادتها من كبار الضباط والحكام العسكريين- في تحالفات إقليمية غير متكافئة جعلتها كمؤسسة تلعب دور التابع بشكل أو بآخر، وجعلت السودان كوطن أشبه بحديقة خلفية، تلعب فيها دول الإقليم والجوار وتتصارع لتصفّي حساباتها.

خمسينيات القرن الماضي هي الفترة التي أُطلق عليها حقبة “الاستقلال السياسي” وسنوات الآمال العريضة للسودان، إلا أن الآمال سرعان ما تلاشت، حيث دخل السودان في نفق مظلم وحالة من عدم الاستقرار الأمني والتوهان السياسي.

إذ قامت المؤسسة العسكرية بعد أول حكومة وطنية مدنية بمحاولتي انقلاب عسكري. فشل الانقلاب الأول في العام 1957، وفي العام الذي يليه نجحت في قلب السلطة “مدفوعة بصراعات المدنيين”، وسجلت بذلك التدخل المباشر بالعملية الانقلابية، وانتقلت بعده مفاتيح إدارة البلاد من مدنيين إلى أيدي ضباط من قيادات الجيش.

مثّل انقلاب 1958 بداية لسلسلة من الانقلابات الطويلة والمستمرة الفاشلة منها، وهي الاكثر عدداً، وتلك التي حكمت بموجبها المؤسسة العسكرية البلاد في حقب مختلفة، وانعكس ذلك بشكل واضح على مستقبل العمل السياسي. وتبدى ذلك الانعكاس بأشكال عديدة، أبرزها استخدام العنف كوسيلة للتغيير، فتمدد بمرور الزمن في كل أنحاء السودان، بدءاً من “الأنانيا” في الجنوب، مروراً باستقلال جنوب السودان 2011، وليس انتهاءً بما حدث داخل الخرطوم في أبريل من العام 2023.

بذلك التدخل العسكري تم الإعلان عن المشكل الأساسي وبوضوح: عدم خضوع المؤسسة العسكرية للإدارة المدنية. بمعنى آخر، أن العام 1958 صار عام بذرة تمرد، ومن ثم تطور إلى استقلالية المؤسسة العسكرية وانفرادها بكل شؤونها الإدارية والاقتصادية وشؤون البلاد قاطبة، فصارت تمتص من دماء الاقتصاد، وتتحصل على ما تريد من ميزانية الدولة على حساب الصحة، التعليم، القطاعات والخدمات الأخرى، والأخطر أنها وضعت نفسها في موقع “فوق القانون” حتى في ظل ما سمي بالحكم المدني القصير.

الدبابة بوابة الوصول للحكم
صارت المؤسسة العسكرية إرثاً استعمارياً ثقيلاً تمظهر في مقاومتها للخضوع لأي حكم مدني، أسوة بباقي مؤسسات الدولة، فأنتج ذلك مزيداً من التعالي والترفع على كل ما هو مدني، مما أتاح الفرصة أو فتح الباب على مصراعيه أمام كل مغامر من القوات المسلحة يحلم بالسلطة والتسلط، والصعود على ظهر أي دبابة والاتجاه نحو القصر والانقلاب على السلطة المدنية أو حتى العسكرية أحياناً، ليدبج بزته بالأوسمة، ليمتلك مطلق الحقيقة ويتحدث نيابة عن الشعب ومصالح الوطن وانتزاع السلطة، ووصف المدنيين والحكم المدني بصفات يملك حق توزيعها هو فقط وافراد هذه المؤسسة “الفوضى، العمالة والخونة”.

ظلت عملية الانقلابات على فترات الحكم المدني القصيرة تمضي في نهش جسد الوطن بوتيرة لا تخطئها عين، وظلت تراوح مكانها كظاهرة ثابتة تنتج الصراعات التي دارت وما تزال تدور حول السلطة والوصول لمراكز القرار بأدوات العنف وليس بصناديق الاقتراع.

صار سلوك القوات المسلحة السودانية هو المرجعية لكل حركات الهامش الناقمة على تسلط المركز والساعية للتغيير، قادت تحركاتها من الهامش -في مرات قليلة من المركز- للاستيلاء على السلطة، إذ إن الأمل والرغبة في التغيير السلمي من أجل المساواة في الحقوق الأساسية عند سودانيي الهامش أو خارج المركز بدأت تنحسر تدريجياً إلى أن غابت تماماً، فظل التغيير السلمي أملاً ورغبة قوية فقط عند قاطني الشمال النيلي والمركز، فتجلى في هبَّات وانتفاضات من حين لآخر، فتصيب أحياناً وتقود لتغيير ديمقراطي محدود يكون الدور الأعلى فيه للمؤسسة العسكرية، فتستمر دورتها من ثلاث إلى أربعة أعوام، ولا تصيب تلك الانتفاضات في مرات كثيرة بسبب العنف الذي يصاحبها أحياناً، ما يجعل تبرير الحكام في تشديد السلطات من الإجراءات الأمنية من قبل أجهزة الأمن والشرطة، وتتجه إلى بناء مزيد من المعتقلات والسجون حتى وصلت إلى استخدام المعتقلات السرية والتي أطلق عليها السودانيون “بيوت الأشباح”!.

