مقالات

سودان المستحيل كيف سيولد؟!

الجميل الفاضل

الهمتني صورة سيدة أعمال صينية كانت تجلس في مأدبة عشاء ببكين أول أمس، بين اثنين من أشهر رموز التكنولوجيا في العالم: إلى يسارها الرئيس التنفيذي لشركة آبل، وإلى يمينها مؤسس تسلا وسبيس إكس.

اسمها “تشو تشونفي”.
كانت هذه السيدة قد فقدت والدتها وهي طفلة، وأصيب والدها بحادث أفقده بصره وألحق أضراراً بيديه، فعاشت العائلة على صناعة السلال اليدوية.

وفي سن الخامسة عشرة، غادرت قريتها متجهة إلى شينزن للعمل في مصنع لزجاج الساعات.

كانت تعمل نهاراً على خط الإنتاج، وتدرس ليلاً، حتى حصلت على مؤهلات في المحاسبة والحاسوب والتخليص الجمركي والقيادة.

وبعد ثلاث سنوات فقط، تحولت من عاملة بسيطة إلى مديرة مصنع.

لكنها استقالت لاحقاً بعدما بدأت تُهمَّش لصالح أقارب مالكي المصنع.

خرجت برأس مال متواضع لا يتجاوز 20 ألف يوان، ومعها 8 من أقاربها، لتبدأ من شقة صغيرة تحولت إلى مصنع ومكان للسكن في آن واحد.

استمرت على هذا النمط لعقد كامل، حتى جاءت الفرصة التي غيّرت كل شيء في حياتها في العام 2003.

حينها أرادت شركة موتورولا تصنيع هاتف بزجاج فائق النحافة والنقاء، وهي مواصفات اعتبرتها معظم المصانع مستحيلة.

الجميع رفض العرض، لكنها هي من قبل التحدي.
نجحت المهمة، وحقق الهاتف مبيعات ضخمة حول العالم، لتنطلق بعدها شركتها نحو العالمية.

لاحقاً، وعندما أرادت شركة آبل تطوير أول هاتف آيفون بزجاج مقوّى غير مطروح تجارياً آنذاك، جال مهندسو الشركة العالم بحثاً عن مصنع قادر على تنفيذ الفكرة، قبل أن يستقروا على تشو تشونفي.

ومنذ ذلك الوقت، أصبحت شركتها أحد أهم موردي الزجاج والتقنيات لآبل.

لهذا السبب جلست في ذلك المقعد البارز؛ بين الرجلين.
لكنها عندما سُئلت عن سر نجاحها، لم تتحدث عن الحظ أو العبقرية، لكنها قالت:
«تجرأ أن تقبل.
الأشياء التي يراها الآخرون مستحيلة… اقبلها.

والأعمال التي يهرب منها الجميع… اقبلها.
فالفرص الحقيقية ليست ما يبحث عنه الجميع، لكن ما يتخلى عنه الآخرون… ثم تنحني أنت لالتقاطه.»
هكذا رأيت في هذه القصة مقاربة أخري:
إذ يخيَّلُ للكثيرين أنّ السودان لم يعد وطناً قابلا للحياة وللاحتمال، وينظر له البعض كحطامَ مرآةٍ تناثرتْ شظاياها بين السماسرةِ الذين باعوا الدم، والنهرَ، والبحر، والجبال، ورمال الصحراء، بل وحتي حليب الأطفال واحلام الأمهات، مقابلَ حفنةِ شعاراتٍ جوفاء صدئةٍ، وراياتٍ بائسة مهترئة.

ثمة من يحاول أن يقنعنا أنّ هذا الخرابَ الذي حل بالسودان نهائي، وأنّ البلادَ التي أُنهكتْ بالحروبِ والفساد والهوسِ الأيديولوجيِّ منذُ 1989 لا تصلحُ إلا كخبرٍ عاجلٍ في نشراتِ الكوارث، أو كمائدةٍ تتقاسمُها المحاورُ الإقليميةُ فوق رؤوسنا.

لكنّ الحقيقةَ الكبرى، تلك التي لا يراها كل هؤلاء هي أنّ الأممَ العظيمةَ لا تولدُ من السكون، لكنها تولد في مثل لحظات الانكسارِ هذه.

وأنّ الفرصَ التاريخيةَ العظيمة لا تأتي مرتديةً أثواب الحرير، ولا تهبطُ من طائراتِ الوسطاء، أو تولد بقاعات المؤتمراتِ، لكنها تخرجُ من بينِ الركام، عاريةً، متعبةً، وداميةَ القدمين، كي تختبر:
من يملكُ شجاعةَ الانحناءِ لالتقاطِها؟
كما نصحت “تشو تشونفي”: بأن الفرص الحقيقية ليست في ما يبحث عنه الجميع، لكن فيما يتخلي عنه الآخرون، والذي عليك ان تنحني أنت لالتقاطه.
هنا يكمنُ أن سرُّ الانحناءُ ليس دائماً علامةَ هزيمة.

فالسودانَ اليوم يشبهُ ذلك الزجاجَ الذي رآه العالمُ غيرَ قابلٍ للإصلاح.

زجاجٌ تشقّقَ بالحروب، وتناثرَ بالخذلان، واحترقَ بأنفاسِ الكراهية.

لكنّ الزجاج، كما تعلّمنا تجربة السيدة الصينية يمكن أن يدخلُ طوراً جديداً من التحوّل والتشكل.

إنه يحتاجُ فقط إلى نارٍ كافية.
والنارُ هنا ليست نارَ البنادق، إنها نارُ الوعي.

نارُ الإرادةِ الوطنيةِ التي تعرفُ كيف تحوّلُ الشظايا إلى نافذة، والرمادَ إلى مادةِ خلقٍ جديدة.
لعل المطلوبَ اليوم من الكتلةِ الحيّةِ في هذا الوطن، من الشبابِ الذين شرخوا حناجرهم بمواكبِ واعتصمات ثورة ديسمبر المجيدة، ومن قادةِ غرفِ الطوارئ الذين تعلّموا كيف يُهزمُوا الموتُ بالخبزٍ وبالدواء، ومن المهنيينَ الذين ما تزالُ ضمائرُهم حيّة، أن يتجرؤوا على قبولِ هذا المستحيل.

أن يقبلوا فكرةَ أنّ السودانَ يمكنُ أن يُولَدَ مرّةً أخرى، كوطنٍ حرٍّ يتساوى فيه الجميع.

أن يقبلوا هذه المهمّةَ التي هربَ منها الجميع:
مهمّةَ تنظيفِ الذاكرةِ السودانيةِ من ألغامِ الكراهية، وفكِّ الارتباط بين الايدولوجيا والاثنية والوطن، ثم بناءِ جيشٍ واحدٍ لا يرفعُ سوى علمِ البلاد، ولا يأتمرُ سوي بإرادةِ المدنيين.
هذه هي المهنةُ الحقيقيةُ الآن:
مهنةُ صهرِ هذا الزجاج.

لابد أن نحملَ هذه الشظايا القاتلةَ بأيدٍ لا تخافُ الجراح، ثم نُلقي بها في أتونِ الوعيِ والعدالةِ والحقيقة، حتى تذوبَ الأحقادُ القديمة، ويخرجَ منها وطنٌ جديد، شفّافٌ كالفجر، وقويٌّ كالقدر.

إنّ العالمَ حين تخلّى عنّا، لم يكنْ يعلنُ نهايةَ قصتنا، بل كان، دون أن يدري، قد أعاد إلينا ملكيةَ قرارنا.

فالبلادُ التي تتوكأ على الخارج، تبقى معلّقةً دائماً بين الحياةِ والموت.

أما الأممُ التي تنبعثُ من داخلها، فإنها تصنعُ هيبتها بيديها العاريتين.

العالمُ لا يحترمُ البكّائين على الأطلال، ولا يفسحُ مقاعدَه العليا للمتسولين على أبوابِ السياسة الدولية.

إنه ينحني فقط لأولئك الذين حوّلوا جراحَهم إلى طاقةِ خلق، وخساراتِهم إلى معرفة، ورمادَهم إلى أجنحة.

فلننحنِ إذن لالتقاطِ هذا الوطنِ من قاعِ الهاوية، وإعادةِ تشكيلِه بأخلاقِ سودانية أصيلة، لا بزيفِ الشعاراتِ التي لوّثتْ العقول، ولا بأوهامِ الأيديولوجياتِ التي تتاجر بالدين تارة، وبالوطن تارة أخري.

عموما حينَ ننجحُ في ذلك، لن نحتاجَ إلى استعطافِ العالم، ولا إلى مقعدٍ يُمنحُ لنا صدقةً على موائدِ القوى الكبرى.

بل ستتحولُ شظايانا المكسورةُ نفسها إلى شاشةٍ ناصعةٍ تعكسُ عظمة هذا الشعب، وتجبرُ الجالسينَ على منصاتِ العالمِ العليا أن يقفوا احتراماً لوطنٍ خرجَ من قلبِ الرماد، حاملاً معجزتَهُ بيديه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع