مدخل أول :
اتاحت لي ظروف العمل في صحيفة (الصدى) الليبية، التي كانت تتخذ من مدينة (ريو دي جانيرو) البرازيلية مقراً لها، فرصة ذهبية للتعرف على تفاصيل عميقة وكثيرة عن الساحرة المستديرة في بلاد السامبا.
بخلاف ذلك فإنني زاملت نجوم المنتخب البرازيلي الكبار، الذين كانوا يكتبون معنا زوايا للرأي، أسبوعية ثابتة في الإصدارة الرياضية الصدى، أمثال الكباتن د. سقراط، وفالكاو، وتوستاو.. كما أنني التقيت بالراحل د. سقراط، الذي زارنا في أحد الأيام بمكاتب الصحيفة، وقضى وقتاً شيقاً ورائعاً مع الطاقم التحريري والفني وبقية العمال..!!.
تواجدي في “ريو دي جانيرو” لحوالي عامين، أتاح لي فرصة مشاهدة اشرس المباريات التي اقيمت باستاد “ماراكانا” العتيق، على شاكلة مواجهة البرازيل مع الأرجنتين في تصفيات مونديال كوريا واليابان، وقمة (ريو دي جانيرو) بين فلامنجو وفاسكو ديجاما.. وغيرها من المواجهات الكبيرة الخالدة.. كما استمتعت بزيارة المتحف الملحق باستاد “ماراكانا” التاريخي العريق.
مدخل مباشر :
تابعت في الأخبار قبل أيام، ما يفيد بإعلان المدير الفني لمنتخب البرازيل “كارلو انشيلوتي” لقائمة منتخب البرازيل، المشاركة بالمونديال، الذي سينطلق بعد أيام معدودة بكل من أمريكا والمكسيك وكندا.. وكانت المفاجأة أن القائمة ضمت النجم “نيمار” الذي عاد مؤخراً لصفوف فريقه سانتوس بعد رحلة احتراف فاشلة مع الهلال السعودي.
وبصرف النظر عن عدم قناعتي بمستوى هذا النيمار، إلا أن تفاعل اللاعب مع قرار اختياره لمنتخب السامبا، والمتمثل في اجهاشه بالبكاء، منحه التعاطف من جميع محبي الكرة، حتى أنني وجدت نفسي أتمنى له التوفيق في آخر فرصة تتاح له للظهور في ذلك المحفل العالمي الكبير، وأن يتمكن من التعبير عن نفسه، والتحدث بصوت مسموع عن إمكانياته الفنية التي أرى أنه لا يستغلها بالشكل المطلوب.
قصة “نيمار”، التي حدثت قبل أيام، اعادتني بالذاكرة إلى ما حدث وتابعت تفاصيله قبل مغادرة منتخب البرازيل للمشاركة في مونديال كوريا واليابان، الذي اقيم عام 2002. حيث كان “فليبي سكولاري” هو المدير الفني لمنتخب السامبا، والذي ظل محاصراً قبل إعلان القائمة النهائية المشاركة في المونديال من جانب الصحفيين، وجل وسائل الإعلام البرازيلية، وكان محور الاستفهام يتعلق بالمهاجم “روماريو”، واختياره للقائمة المونديالية.
شخصياً وجدت نفسي، وقبل حدوث ذلك الخلاف، غير متعاطف مع روماريو، وذلك لأسباب عديدة لها علاقة مباشرة مع سلوكه الشخصي، حيث أنه مدمن للخمر، وغير ملتزم بالضوابط، إلى جانب استخدامه شعبيته الكبيرة كسلاح أمام الجميع في كل الحروب التي يدخلها، سواء مع مدربيه أو زملائه اللاعبين، أو حتى أصدقائه..!!.
المهم، ولأنني كنت شاهد عيان على الاشكال المتعلق بعدم اختيار اللاعب للمنتخب، فقد تابعت استعانة “روماريو” بعدد من الوكالات الإعلانية، وتعمده استخدامها في الإتجاه الذي يخدم مصالحه الخاصة.. حيث ظلت جل وسائل الإعلام تحاصر “سكولاري” خلال كل مؤتمر صحافي بسؤال واحد هو: (لماذا لم يتم اختيار “روماريو” للمنتخب)..؟!.
ووصل الأمر بروماريو إلى أن يقوم بتصوير إعلان “مياه غازية”، ظهر فيه وهو يتناول المنتج، ومن حوله مجموعة من الفتيات الحسناوات.. وبعد أن يردد اسم المنتج، تسأله إحدى الفتيات عن ما إذا كان سيتواجد في المونديال أم لا..؟! فيرد عليها باستغراب قائلاً: (اسألي سكولاري)..؟!.
ولأن ذلك الخلاف ما بين “سكولاري” و”روماريو” حدث في مثل هذه الأيام (أي قبل وقت قصير من موعد انطلاقة المونديال)، فقد طالبت بعض الجماهير الرئيس البرازيلي (لولا الذي كان رئيساً حينها) بضرورة التدخل، واجبار “سكولاري” على ضم روماريو.. فرد الرئيس في إحدى خطاباته الرسمية رافضاً فكرة التدخل في الشأن الكروي، وقال الرئيس: (سكولاري يعلم أكثر مني في هذا الجانب، لأنه هو المدير الفني للمنتخب)..!!.