صارت هذه المعضلة (معضلة استيلاء ضباط الجيش على السلطة) تغذي كل الكوارث الإنسانية التي مرت، والتي ما يزال يمر بها السودان، لذا تظل الحاجة لقراءة وتحليل العلاقة بين الجيش والسياسة وإعادة تعريفها تتعاظم كل يوم، بل صارت ضرورة ملحة لإنقاذ فكرة الدولة السودانية بمؤسساتها بما فيها منظومة الجيش نفسه.

المؤسسة العسكرية وحركات التغيير السياسي في السودان

الملامح الواضحة التي انتقلت بشكل مباشر من تسلط المؤسسة العسكرية وبقائها المستمر على مراكز القرار، التي تم استدعاؤها وظلت حاضرة في حركات التغيير الآتية من الهامش بكافة أقسامها ومسمياتها. وبغض النظر عن برامجها، نجدها جميعاً أخذت العنف كوسيلة ضرورية وأساسية للوصول للسلطة، ومن ثم فرض برامجها للتغيير.
جاءت حركات الهامش من الجنوب وشرق السودان ودارفور، متخذة أشكالاً عدة، وسلكت طرقاً مختلفة في السعي لامتلاك أدوات العنف أسوة بالجيش السوداني، إلا أنها اتفقت في شيء واحد هو استغلال تناقضات سياسة الحكام العسكريين في المركز مع دول الجوار، مما أتاح شكلاً من أشكال التحالفات بين هذه الحركات وبعض دول العالم والإقليم بشكل عام، ودول الجوار بشكل خاص، فصارت تخوض حربها من أجل التغيير، وتحارب بالوكالة عن من مسه الضر في دول الجوار من قِبَل حكام السودان.

وإذا أخذنا تجربة الجيش الشعبي، كان الدعم العسكري من حكام السودان لحركات التحرر الإريترية وكذلك جبهة تحرير التقراي الإثيوبية دافعاً موضوعياً للحكومة الإثيوبية في دعم وبناء قدرات قتالية للجيش الشعبي في جنوب السودان. فجاء البرنامج السياسي الذي اهتدت به الحركة الشعبية متأثراً بتجربة الرئيس الإثيوبي الأسبق، منقستو هايلي مريام، الاشتراكية مع بعض الخصوصية لحركة تغيير سودانية خرجت من أدغال جنوب السودان، فكانت التفاصيل العامة التي وجهت دفة الحركة هي وحدة السودان تحت برنامج السودان الجديد، كما ظهر في منفستو الحركة الشعبية لتحرير السودان – بيانها التأسيسي الأول- الذي حمل مفهوم “السودان الجديد”، فكان جوهره رفض نظام “المركز” (فظهر مصطلح المركز مقابل الهامش في أدبيات السياسة السودانية). ودعا البيان التأسيسي إلى دولة علمانية موحدة لا مركزية، تعترف بالتعددية الثقافية والدينية كأساس للمواطنة وللجنسية السودانية، ويتمتع فيها الجميع بحقوق متساوية بغض النظر عن العرق أو الدين.
ومن الواضح أن البيان الأول جاء يحمل في طياته رد فعل مباشراً على قرارات وسياسات نظام الحكم العسكري آنذاك، تحت قيادة الرئيس الأسبق جعفر نميري، الذي قام بنقض غزله بيده وإلغاء اتفاقية أديس أبابا للسلام (1972)، حيث قام بتقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم، ومن ثم فرض الشريعة الإسلامية كمرجعية أساسية لقوانين الدولة في عام 1983، مما جعل الهويات غير الإسلامية والمجموعات السكانية ذات الجذور الإفريقية في جنوب السودان وأطراف أخرى تقع في تصنيف ثقافي واجتماعي أقل درجة من أهل المركز الثقافي.

