سيناريو الأمر الواقع

أشرف عبد العزيز

يواجه السودان اليوم منزلقًا تاريخيًا يتجاوز في خطورته مجرَّد المواجهات العسكرية التقليدية، حيث ترتسم في الأفق ملامح قطيعة تامة بين المساعي الدبلوماسية الدولية والواقع الميداني المتفجِّر.

 فبينما ينشغل المجتمع الدولي بصياغة مسودات الهدنة وممارسة الضغوط لفرض وقف إطلاق النار، تذهب الأطراف المتصارعة في الاتجاه المعاكس تمامًا عبر حشد الترسانات العسكرية وتثبيت سلطات أمر واقع تعمِّق الانقسام الجغرافي والسياسي.

هذا التناقض الصارخ يتجلى في خطاب قائد قوات الدعم السريع الأخير الذي يمزج بين التبشير بالوحدة الوطنية وتكريس سلطة إدارية وسياسية في مناطق سيطرته، متحديًا بذلك الرفض الدولي الواسع، ومستندًا إلى نمو عددي وتجهيزي لقواته يوحي بالاستعداد لجولات أطول من الصراع تحت مسمى البشريات القادمة.

في الضفة الأخرى، لا تبدو القوات المسلحة السودانية أقل إصرارًا على المضي في خيار الحسم العسكري الشامل، حيث تعكس تصريحات قيادة الأركان، حالة من التأهب القصوى لاجتثاث ما تصفه بالتمرُّد، مع تمسُّك حكوميٍّ صارم بخارطة طريق تفاوضية لا تقبل المساومة.

هذا الانسداد السياسي والعسكري المطلق بدأ يدفع القوى الدولية والإقليمية الفاعلة، نحو اليأس من إمكانية الحفاظ على سودان موحَّد ومستقر، مما فتح الباب على مصراعيه لمناقشة سيناريوهات “الليبنة” أو “الصوملة” كحلول اضطرارية للأمر الواقع.

 إن القبول الدولي المحتمل بوجود كيانين منفصلين يكتفيان بالتنسيق في الملفات الإنسانية والبنكية والخدمية، يمثل طوق نجاة للقوى العسكرية التي تسعى لتثبيت نفوذها، ولكنه يمثل في الوقت ذاته رصاصة الرحمة على مفهوم الدولة الوطنية الموحدة.

إن خطورة هذا المشهد تكمن في تباين المواقف داخل الرباعية الدولية، فبينما تبرز واشنطن كحائط صدٍّ أمام فكرة التقسيم، فإن استمرار التعنُّت الداخلي قد يضطرها في نهاية المطاف للرضوخ لواقع تقاسم النفوذ، خاصة إذا ما أصبح هذا المسار هو الوحيد الكفيل بوقف تدفق اللاجئين وتأمين الممرات الإنسانية.

 وفي ظل هذا السباق المحموم نحو التجزئة، تجد القوى المدنية نفسها في أضعف حلقاتها، حيث يهدد هذا التحول بتهميش دورها تمامًا وتحويلها إلى مجرَّد شاهد عيان على ضياع الوطن.

 لذا فإن خيار التوحد وبناء جبهة مدنية عريضة لم يعد ترفاً سياسياً، بل أضحى ضرورة وجودية لفرض حلٍّ سياسي يسبق لحظة الانهيار الشامل، لأن الاتفاق الدولي إذا ما جنح نحو السيناريو الليبي، فسوف تُطوى صفحة السودان القديم وسط احتفاء القوى المسلحة، ولن يبقى للمدنيين حينها إلا الحسرة على وطن لم يحسنوا حمايته من طوفان المصالح العسكرية والقوى الخارجية.

Exit mobile version