تقارير

الحرب تشعل أسعار الأضاحي في السودان للعام الرابع

مشاوير - تقرير: إشراقة علي عبد الله

في وقت يعد السودان ضمن قائمة أكبر الدول امتلاكاً للثروة الحيوانية في أفريقيا والعالم العربي، بما يقدر بنحو 103 ملايين رأس، إلا أن أسعار المواشي في هذا البلد شهدت مع اقتراب عيد الأضحى ارتفاعاً غير مسبوق مقارنة بالأعوام الماضية، في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية التي أفرزها الصراع الدائر بين الجيش وقوات “الدعم السريع” لأكثر من ثلاثة أعوام، وهو ما يؤدي إلى تدني القدرة الشرائية بسبب عجز كثير من الأسر عن شراء أضحية العيد هذا العام الذي يعد الرابع منذ اندلاع الحرب.

وأرجع تجار المواشي ارتفاع الأسعار التي راوحت ما بين 850 ألف جنيه (200 دولار) ومليون و500 ألف جنيه (350 دولاراً) إلى زيادة أسعار الوقود والنقل، فضلاً عن الأخطار الأمنية وإغلاق الطرق لجهة أنها تصل من إقليمي دارفور وكردفان، إلى جانب غلاء الأعلاف لتحول الأسواق في مدن العاصمة الثلاث الخرطوم وبحري وأم درمان إلى ركود نسبي في حركة البيع والشراء.

أرقام صادمة

يقول المواطن أحمد الطيب الذي يعمل في إحدى مؤسسات الدولة “تمثل الأضحية عند كثير من السودانيين أمراً ضرورياً بغض النظر عن الجوانب الدينية، فرب أي أسرة يسعى بكل ما يملك إلى شراء خروف الأضحية ليس كمظهر أو تفاخر، لكنها عادة موروثة منذ القدم في ظل وفرة المواشي في البلاد، والمؤسف أن الحرب حالت دون أن يتمكن كثيرون من اتباع هذه العادة بسبب ارتفاع أسعارها من جهة، وعدم توفر المال اللازم لانقطاع الأعمال وضعف الرواتب التي لا تكفي في غالب الأحيان تسيير معيشة أسبوع إن لم يكن أقل”.

وأضاف الطيب “كما هي عادتي كل عام قمت بجولة في سوق المواشي في مدينة أم درمان للوقوف على أسعار الأضاحي، ففي الحقيقة صدمتني الأسعار المتداولة، ولا أعتقد أنني وغيري سنتمكن من شراء خروف الأضحية، فالأرقام فلكية لا تتناسب مع مقدرة المواطنين الذين فقدوا أموالهم جراء النزوح، ويبدو أن فرحة العيد أصبحت ترفاً في زمن الحرب وحلماً صعب المنال”.

وتابع المتحدث “هناك قطاع عريض من موظفي الدولة والشركات الكبرى كان يعتمد قبل الحرب على تأمين خروف الأضحية بالأقساط خصماً على الراتب الشهري، مما كان يزيح هماً كبيراً لدى هذه الشرائح التي تعد الغالبية العظمى من المواطنين، لكن بعد الحرب توقفت هذه المنحة، ولذا لم تستطع غالبية المواطنين شراء الأضحية”.

ومضى المواطن قائلاً “معظم من يرتادون أسواق الخراف حالياً يكتفون بالنظر دون الشراء بعد نفاد المدخرات وفقدان مصادر الدخل، ليجدوا أنفسهم أمام معضلة في ظل أوضاع معيشية معقدة، مما أدى إلى ركود غير مسبوق في أسواق المواشي، فيما يعتبر هذا الموسم الأعلى في تاريخ السودان”.

عادات راسخة

أما أمل عبدالقيوم، وهي ربة منزل، فأفادت أن “الأضحية في السودان تعتبر تقليداً راسخاً لا تتخلى عنه الأسر، وتعمل كل ما في وسعها لتأمين المال لشراء الأضاحي حتى لو كانت صغيرة الحجم، باعتبارها فرحة للأطفال، إذ نمارسها بروح الجماعة ولها دور اجتماعي متأصل في وجدان السودانيين، الذين يتقاسمون عادة تبادل اللحم بين الجيران، فضلاً عن لحظات المرح والسعادة أثناء الشواء وتجمع الرجال لتناول وجبة الإفطار في ضيافة أحد كبار الحي، بخاصة الأحياء الشعبية”.

وأشارت ربة المنزل إلى أن “الحرب المستمرة في البلاد أفقدت الأسر هذه الفرحة بعدما رمت بثقلها على الحياة الطبيعية وحولتها إلى واقع مؤلم مع تدني القوة الشرائية”.

خراف الاضاحي

تحديات وحرمان

في السياق، أوضح تاجر المواشي عوض آدم أنه “بالفعل أسعار الخراف في سوق الماشية تشهد ارتفاعاً حاداً، ويرجع ذلك إلى ارتفاع أسعار الوقود التي فاقمت عملية النقل بين الولايات، إلى جانب ارتفاع قياسي في أسعار الأعلاف التي انعكست بدورها على أسعار المواشي، علاوة على المخاوف من التهديدات الأمنية وإغلاق الطرق في أي لحظة بسبب استمرار الصراع بين الجيش و”الدعم السريع”، كون المواشي تصل من ولايات الغرب بخاصة كردفان”.

وواصل آدم قوله “أسعار الخراف في أسواق العاصمة الخرطوم تختلف بحسب نوعها وحجمها، إذ هناك خراف بلغت أسعارها 850 ألف جنيه سوداني (200 دولار)، بينما تخطت الخراف الممتازة ذات الأحجام الكبيرة 1.5 مليون جنيه سوداني (350 دولاراً)، أما الخراف الحمرية وهي سلالة تتميز بجودة لحومها فوصلت إلى مليوني جنيه (450 دولاراً)، إذ تصدر في الغالب إلى الخارج بسبب زيادة الطلب عليها”.

وأردف المتحدث “الشراء الآن ينحصر في المواشي ذات الأسعار المنخفضة، لكن بات التفاوض في الأسعار غير وارد بسبب هامش الربح الضعيف، لا سيما أن فترة ما قبل النزاع كانت الأسعار مناسبة نظراً إلى وفرة المواشي ووصولها للأسواق المحلية من مختلف مناطق الإنتاج بخاصة دارفور وكردفان”.

ولفت تاجر المواشي قائلاً “في تقديري أن الأسعار خلال الأيام المقبلة ستزيد بسبب قلة المعروض، وأتوقع أن ترتفع القدرة الشرائية تدريجاً”.

فوضى وجشع

على صعيد متصل، قال الباحث الاقتصادي عبدالوهاب جمعة إن “موجة الغلاء التي ضربت أسواق المواشي تتجاوز أجور الموظفين في الدولة، مما يضع الأسر أمام خيارات صعبة، لا سيما أن طول أمد الصراع في السودان أدى إلى زيادة الضغوط الاقتصادية وتراجع العملة المحلية، إذ يسهمان بشكل كبير في تعقيد المشهد العام، ويجعلان شراء الأضحية لدى كثيرين أمراً صعباً في ظل الأوضاع الراهنة”.

وتابع جمعة “المخاوف أيضاً تمتد للجزارين الذين يقومون بعملية الذبح والخدمات المرتبطة بها، إذ ترتفع أسعارهم بصورة كبيرة بحلول عيد الأضحى، بيد أنهم يواجهون الضغوطات المعيشية نفسها خصوصاً تجهيز مستلزمات المهنة”.

وأوضح المتحدث أنه “قبل اندلاع الحرب كان السودان يصنف من أغنى الدول في قطاع الثروة الحيوانية على مستوى أفريقيا والعالم العربي، إذ يمتلك نحو 103 ملايين رأس، ويصدر المواشي سنوياً إلى دول الخليج وغيرها، وعلى رغم هذه الوفرة الهائلة فإن السودان الآن يعيش أسوأ أزماته الاقتصادية”.

وأشار الباحث الإقتصادي إلى أن “الانفلات في الأسعار يعود إلى الحرب التي عطلت سلاسل الإمداد وأدت إلى تراجع الإنتاج الحيواني في دارفور وأجزاء واسعة من كردفان، فضلاً عن مشكلة ارتفاع أسعار الوقود بسبب الحرب في إيران وإغلاق مضيق هرمز، مما أسهم في ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وتزامنت مع الحرب في السودان مما أعاق عملية النقل، فضلاً عن رسوم العبور، بينما كان لغياب الدولة دور بارز في فوضى الأسواق وجشع التجار”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع