ثقافــة

نور الهدى يوجّه نداءً لتخفيف الأعباء المالية المفروضة على دور النشر المشاركة في المعارض العربية

تكاليف باهظة تربك الناشرين السودانيين

الدوحة – مشاوير: مجدي علي

في وقت تكافح فيه دور النشر السودانية من أجل البقاء وسط الخراب الذي خلّفته الحرب، وتعقيدات الطباعة والترحيل وفقدان البنية الأساسية لصناعة الكتاب، يبرز سؤال يتجدّد مع كل معرض عربي: كيف تستطيع دور النشر السودانية الاستمرار في المشاركة، بينما تتزايد الأعباء عامًا بعد آخر، وترتفع رسوم إيجار الأجنحة وتكاليف الشحن والسفر والإقامة، في وقت يواجه فيه قطاع النشر نفسه أزمة وجود حقيقية؟

هذا السؤال طرحه بمرارة ووضوح نور الهدى محمد نور، مدير دار عزّة للنشر والأمين العام لاتحاد الناشرين السودانيين، خلال حديثه لـ(مشاوير) على هامش مشاركته في فعاليات الدورة الـ35 من معرض الدوحة الدولي للكتاب، منتقدًا الارتفاع المستمر في رسوم إيجار الأجنحة داخل معارض الكتب العربية، إلى جانب التكاليف الباهظة لشحن الكتب وترحيلها، مؤكدًا أن الثقافة لا ينبغي أن تُعامل بوصفها نشاطًا تجاريًا خالصًا، بل باعتبارها ضرورة ترتبط ببناء الوعي وحماية المجتمعات.

ووجّه نور الهدى، الذي يشغل منصب ممثّل السودان في مجلس إدارة اتحاد الناشرين العرب، نداءً إلى الأقطار العربية التي تنظّم معارض الكتب لتخفيف الأعباء المالية المفروضة على دور النشر، وبالأخص السودانية، داعيًا إلى إتاحة المشاركة برسوم ميسّرة، لأن دعم الكتاب ــ بحسب قوله ــ يعني دعم الوعي نفسه، وهو ما ينعكس مباشرة على استقرار المجتمعات وتقليل أزماتها.

وأكّد نور الهدى أن الوعي لا يمكن قياسه بمنطق الربح والخسارة، لذلك ينبغي إزالة العقبات التي تعترض وصول الكتاب إلى الناس، مشدّدًا على أن صناعة النشر تحتاج إلى مناخ من الحرّية والأمان، وأن الكتاب يجب أن يكون حاضرًا ومتاحًا في جميع الأقطار العربية بصورة ميسّرة حتى يؤدي دوره الثقافي والتنويري.

ويقول نور الهدى، الذي ينظر إلى الكتاب بوصفه “قضية وطنية” لا مجرد صناعة ثقافية، إن الكتاب لا يقل أهمّية عن العلاج والتعليم، متسائلًا: “إذا كانت الحكومات تدعم المدارس والمستشفيات، فلماذا يُترك الكتاب وحده يواجه كل هذه التكاليف؟”. ويرى أن دعم صناعة النشر يمثّل استثمارًا في الوعي واستقرار المجتمعات، مشدّدًا على أن الشعوب القارئة والأكثر اتصالًا بالمعرفة تكون أقدر على حماية نفسها وتجاوز أزماتها.

وبحسب حديثه، فإن الناشرين السودانيين يواجهون ظروفًا مضاعفة بعد الحرب، إذ توقّفت معظم المطابع داخل السودان، ما اضطرهم إلى نقل عمليات الطباعة إلى القاهرة، ثم شحن الكتب إلى المعارض العربية بتكاليف مرتفعة، إلى جانب أعباء التخزين والنقل.

ورغم ذلك، يؤكّد أن المشاركة في المعارض لا تقوم على فكرة الربح بقدر ما ترتبط بالحفاظ على حضور الثقافة السودانية وربط أبناء الجاليات بوطنهم عبر الكتاب، فضلًا عن رفع اسم السودان في المحافل الثقافية العربية.

ويضيف: “السودان ما زال حاضرًا رغم المحن والحرب، وما زال القارئ السوداني يقرأ، ودور النشر السودانية تواصل إصدار الكتب ونشر المعرفة”.

ويؤكد نور الهدى أن دور النشر السودانية تحرص على توفير عناوين متنوّعة تُبقي الصلة قائمة بين السودانيين وثقافتهم، خاصة في ظل وجود جاليات سودانية كبيرة ومثقّفة في مصر وبلدان الخليج، لافتًا إلى أن العلاقة مع الجالية في المعارض تتجاوز حدود البيع والشراء، إذ اعتادت كثير من الأسر السودانية تقديم الشاي والقهوة والطعام للناشرين طوال أيام المعرض، في مشهد يعكس روح التضامن السودانية.

ويشير صاحب دار عزّة إلى أن مشاركاته في معارض الكتب الخارجية بدأت مبكّرًا منذ عام 1984 عبر معرض القاهرة الدولي للكتاب باسم دار نشر جامعة الخرطوم، قبل أن تبدأ مشاركات دار عزّة منذ عام 1996. أما حضوره في معرض الدوحة الدولي للكتاب فيعود إلى عام 2005، مؤكّدًا أن المعرض شهد تطوّرًا كبيرًا خلال السنوات الماضية من حيث التنظيم والتنوّع والحضور الثقافي.

ويبيّن أن الدورة الأخيرة لمعرض الدوحة شهدت مشاركة ست دور نشر سودانية إلى جانب دار عزّة، هي: دار المصورات، ودار الريم، وشركة المتوكل للطباعة والنشر والتوزيع، ودار قصاصات، ودار ترتقي للنشر والتوزيع، ودار الريس للطباعة والنشر.

وعن تأثير الحرب، يقول نور الهدى إن دار عزّة قد تعرّضت لخسائر كبيرة بعد احتراق بعض المخازن وتضرّر مكاتب ومكتبات الدار بشارع الجامعة في الخرطوم، إلا أن وجود نسخ من الكتب في القاهرة والرياض، إلى جانب الاحتفاظ بالنسخ الإلكترونية، ساعد في استمرار المشروع الثقافي. ويكشف أن الدار أصدرت حتى الآن نحو 750 عنوانًا، وهو رقم يراه من أعلى معدلات النشر في السودان.

ولا يفصل نور الهدى بين أزمة الثقافة والأزمة السياسية في السودان، إذ يرى أن الحروب المتكرّرة عطّلت تطوّر الدولة وأضعفت المجال الثقافي، موضحًا أن البلاد ظلت منذ الاستقلال منشغلة بسؤال “من يحكم السودان؟” بدلًا من سؤال “كيف يُحكم السودان؟”.

ويؤكّد أن على السودانيين المضي نحو بناء دولة ديمقراطية مدنية تحفظ التنوّع السوداني وتوقف هيمنة السلاح على الحياة السياسية، مشدّدًا على أن الاستقرار والسلام هما الشرطان الأساسيان لازدهار الثقافة والنشر.

وفي جانب آخر من حديثه، كشف نور الهدى أن دار عزّة تستعد للعودة إلى مقرّها بشارع الجامعة في الخرطوم بعد عطلة عيد الأضحى، لاستئناف نشاطها الثقافي ومواصلة مشروعها في نشر المعرفة.

كما أعلن عن مشروع موازٍ تعمل عليه الدار يتمثّل في إنشاء مكتبة عامة بمنطقة الحلة الجديدة بالخرطوم، موضحًا أن النقاش حول المشروع بدأ مع وزارة الثقافة قبل اندلاع الحرب. وقال إن المبادرة تتضمّن التبرع بثلاثة آلاف كتاب، وعشرين طاولة، وخمسين مترًا من الرفوف، في خطوة تهدف إلى تأسيس مكتبة عامة تخدم السكان وتوسّع فرص الوصول إلى المعرفة وترسّخ القراءة باعتبارها حقًا عامًا. وختم حديثه بالتعبير عن أمله في أن يشكّل المشروع بداية جديدة تعيد للكتاب دوره في الحياة العامة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع