صراع النفوذ يهدد عمل المنظمات الإنسانية في دارفور وكردفان
تقرير - مشاوير
تشهد العلاقة بين الحكومة السودانية وتحالف “تأسيس” بقيادة قوات “الدعم السريع” والمنظمات الإنسانية الدولية مزيداً من التعقيد، مع تصاعد الخلافات التي لم تعد تقتصر على الجوانب العسكرية والسياسية، بل امتدت إلى ملف العمل الإنساني، في وقت تتفاقم فيه التحديات الإنسانية بمناطق النزاع، خصوصاً في إقليمي دارفور وكردفان.
وبعد قرار “تأسيس” حظر تداول العملة الجديدة التي أصدرتها الحكومة السودانية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، اتخذت خطوة جديدة بإلزام المنظمات الإنسانية الدولية بالتسجيل والتنسيق مع ما تُعرف بـ”الهيئة الوطنية للوصول الإنساني”، باعتبارها بديلاً لمفوضية العون الإنساني التابعة للحكومة السودانية، ملوحة بمنع أي منظمة لا تلتزم بالإجراءات الجديدة من العمل أو دخول مناطق سيطرتها.
تنظيم العمل
وقال أبو بكر عبد الرحمن، القيادي في تحالف “تأسيس” وأمين العلاقات الخارجية في حركة تحرير السودان الديمقراطية لـ”الشرق”، إن “المنظمات الإنسانية “يجب أن تكون مسجلة لدى حكومة تأسيس لتسهيل عملها”، مؤكداً أن الحكومة “موجودة على الأرض، وليست خارج البلاد كما يروج”.
وأوضح أن إجراءات التسجيل تهدف لتنظيم عمل المنظمات والآليات التي تتبعها في تقديم المساعدات للمحتاجين، مضيفاً أن “آلية التسجيل الجديدة لا تمنع إيصال المساعدات الإنسانية بل تنظمها”.
تناقض وتعقيدات
في المقابل، انتقد منسق الشؤون الإنسانية بحكومة إقليم دارفور، عبدالباقي محمد حامد، القرار، واعتبره “خاطئاً ويتنافى مع مبادئ العمل الإنساني”.
وقال لـ”الشرق” إن القرار “يتناقض مع قرار مجلس الأمن الدولي الذي رفض إنشاء هياكل موازية في السودان، ما يهدد وحدة وسلامة البلاد”.
وأضاف أن “الخطوة “ستعقد الوضع الإنساني، وتمنع الوصول إلى المتأثرين، كما تضع شركاء العمل الإنساني في موقف يفقدهم الحياد والنزاهة”.
وأشار إلى أن “معدلات سوء التغذية الحاد في بعض مناطق دارفور بلغت 52.9 في المئة واصفاً ذلك بأنه من أعلى المعدلات داخلياً وعالمياً، محذراً من أن أي هياكل موازية “ستعقد الوصول والتنسيق الإنساني”.
وأكد أن “مفوضية العون الإنساني التابعة للحكومة السودانية “هي الجهة الوحيدة المعنية بإجراءات تسجيل وتحركات المنظمات والإجراءات المرتبطة بالشأن الإنساني”، داعياً المنظمات الدولية والإقليمية إلى الالتزام بمبادئ العمل الإنساني واحترام سيادة السودان ووحدة أراضيه.
مدينة الرنك الحدودية
مبادئ إنسانية
من جهتها، شددت المنسقة المقيمة للأمم المتحدة ومنسقة الشؤون الإنسانية في السودان دينيس براون، في حديث لـ”الشرق”، على أن “دور المجتمع الإنساني يتمثل في تقديم المساعدة المنقذة للحياة للمحتاجين أينما كانوا في جميع أنحاء السودان، وفقاً للمبادئ الإنسانية”.
مؤكدة أن العمل الإنساني “يجب ألا يُسيس”.
النازحون .. الضحية الأكبر للصراع
وسط هذا النزاع، يبدو المدنيون والنازحون الأكثر تضرراً، خصوصاً في دارفور وكردفان، حيث تتواصل المواجهات العسكرية، وتتفاقم الأوضاع الإنسانية.
ويروي محمد، وهو نازح في مخيم طويلة، أحد أكبر معسكرات النزوح في إقليم دارفور، معاناة السكان مع شح المساعدات الإنسانية، قائلاً “لـ”الشرق”، إن النازحين “يترقبون وصول المساعدات، ويحسبون الأيام لذلك”، موضحاً أن الأسرة الواحدة تتلقى في كثير من الأحيان “ربع احتياجاتها فقط”.
وأضاف أن “الخلافات بين الحكومة و”الدعم السريع” “قد تعصف بما تبقى من المنظمات التي ظلت تعمل عقب سقوط مدينة الفاشر”.
مشيراً إلى أن “الإقليم أصبح مهدداً بسبب المواجهات العسكرية من جهة، والبيروقراطية والإجراءات المعقدة من جهة أخرى.
متطوعون: الاعتداءات تعقد المهمة الإنسانية
بدوره، قال جمال، وهو متطوع في مجال العمل الإنساني بإقليم دارفور، إن عدم تفهم القوات الموجودة على الأرض لطبيعة العمل الإنساني يضاعف من معاناة العاملين في المجال.
وأوضح لـ”الشرق”، أن “حوادث الاعتداء على المتطوعين والعاملين الإنسانيين “تكاد لا تتوقف” في مناطق متفرقة، مضيفاً أن القرارات التي تصدر من قيادات “الدعم السريع” وتحالف تأسيس “غالباً ما تُفهم بصورة خاطئة على الأرض”، ما ينذر بمزيد من التعقيدات خلال الفترة المقبلة.
ويرى مراقبون أن “الصراع المستمر بين الحكومة السودانية و”الدعم السريع”، ومحاولات الأخير الظهور بمظهر “الحكومة الموازية”، تلقي بظلالها على الوضع الإنساني الهش، وتهدد التفاهمات التي جرت سابقاً لإيصال المساعدات إلى المناطق الأكثر احتياجاً في دارفور وكردفان.