تقارير

صيف قاس على السودانيين… انقطاع الكهرباء وأزمة المياه يفاقمان المعاناة

مشاوير - تقرير: إشراقة علي عبد الله

يواجه ملايين المواطنين في السودان أزمة خانقة في الإمداد الكهربائي لساعات طويلة تزامناً مع ارتفاع قياسي في درجة الحرارة مع دخول فصل الصيف، تخطت 40 درجة مئوية في معظم الولايات، وذلك إثر الانهيار شبه الكامل لشبكة الكهرباء بسبب الدمار الذي لحق بمحطات التوليد خلال الحرب الدائرة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” لأكثر من ثلاثة أعوام، فضلاً عن سرقة وتخريب محولات الكهرباء، مما زاد من وطأة الصيف الحارق.

وتصاعدت شكاوى المواطنين في أجزاء واسعة من البلاد جراء الانقطاعات المتواصلة للكهرباء التي تصل إلى أيام متتالية، وترافقت معها احتجاجات في شمال البلاد وسط ضغوط إضافية على الخدمات، وبخاصة في ما يتعلق بأزمة مياه خانقة.

في الأثناء، أوضح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن شبكة الكهرباء في السودان تعرضت لأضرار تقدر بما يصل إلى 3 مليارات دولار منذ بدء الصراع في عام 2023، مؤكداً أن حجم الدمار فاقم الأزمة وتسبب في عدم إيصال كهرباء إلى أجزاء واسعة من البلاد.

تردي الأوضاع

تقول علوية عبدالوهاب وهي ربة منزل تسكن ضاحية الحتانة بمدينة أم درمان إن “انقطاعات الكهرباء لساعات طويلة في العاصمة الخرطوم جعل الحياة لا تُطاق، وبخاصة في فصل الصيف الحالي الذي يشهد ارتفاعاً غير مسبوق في درجات الحرارة، مما أدى إلى نقص حاد في الإمداد المائي، وبذلك أصبحنا نعيش في سلسلة من الأزمات الخانقة ولا ندري متى نعود إلى الحياة الطبيعية التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب”.

وأضافت عبدالوهاب “هذه الأزمة ضاعفت أعباء ربات البيوت لناحية معاناتهن في حفظ الأطعمة حتى لا تتعرض للتلف، في ظل تردي الأوضاع المعيشية بسبب غلاء أسعار السلع وتدني الدخول، وهو ما يجعل الأسر تتبع سياسة التدبير حتى تتمكن من تسيير أمور معيشتها اليومية، لكن من الواضح أن حل هذه المشكلة بصورة جذرية أمر شبه مستحيل بسبب هشاشة الوضع، وعلى ما يبدو أن البلاد غير قادرة على مجاراة الأحمال المتزايدة مع الاعتماد الكبير على أجهزة التبريد في المنازل، مما أدى إلى اتساع نطاق البرمجة القسرية لقطع الكهرباء في مدن الولايات المختلفة”.

واستطردت “المشكلة أن أزمة الكهرباء أدت إلى توقف مضخات المياه، مما فاقم معاناة المواطنين لناحية الحصول على المياه، إذ تجدهم يتسابقون منذ الصباح الباكر في شراء المياه من العربات التي تجرها الدواب بسبب اصطفافهم فترات طويلة أمام آبار المياه، إذ بلغ سعر برميل المياه نحو 40 ألف جنيه سوداني (10 دولارات)”.

وأشارت ربة المنزل إلى تزايد المخاوف من انتشار الأمراض والأوبئة نتيجة التلوث بسبب عدم جودة المياه وسلامتها، إلى جانب ضربات الشمس، مما يتطلب تدخلات عاجلة من الدولة لإنهاء مشكلة الكهرباء.

تدابير احترازية

في المنحى ذاته، أفاد الناشط المجتمعي الزين خضر بقوله “في تقديري أن قطوعات الكهرباء ترجع إلى مشكلات تتعلق بالصيانة وقطع الغيار، فضلاً عن التأثير الواضح الذي أحدثته سرقة الكوابل والمحولات في الأحياء السكنية خلال فترة سيطرة ’الدعم السريع‘ على الخرطوم”.

وتابع “هذه الأزمة أثرت في المستشفيات والمراكز الصحية التي عادت لتقدم الخدمات العلاجية، إذ تعاني ضغطاً كبيراً في استقبال حالات الإعياء الناتجة من ارتفاع درجات الحرارة وضيق التنفس والطفح الجلدي خصوصاً وسط الأطفال، فالصيف هذا العام جاء مختلفاً عن الأعوام السابقة لناحية اشتداده بصورة لا توصف”.

ونبه خضر إلى أن “هناك ولايات اتخذت تدابير احترازية منها ولاية نهر النيل التي تعرضت لموجة حر شديدة، إذ قللت ساعات العمل بالنسبة إلى الموظفين، فضلاً عن انتهاء اليوم الدراسي عند الساعة العاشرة والنصف صباحاً بمختلف المراحل”.

قطوعات الكهرباء

ضربة موجعة

من جهته، أشار الباحث في مجال الطاقة حسن عبدالغفار إلى أن “قطاع الكهرباء في السودان تلقى ضربة موجعة لجهة أن هناك دماراً على أوسع نطاق لحق بالبنية التحتية، ولا تزال المشكلة قائمة حتى الآن على رغم أعمال الصيانة التي أُجريت لمحطات التوليد عقب انتهاء الحرب في العاصمة الخرطوم”.

ولفت عبدالغفار إلى أنه “من الواضح أن هناك شبكة من اللصوص والمهربين تنشط في نزع المحولات وتفريقها من النحاس والزيوت الخاصة بالتبريد بهدف بيعها في السوق السوداء، فضلاً عن تهريبها إلى دول مجاورة عبر الحدود”.

وزاد “إعادة تركيب هذه المحولات يحتاج إلى ملايين الدولارات في وقت تعاني خزانة الدولة عجزاً كاملاً، مما جعل من الصعوبة بمكان إجراء عمليات الصيانة بصورة نهائية، بالتالي انخفضت ساعات التغذية الكهربائية في بعض المناطق إلى أقل من ساعتين، بينما تعيش أحياء سكنية في ظلام دامس، مع عجز في التوليد بلغ 1000 ميغاوات، غير أن هذا العجز ارتفع بعد الحرب ليصل إلى 3 آلاف ميغاوات/ ساعة مما جعل الأزمة أكثر حدة في ظل الأوضاع الراهنة”.

ومضى الباحث في مجال الطاقة قائلاً “من خلال متابعتي للواقع الماثل في البلاد نجد أن إنتاجية المياه داخل العاصمة تراجعت من 950 ألف متر مكعب يومياً إلى نحو 750 ألف متر بسبب عدم استقرار التيار الكهربائي، فيما أشارت تقديرات سابقة إلى أن 39 في المئة فقط من سكان السودان كانوا يتمتعون بخدمة الكهرباء قبل اندلاع الحرب، مما يؤكد أن جذور الأزمة منذ أمد بعيد”.

توصيل عشوائي

في السياق، عزا وزير الطاقة والنفط في السودان المعتصم إبراهيم هذه القطوعات إلى “الاستخدام غير المباشر للكهرباء واتجاه كثير من المواطنين إلى التوصيل العشوائي من أعمدة الكهرباء، إلى جانب التخريب والأضرار الكبيرة التي لحقت بقطاع الكهرباء خلال أشهر الحرب التي تحتاج إلى ملايين الدولارات لاستعادة تشغيلها كسابق عهدها”.

وأكد إبراهيم في تصريحات صحافية أنه “لا يوجد عجز فعلي بقطاع الكهرباء، لكن السلوك المتبع من بعض المواطنين يسهم في عدم استقرار الإمداد الكهربائي، فلا بد من التقيد بنظام فواتير الكهرباء”.

وأشار إلى أن “الاعتماد الأكبر أصبح على التوليد المائي بدلاً من التوليد الحراري الذي تعرض لتدمير ممنهج، إذ كان يشكل من 60 إلى 70 في المئة من الإنتاج الكهربائي، لكن من المحتمل أن تشهد الفترة المقبلة عودة المحطات للخدمة، إذ إن الحكومة السودانية تدعم قطاع الكهرباء بأكثر من 85 في المئة من موازنة الدولة”.

وبيَّن وزير الطاقة والنفط أنه “تمت سرقة 14 ألف محول كهربائي من ولاية الخرطوم أثناء الحرب، وتمكنت الوزارة من تركيب 2.500 محول جديد، كما أنها بصدد تركيب 1000 محول في غضون الأيام المقبلة، فضلاً عن استيراد 2000 محول في طريقها للبلاد، ومن المؤكد أن مشكلة الكهرباء في السودان ستُحل لكنها تحتاج إلى بعض الوقت”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع