حين تعجز سلطة بورتسودان عن إيقاف الحرب، تبحث دائماً عن ضحايا من الفئات الضعيفة والمسحوقة، فتعدم المتعاونين وتحتفي بالقتلة.
هذه المرة وقع الاختيار على أكثر من (57) ألف موظف وعامل، لا لأنهم سبب الأزمة، بل لأنهم الطرف الأضعف فيها.
فبدلاً من مراجعة الإنفاق العسكري الهائل، وبدلاً من مساءلة أمراء الحرب ومراكز النفوذ، قررت سلطة بورتسودان أن تُخرج موظفين تجاوز بعضهم (20) عاماً من الخدمة إلى العراء، فقط لأن خزينة الدولة أُنهكت بحربٍ بلا أفق.
المؤلم أن المستهدفين ليسوا في نهاية أعمارهم الوظيفية، بل في سنوات الخبرة والعطاء؛ أعمار بين (50) و(55) عاماً، وهي مرحلة تُعد في الدول المحترمة ذروة النضج المهني، لا موعداً للتخلص من الإنسان كما تُتخلَّص المؤسسات من الأثاث القديم.
هذه ليست سياسة إصلاح، بل اعتراف صريح بفشل إدارة الدولة. فالسلطة التي لا تستطيع إيقاف النزيف، تلجأ إلى تقليص حياة الناس نفسها.
وما يُسمى “معاشاً مبكراً” ليس سوى طردٍ مهذب في زمن بالغ القسوة.
الدول تُقاس بطريقة معاملتها لموظفيها، لا بعدد خطاباتها وشعاراتها. أما أن يُترك العامل وحيداً في مواجهة الجوع والقلق وانهيار المستقبل، بينما تستمر الحرب كأنها قدرٌ مقدس، فتلك ليست إدارة دولة، بل إدارة أزمة بلا ضمير.