الآن تضيق بهم الأرض، وتحشرهم في ممرها الأخير.
تحاصرهم أرواح من قُتلوا ومن سُحلوا بغير وجه حق، ولا نفسٍ بنفس؛ مليونان في جنوب السودان القديم، وثلاثمائة ألف في دارفور، وبضع عشرات في بيوت الأشباح بالخرطوم؛ الدكتور علي فضل وآخرون، وثمانية وعشرون ضابطاً أُعدموا دون محاكمة، وبضع آخرون جرى التخلص منهم كالنفايات بعد أن نفذوا أوامرهم في محاولة اغتيال حسني مبارك في أديس أبابا، وأرواح آخرين في بورتسودان، وفي كجبار والمناصير، ثم في اعتصام القيادة العامة بعد الثورة، وعشرات بعد انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر.
هي أرواح تحاصر الآن هؤلاء القتلة، خرجت عليهم من كل فج عميق.
هي الأرواح ذاتها التي دفعت واشنطن، من حيث لا تدري، إلى خنق الحركة الإسلامية وكتائبها المقاتلة، وحشرها في قفص المنظمات الإرهابية الأجنبية.
الآن، في زاوية هي الأشد عتمة في تاريخ السودان الحديث، ينفتح مشهد جنائزي مليوني مهيب يعبر عن مأساة وطن كامل.
في “الممر الأخير”؛ ذلك الحيز الضيق والخانق الذي تجسد اليوم في واقع حسي وجيوسياسي يعتصر الأجساد والأرواح في آن معاً.
هنا، في هذا البرزخ الضيق، تتداخل أصوات القذائف مع أنين الضحايا، وتتكاثف دماء أكثر من مائة وخمسين ألف روح ارتقت في الحرب الأخيرة، لتتحول إلى سحب سوداء داكنة ترفض الانقشاع.
وكأنما تبدو الأرض في السودان اليوم وقد ضاقت بأهلها وبجلاديها على حد سواء.
الشوارع التي شهدت يوماً هتافات السلمية والحرية تحولت إلى سراديب ترابية ضيقة وممرات وعرة للموت.
يفر الملايين نحو حدودٍ خلفها حدود، بحثاً عن هواء لم يتلوث ببارود “كتائب الظل” أو قذائف الميليشيات.
في هذا الممر يغيب المنطق، وتتحكم غريزة البقاء والأنانية لدى النظام القديم الذي أشعل الحرب لاستعادة عرشه المفقود.
إن مشهد الحرب الحالية لا ينفصل عن جدارية الموت التاريخية؛ فالأجساد التي تمزقها القذائف اليوم في الخرطوم ودارفور والجزيرة وكردفان، هي ذاتها الأجساد التي سُحلت في “بيوت الأشباح”، وأُعدمت في زنازين الفاشية بتهم حيازة النقد الأجنبي، وأُبيدت في محارق النيل الازرق، وجبال النوبة، والجنوب القديم.
إنه نهر دم واحد، متصل ومتدفق، يصب كله الآن في هذا الممر الضيق.
سحب سوداء وحصار قاتل، يشكلان المناخ العام في هذا الممر الأخير، الذي هو مصفاة أخلاقية بامتياز.
فالجو هنا مشبع برطوبة دموع الأمهات الدافئة، ومثقل بكثافة الأرواح الصاعدة.
تلك الأرواح التي غادرت أجسادها قسراً لا لتغادر الفضاء، بل لتتكثف لتشكل غلافاً جوياً خانقاً يحيط بهؤلاء السفاحين.
تحت هذه السحب السوداء، يبدو القاتل المحاصر مرعوباً ومستنزفاً رغم ترسانته الحربية الضخمة.
فالغطرسة التي بدأت بها الحركة الإسلامية حربها لاسترداد السلطة تحولت في هذا الممر إلى “عمى سياسي وعسكري”.
يتلفت القادة فلا يجدون حاضنة شعبية، ولا حليفاً دولياً حقيقياً، بل يجدون أنفسهم محشورين في قفص المنظمات الإرهابية، ومحاصرين بقوائم العقوبات والملاحقات الدولية.
إن القوة المزعومة التي قادتهم إلى هذا الفخ تحولت إلى قيد، والعرش الذي أرادوا اعتلاءه مجدداً تبخر ليصبح مجرد زنزانة ضيقة لا تتسع إلا لخياراتهم الصفرية والعدمية.
القتلة يبحثون عن مخرج، فلا يجدون سوى جدران صلدة من خطاياهم؛ جدار بناه الدكتور علي فضل، وجدار رفعه مجدي وجرجس، وسياجاً منيعاً شيده شهداء فض الاعتصام والحروب الممتدة.
وبالمقابل، ورغم فظاعة المشهد، فإن دماء الضحايا التي استرخصها الطغاة لعقود تتوقف في هذا الممر الأخير، لا باعتبارها “أضراراً جانبية”، بل لتتحول إلى جذور حية لعدالة تاريخية آتية.
الأرواح تحاصر مصاصي الدماء الآن من كل فج عميق، تضيق الخناق عليهم، وتقطع دابر شعاراتهم الزائفة، ليعلن الممر الأخير نهاية حقبة التمكين بالدم، وبداية الحساب الوجودي الذي لا مفر منه.