مرت الأيام .. وفي يوم إعلان القائمة النهائية المسافرة لكوريا واليابان قام “سكولاري” بإعلان اسماء نجوم منتخب السامبا الذين سيظهروا معه في المونديال.. وعملياً لم يتواجد “روماريو” بين تلك الأسماء.. حيث كان الجميع على موعد مع الكشف عن سبب استبعاد “سكولاري” المستمر لروماريو من المنتخب.. حيث كشف المدرب وابان حقيقة أن “روماريو” تمرد على منتخب البرازيل، ورفض المشاركة معه قبل شهور في بطولة كوبا أمريكا، وتحجج بأنه قام بإجراء عملية (خلع ضرس).. حيث لم يتقن “روماريو” تأليف تلك القصة، التي كانت في الأساس عبارة عن (كذبة كبيرة)..!!.
وبعدما كشف “سكولاري” الحقيقة الصادمة للإعلام والجمهور، ظهر “روماريو” في مؤتمر صحافي بعد ساعات، متحدثاً (بالدموع)، حيث اعترف بتمرده على المنتخب، لكنه ألقى باللائمة على “سكولاري”، وتساءل: لماذا احتفظ المدرب بذلك الموقف لشهور طويلة..؟! ووصل الحقد بروماريو إلى أن تمنى خلال ذلك المؤتمر فشل منتخب السامبا في المونديال بعد ابعاده شخصياً عن المشاركة..!!.
في اليوم التالي للمؤتمر الصحافي لروماريو، خرجت بعض الجماهير (خاصة تلك التي كانت تساند عودة اللاعب لصفوف منتخب السامبا) لتسخر منه، وشرعت في توبخه، ولدرجة أنها رفعت لافتة كبيرة، ظلت ثابتة في كل المباريات، وصفت فيها “روماريو” بلقب (المتمرد البكاي)..!!.
مخرج أتمنى أن يكون آمنا:
سافرت بعثة منتخب السامبا لكوريا واليابان وشاركت في المونديال، وتمكن منتخب البرازيل بشكل عملي من إحراز اللقب، بعد عروض رائعة وانتصارات باهرة، حيث تابعنا المباريات عبر شاشات عملاقة نصبت في الشوارع العامة.. ورغم فارق التوقيت المزعج ما بين كوريا واليابان مع البرازيل، إلا أن المتعة كانت حاضرة..!!.
هنالك فوارق كبيرة ما بين الدموع التي ذرفها المخضرم “روماريو” بالأمس بخصوص رجاءاته لسكولاري الانضمام للمنتخب البرازيلي، وبين دموع النجم “نيمار” الذي تابعناه وهو يبكي (فرحاً) بسبب قرار اتخذه المدرب “انشيلوتي” بخصوص ضم اللاعب لتشكيلة منتخب السامبا..!!.
اعجبني موقف “نيمار” على الرغم من أنني أرى انه لا يملك إمكانيات “روماريو” المهولة.. وفي ذات الوقت لم اتعاطف مع (حركة) روماريو التي قام بها، واستخدامه الضغط اسلوباً لأجل التواجد في قائمة المنتخب البرازيلي..!!.
تخريمة أولى : وتظل المشاركة باسم منتخب البلد، من أسمى الغايات التي يفترض أن يتشرف بها أي لاعب، على اعتبار أنه يظهر كجندي، يدافع عن راية الوطن في أشرف الميادين.. وهنا فإن القصة لا علاقة لها بالألوان، وتختلف تماماً عن ما يحدث عندنا ونتعامل به في السودان..!!.
تخريمة ثانية : فوارق كبيرة تلك التي حدثت في موضوع اختيار “روماريو” و”نميار” لتشكيلة منتخب السامبا، وتلك التي حدثت في موضوع عدم اختيار “نصر الدين التشغيل”، وقبله “بكري المدينة” لمنتخب صقور الجديان.. وربما نعود لهذه القصص في وقت لاحق بإذن الله..!!.
تخريمة ثالثة : تابعت أمس عبر قناة الزمالك، ملخصاً لمباراة جمعت الهلال مع الزمالك أقيمت بالقاهرة عام 1985 بدوري أبطال أفريقيا، إنتهت لصالح الزمالك برباعية نظيفة.. مشكلتنا في السودان غياب الأرشيف التام لمثل هذه المباريات..!!.
همسة : أن مرور ما حدث من (فضائح) لرديف المريخ مؤخراً في رواندا، ما هو إلا برهان عملي، كشف بجلاء الطريقة العشوائية التي تدار بها أنديتنا وكرتنا السودانية بشكل عام.. (فوضى ولا شئ سواها)..!!.
همسة خاصة : (العود لو ما فيهو شق.. ما بيقول طق)..!!