فرصة الاختراق!!

أشرف عبد العزيز

يشهد المشهد السياسي السوداني منعطفاً حاسماً مع انطلاق اجتماع الحوار “السوداني – السوداني” في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا اليوم برعاية الآلية الخماسية.

يأتي هذا التحرك بعد تعثر لوجستي في جيبوتي الشهر الماضي، ليركز على أجندة حصرية ومحددة، أبرزها صياغة وهندسة العملية السياسية وتشكيل الحكومة الانتقالية.

تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الاجتماع في صيغته الهيكلية الجديدة، وتحديداً في حصر المشاركة على ثلاث كتل رئيسية تمثل موازين القوى الراهنة على الأرض وفي المشهد السياسي.

تجاوزت الوساطة في هذا الاجتماع حالة التشرذم السياسي التقليدي عبر تركيز الحوار بين ثلاث جبهات واضحة، وهي: الكتلة الداعمة للقوات المسلحة، وتمثل الامتداد السياسي والمؤسسي للدولة والجيش، وتبحث عن شرعية انتقالية تحافظ على تماسك مؤسسات الدولة. والكتلة الداعمة للدعم السريع (تحالف تأسيس)، وتسعى إلى حجز مقعد رئيسي في مستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية، وضمان عدم إقصائها من المشهد المستقبلي. والكتلة الرافضة للحرب (تحالف صمود وقوى أخرى)، وتمثل الصوت المدني الذي يحاول كسر حالة الاستقطاب العسكري، ويسعى لفرض أجندة وقف التدهور الإنساني والعودة إلى المسار الديمقراطي.

حصر الحوار في هذه الكتل الثلاث يقلل من “الضوضاء السياسية” والمزايدات، ويضع الأطراف الحقيقية المؤثرة في الصراع وجهاً لوجه أمام مسؤولياتها.

رغم حالة عدم الثقة العميقة، فإن فرصة خروج اجتماع أديس أبابا بتفاهمات تضع أساساً للعملية السياسية تظل ممكنة وقابلة للتحقيق، وذلك لعدة عوامل. فالهدف الآني للاجتماع ليس إنتاج حل نهائي، بل الاتفاق على “اللجنة التحضيرية”.

هذا الهدف المرحلي الذكي يتيح للأطراف التوافق على “قواعد اللعبة” أولاً (تحديد دور الوساطة وصلاحياتها)، قبل الدخول في التفاصيل المعقدة لجذور الأزمة، ثم التوافق على الحكومة الانتقالية.

الوصول إلى تشكيل حكومة انتقالية يعتمد بالدرجة الأولى على قدرة كتلتي (تأسيس) و(الكتلة الداعمة للجيش) على تقديم تنازلات متبادلة، وتراجع الطموحات العسكرية لصالح سلطة مدنية تكنوقراطية تدير الفترة الانتقالية.

وجود كتلة (صمود) كطرف ثالث عازل يمكن أن يلعب دور “الرافع الأخلاقي والسياسي” لتقريب وجهات النظر.

تظل التحديات والتقاطعات المعوقة كامنة في شيطان التفاصيل؛ ولذلك فإن مخاطبة “جذور الأزمة” (الهوية، وتوزيع الثروة، والعدالة الانتقالية)، إذا كانت في المفتتح، قد تفجر الخلافات مبكراً، ويجب أن يتم إرجاؤها إلى المرحلة التأسيسية اللاحقة.

وتظل أزمة الثقة في مدى التزام الأطراف العسكرية بأي اتفاق سياسي هي العقبة الكأداء.

يمثل اجتماع أديس أبابا “ضربة بداية” واقعية وعملية، وإن حصر الحوار بين طرفي النزاع والكتلة المدنية الرافضة للحرب يختصر المسافات السياسية. وإذا نجحت الآلية الخماسية في الضغط لانتزاع اتفاق حول تسمية اللجنة التحضيرية وتحديد إطار زمني للحكومة الانتقالية، فإن هذا الاجتماع سيمثل أول خطوة حقيقية لوضع السلاح وتأسيس الدولة السودانية الجديدة؛ أما الفشل ــ لا قدر الله ــ فيعني مأسسة الحرب وتحولها إلى صراع صفري ممتد.

Exit mobile version