إعادة إنتاج النموذج الملتبس

دعا البيان التأسيسي للمراجعة وإعادة تعريف مفهوم المواطنة لتحمل وتعكس روح كل الشعوب السودانية. ومع مرور الوقت، تطور مفهوم “السودان الجديد” أكثر. ففي المؤتمر الأول للحركة الشعبية في مايو 1994 رفع شعار “الوحدة في التنوع” و”حق الشعوب في تقرير مصيرها”، مع تغييرات في البرنامج الذي فرضته الظروف الداخلية بالنسبة للحركة الشعبية والجيش الشعبي (انقسام الناصر 1991) وتغييرات إقليمية بسقوط نظام منقستو هايلي مريام وتغييرات عالمية بسقوط جدار برلين أو انهيار الاتحاد السوفيتي/المعسكر الاشتراكي.
لا يزال هذا الإرث الفكري حياً في أوراق وأروقة فصائل الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال حتى بعد انشطارها إلى عدة فصائل، وتبنت تغييرات فرضتها المتغيرات في الساحة السودانية (كاستقلال جنوب السودان). الآن الحركة الشعبية شمال جناح عبدالعزيز الحلو كحركة مسلحة ظلت تلعب دور الوريث الشرعي والوفي لبرنامج الحركة الأم عبر تمسكها بإقامة نظام علماني في مناطق سيطرتها (مثل جبال النوبة)، وتمظهر ذلك في تمسكها بوضوح في إصدار وثائق وأدبيات تمجد وتتمسك بفكرة السودان الجديد، مع رفع شعار حق تقرير المصير مقابل العلمانية.

رغم كل ما ذكرت حول الحركة الشعبية، برامجها وأدبياتها التي تصدرت وملأت فضاءات العمل السياسي وسط كوادرها من المدنيين في الريف والمدن، وكانت ذات تأثير حتى على التنظيمات السياسية الأخرى، إلا أن تلك الأدبيات والبرامج لم تنعكس على أداء الحركة الشعبية وجيشها، بل إن الجيش الشعبي تبنى نفس النمط وسلك نفس السبل العسكرية لضباط وأفراد المؤسسة العسكرية السودانية (كذلك جيوش حركات الهامش الأخرى التي خرجت من معطف الحركة الشعبية الأم أو تأثرت بها) واستنسخت نفس العقدة – أي أولوية وعلو كل ما هو عسكري على برامج التغيير الأخرى. فكان غياب الديمقراطية والسيطرة العسكرية مقابل الحياة المدنية حاضراً حتى داخل الحركات نفسها – فبدلاً من تقديم نموذج بديل ديمقراطي، أعادت إنتاج نفس العلاقة الملتبسة بين السلاح والقرار.

ظلت عملية التغيير كعملية فكرية، ثقافية، اجتماعية وسياسية، بعيدة عن يد الحركة الشعبية، أو يمكننا القول إنه لم تكن هناك حركة شعبية مستقلة عن الجيش، بل كانت الأولوية واليد العليا للجيش الشعبي، وتم طرح العمل العسكري على أنه الأمل الوحيد والطريق الأقصر للسلطة، مما جعل الشروع في عملية التغيير -حتى في مناطق سيطرته – عملية مؤجلة إلى ما بعد الوصول إلى مقاليد الحكم.
وأصبح الجيش الشعبي يشبه في كل تفاصيل تركيبته الجيش الحكومي “المركز” في كل شيء، مما جعل عملية التغيير تمر بمنعرجات ومآزق كثيرة ومحرجة ما تزال تلقي بظلالها على مشروع التغيير في مشروع السودان الجديد.

إذ إنها كحركة تحرر وطني تستلهم بنيتها النظرية من الفكر التقدمي منذ البدء. وقد آثرت سلوك أقصر الطرق للوصول لمراكز السلطة والقرار فوقعت في فخ الاستقطاب على أسس “قبلية/ جهوية”أ فصارت تبنى من داخل أحراش وأدغال الجنوب في جيش على نفس نسق الجيش السوداني بنفس عقيدة الانفصام والانفصال من المحيط الاجتماعي المعني بعملية التغيير، بل قامت بعمليات بناء وتسليح مليشيات قبلية تتبع للجيش الشعبي في مناطق بعينها لمواجهة مليشيات المؤسسة العسكرية، وتجاهلت عملية تهيئة وتوعية المجتمعات المدنية للالتفاف حول مشروع التغيير الذي يعنيها.

هكذا كانت وظلت بنية الجيش السوداني كإرث استعماري ثقيل “عقدة بنيوية”، تتناسل وتتكرر ليس فقط في جيش المركز، بل أيضاً في حركات الهامش المسلحة التي رفعت شعارات التغيير وحشدت وجمعت حولها جماهير الهامش وأعداداً غفيرة من مكونات المركز الراغبة في التغيير والسلام المستدام، إلا أنها استنسخت نفس منطق “المؤسسة المأزومة ” فأعادت إنتاج الأزمة لينطبق عليها وصف الدعم السريع كمولود من رحم المؤسسة العسكرية.

يبقى السؤال الشاخص والجوهري: لماذا نجحت دول أخرى كانت تحت الاستعمار البريطاني (الهند، كوريا الجنوبية في آسيا، ونيجيريا، بتسوانا وزامبيا في إفريقيا) في إعادة هيكلة جيوشها بعد الاستقلال؟ كما نجحت حركات تحرر عديدة في مسعاها الثوري نحو التغيير وإعادة بناء جيوشها، بينما فشل السودان في كل ذلك رغم تشابه البدايات؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع