العازة” التي شرحت مأساة السودان

حافظ حسين

في أم درمان، المدينة التي ما زالت تحاول أن تتعرف على نفسها بعد الحرب، قادني صديق إلى مقهى صغير تديره امرأة تدعى العازة. كانت عادت للتو إلى حياتها بعد رحلة نزوح فرضتها المعارك التي اجتاحت العاصمة. لم تكن امرأة سياسية، ولم تدّع امتلاك نظرية تفسر ما حدث للسودان. كانت فقط تتحدث من موقع من رأى بيته يُهجر، وكرامته تُنتهك، وحياته تُقتلع من جذورها.

سألتها عن الحرب، وعن الذين تسببوا في مأساتها الشخصية. توقعت أن أسمع لغة الإدانة والغضب التي أصبحت مألوفة في الخطاب العام السوداني. لكنها فاجأتني بإجابة بدت للوهلة الأولى شديدة البساطة، قبل أن أكتشف أنها شديدة العمق أيضاً.

قالت: «الذين هجروني من الدعم السريع أبنائي، والذين يقاتلونهم في الجيش أبنائي أيضاً».

ثم أضافت جملة أخرى لا تقل أهمية: «الدمار الذي أصاب البلد صنعه أبناء البلد أنفسهم».

لم تكن العازة تساوي أخلاقياً بين الأفعال أو تعفي أحداً من المسؤولية. كانت تشير إلى حقيقة أكثر إيلاماً: أن السودان لا يعيش حرباً بين غرباء، بل يعيش مأساة يصنعها أبناؤه بأيديهم. وحين سألتها عن السبب، لم تتحدث عن المؤامرات الدولية ولا عن الصراعات الإقليمية ولا عن الحسابات الجيوسياسية المعقدة. قالت ببساطة إن المشكلة في التعليم.

خرجت من ذلك المقهى وأنا أفكر في أن هذه المرأة ربما لخصت في دقائق معدودة ما عجزت النخب السودانية عن إدراكه طوال عقود.

ففي كل مرة يشتعل فيها نزاع جديد في السودان، ينشغل الجميع بالبحث عن الفاعلين المباشرين: من أطلق الرصاصة الأولى؟ من ارتكب الانتهاكات؟ من يتحمل المسؤولية السياسية؟ وهي أسئلة مشروعة بلا شك. لكن السؤال الذي نادراً ما يُطرح هو: كيف وصل السودان أصلاً إلى مرحلة يصبح فيها حمل السلاح خياراً واسع الانتشار بين أبنائه؟

هذا السؤال يقود مباشرة إلى القضية التي ظلت غائبة عن مركز النقاش الوطني منذ الاستقلال: أزمة التنمية.

منذ عام 1956 انشغل السودان بصراعات السياسة أكثر مما انشغل ببناء الدولة. تنافست النخب على السلطة، وتعاقبت الحكومات والانقلابات، وتبدلت الشعارات بين اليمين واليسار، بين المدنية والعسكرية، بين المركز والأطراف، لكن سؤال التنمية ظل دائماً مؤجلاً.

ورث السودان من الاستعمار دولة ذات بنية اقتصادية غير متوازنة، تركزت فيها الخدمات والاستثمارات والفرص في مناطق محددة، بينما تُركت مناطق واسعة على هامش الدولة. كان يفترض أن يكون الاستقلال لحظة تاريخية لإعادة توزيع التنمية وبناء مشروع وطني جديد. لكن ما حدث هو أن الدولة الوطنية أعادت إنتاج كثير من الاختلالات التي ورثتها.

لم تكن المشكلة فقط في نقص الموارد أو ضعف الإمكانات. فالسودان كان، وما يزال، واحداً من أكثر البلدان الإفريقية ثراءً بالموارد الطبيعية. المشكلة الحقيقية كانت في غياب الرؤية التي تحول هذه الموارد إلى تنمية متوازنة وإلى شعور عام بالمواطنة المشتركة.

ومن هنا يمكن قراءة معظم الحروب السودانية الحديثة.

فالحرب الأهلية في الجنوب لم تكن مجرد تمرد عسكري، كما صورتها الحكومات المتعاقبة. كانت في جوهرها تعبيراً عن فشل الدولة في بناء علاقة عادلة مع جزء كبير من مواطنيها. والأمر نفسه ينطبق بدرجات مختلفة على دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.

لكن اللافت أن السودان، رغم كثافة أزماته، لم ينجح في بناء تقليد بحثي راسخ لفهم هذه الأزمات.

في الدول التي تواجه تحديات كبرى، تتحول الجامعات ومراكز البحوث إلى مختبرات لفهم الواقع وصياغة البدائل. أما في السودان، فقد ظل القرار السياسي منفصلاً إلى حد كبير عن الإنتاج المعرفي. ولم تنتج المؤسسات الأكاديمية السودانية، بالقدر المطلوب، الدراسات العميقة التي تفسر جذور التهميش أو تحلل تحولات المجتمع أو تستشرف مخاطر المستقبل.

ولعل هذا هو ما قصدته العازة حين تحدثت عن التعليم.

فالتعليم ليس مجرد فصول دراسية وشهادات جامعية. التعليم هو الطريقة التي يفهم بها المجتمع نفسه. وهو الأداة التي تمكنه من تشخيص مشكلاته قبل أن تتحول إلى كوارث.

وحين يغيب التعليم بمعناه الواسع، يغيب معه التفكير النقدي، وتتراجع قيمة المعرفة، ويصبح المجال مفتوحاً أمام التفسيرات السطحية والشعارات الجاهزة.

لذلك ليس من قبيل المصادفة أن أزمة دارفور، على سبيل المثال، سبقتها سنوات طويلة من الإهمال التنموي والتدهور البيئي والتحولات الاجتماعية العميقة التي لم تجد من يدرسها بجدية كافية. وحين انفجرت الأزمة، بدا وكأن الجميع فوجئوا بها، رغم أن مقدماتها كانت واضحة لمن يريد أن يرى.

والأمر نفسه يتكرر اليوم.

فالحرب الراهنة ليست مجرد انهيار أمني أو صراع على السلطة بين جنرالين، كما يحلو للبعض أن يختزلها. إنها نتيجة تراكمات طويلة من فشل بناء الدولة الوطنية، ومن غياب التنمية المتوازنة، ومن تراجع الاستثمار في الإنسان السوداني نفسه.

لقد أنفقت الحكومات المتعاقبة موارد هائلة على إدارة الأزمات، لكنها لم تستثمر القدر نفسه في منع الأزمات من الظهور أصلاً.

ولهذا تبدو كلمات العازة أكثر أهمية من كثير من الخطب السياسية.

فهي لم تتحدث عن الجيش والدعم السريع بوصفهما كيانين منفصلين عن المجتمع، بل بوصفهما نتاجاً له. لم تنظر إلى المقاتلين باعتبارهم مخلوقات هبطت من خارج التاريخ السوداني، بل باعتبارهم أبناء بيئة اجتماعية وثقافية وتعليمية محددة.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

فالذين يدمرون السودان اليوم هم أنفسهم أبناء السودان الذين كان يفترض أن تحتضنهم المدارس والجامعات وسوق العمل ومشروعات التنمية. لكن الدولة التي عجزت عن توفير هذه المسارات أنتجت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بيئة صار حمل السلاح فيها أكثر حضوراً من فرص الحياة الكريمة.

لا يعني ذلك إعفاء الأفراد من مسؤولياتهم الأخلاقية أو القانونية. لكنه يعني أن الاقتصار على إدانة النتائج دون تفكيك الأسباب لن يقود إلى أي مستقبل مختلف.

لقد اعتاد السودانيون، منذ الاستقلال، التعامل مع الحروب باعتبارها أزمات أمنية. وربما آن الأوان للنظر إليها باعتبارها أزمات تنموية ومعرفية في المقام الأول.

فالمجتمعات لا تنهار فقط بسبب البنادق. إنها تنهار أيضاً عندما تفشل في إنتاج المعرفة، وعندما تتراجع قيمة التعليم، وعندما يصبح التخطيط للمستقبل أقل أهمية من الصراع على السلطة.

ولهذا فإن إعادة إعمار السودان لن تبدأ من الأسمنت والحديد فقط، رغم الحاجة الملحة إليهما. إعادة الإعمار الحقيقية ستبدأ يوم يصبح التعليم قضية وطنية كبرى، ويصبح البحث العلمي جزءاً من صناعة القرار، وتتحول التنمية من شعار سياسي إلى مشروع دولة.

حينها فقط يمكن للسودانيين أن يقطعوا مع الحلقة التاريخية التي جعلت كل حرب تبدو وكأنها نهاية المأساة، قبل أن يكتشفوا أنها مجرد بداية لحرب أخرى.

وفي ذلك المساء، بينما كنت أغادر مقهى العازة في أم درمان، بدا لي أن المرأة التي لم تدرس العلوم السياسية ربما فهمت من واقع تجربتها ما عجزت عن فهمه أجيال كاملة من الساسة: أن الأمم لا تدمرها الحروب وحدها، بل يدمرها أيضاً الفشل الطويل في بناء الإنسان.

Exit mobile version