بعد مضي أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع حرب السودان وما يزيد على العام من تحرير الخرطوم من قوات “الدعم السريع” تبقى “الخسارة البيئية” واحدة من أعمق الجروح التي خلفتها الحرب، ولا تزال العاصمة السودانية الأكثر تضرراً على الإطلاق، تكافح بإرادة البقاء لتسترد عافيتها وتستنشق هواءً نقياً من جديد، لكن معارك طويلة تنتظرها للتخلص من إرث الدمار والركام والتلوث البيئي المختبئ تحت ملايين الأطنان من حطام المباني والمصانع والمستودعات المحترقة.
تشير تقارير أممية إلى أن الأخطار البيئية الناتجة من الحرب في السودان منذ أبريل 2023، تتجاوز الدمار المادي الماثل للمباني والمنشآت لتشكل إرثاً طويل الأمد من السموم يهدد النظم البيئية لأعوام قادمة، وذلك بعد الأضرار الكارثية التي ألحقتها الحرب بالبيئة التي تقدر بأكثر من 10 مليارات دولار، معظمها عبارة عن أخطار تختبئ خلف الركام.
وحذر خبراء أمميون من أن السودان يواجه إرثاً ساماً جراء الحرب، حيث تتراكم تحت الأنقاض مواد غير خاملة تشكل مزيجاً معقداً من الملوثات التي تتطلب تقنيات متخصصة لإزالتها ومعالجتها، مشيرين إلى أن تجاهل هذا الواقع يضع السودان أمام تحدي معارك جديدة لتأمين بيئة وحياة معافاة لفترة طويلة بعد توقف الرصاص.
صدمة أممية
وفقاً لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة تتمثل الأخطار البيئية الناتجة من الصراع في النفايات الصناعية والكيماوية الناجمة عن تدمير المصانع مثل مصانع البلاستيك والكيماويات والمستودعات النفطية مما أدى إلى تسرب حساء سام إلى الهواء والتربة والمياه الجوفية.
وأعربت نائبة مدير البرنامج القطري للأمم المتحدة للبيئة بالسودان، منى زين العابدين، عن صدمتها من حجم الدمار البيئي بالخرطوم لدى زيارتها العاصمة السودانية لإجراء تقييم بيئي، محذرة من أن ما وصفته بـ”الإرث السام” يهدّد بتفشي الأمراض والتسبّب بالوفاة لأعوام قادمة، قائلة إن الطريق نحو سلام طويل الأمد لا بد أن يشمل ترميم الندوب البيئية التي خلّفتها هذه الأزمة.
آثار الحرب على البيوت
تحسن ولكن
على رغم التحسن النسبي في الأوضاع، لكن لا تزال العاصمة الخرطوم الأكثر تضرراً تعاني تلوثاً واسعاً بمخلفات الحرب، بحسب مدير المركز القومي لمكافحة الألغام، اللواء خالد حمدان الذي أكد أنه وعلى رغم التقدم الذي أحرزته الفرق الميدانية، لا يزال حجم التحدي كبيراً، مشيراً إلى أن الفرق الميدانية المتخصصة في مكافحة الألغام وعددها 15 فرقة تمكنت خلال الفترة الماضية من تدمير 150 ألف قذيفة غير منفجرة على ثلاث مراحل.
وتشكل المتفجرات ومخلفات القذائف الحربية غير المنفجرة المختبئة تحت تلال القمامة والأنقاض خطراً ماثلاً، حيث أعلنت لجنة طوارئ الخرطوم عن تسجيل 59 حادثة انفجار لمخلفات حربية أثناء محاولة حرق النفايات حتى نهاية أبريل الماضي.
ويرهن متخصصون في البيئة تعافي العاصمة السودانية الخرطوم من آثار الحرب بضرورة إصلاح الندوب البيئية وجعلها جزءاً أصيلاً من أي عملية بناء سلام مستدام بالدمج بين إعادة الإعمار ومكافحة تلوث الحرب، حتى لا يتحول إلى حرب صامتة مستمرة.
وقدرت التقارير الدولية ركام الحرب في الخرطوم وحدها بحوالى 38 مليون طن من مخلفات المعارك وحطام المباني المختلط بمواد خطرة وذخائر غير منفجرة، بينما أعلنت السلطات عن رفع أكثر من 22 ألف طن من النفايات من منطقة وسط الخرطوم وفتح 61 شارعاً كانت مغلقة تماماً بحطام مئات المركبات المدمرة.
أحراش ونفايات
تسبب فقدان قطاع النظافة نحو 90 في المئة من معداته نتيجة النهب والتدمير في انهيار أنظمة جمع النفايات وتوقف النظافة الدورية وتكدس الأوساخ المتحللة في الميادين والشوارع والأحياء، وتشكل النفايات الطبية في غير مناطقها المخصصة خطراً بيولوجياً كبيراً ينذر بأخطار بيئية وصحية متفاقمة.
ومع مرور ثلاثة مواسم من الأمطار تحولت كثير من الطرق الخالية إلى غابات عشبية بسبب النمو العشوائي الكثيف للحشائش، ووسط الأنقاض وبين السيارات المحطمة، وأصبحت بعض الأحياء أشبه بمدن الأشباح المهجورة.
وعلى رغم قتامة الوضع، شرعت سلطات ولاية الخرطوم في التحرك لإعادة تهيئة البيئة في المناطق التي استعادت السيطرة عليها، وأعلنت الأمين العام للمجلس الأعلى للبيئة بالولاية، غادة حسين العوض، عن خطة عشرية تمتد من 2026 حتى 2036، تهدف للترميم والتعافي البيئي وتتضمن معالجة التلوث وتنظيف التربة والمياه من تداعيات القصف والنفايات الصناعية والطبية، وبخاصة حول المناطق شديدة التضرر مثل مصفاة الجيلي.