
ضحك الذين أحبهم من حلمي بسودانٍ عظيم، أو جديد كما يحلو لنا.
ضحكوا كما يسخر التاريخ دائماً من ضحاياه ومن أبطاله في آنٍ معاً، يلقي عليهم نظرةً عابرة وهو يمرّ.
فيما سفينة ما قبل طوفان آخر تقبع الآن حافيةً على اليابسة.
ولذا، كما قال محمود درويش:
سأحلمُ، لا لأصلح مركبات الريح
أو عطباً أصاب الروح
فالأسطورةُ اتخذت مكانتها المكيدة
في سياق الواقعيّ.
سأحلمُ، لا لأصلح أيَّ معنىً خارجيّ
بل كي أرمّم داخلي المهجور
من أثر الجفاف العاطفيّ.
حفظتُ قلبي كله عن ظهر قلبٍ
ولم يعد متطفلاً ومدللاً
تكفيه حبة «أسبرين» لكي يلين ويستكين.
ضحكوا حين حدثتهم عن سودانٍ يسع الجميع، سودانٍ لا يفتش داخل القلوب عن أنسابها، ولا يزن الأرواح بموازين القبائل، ولا يجعل من الدم جواز مرورٍ نحو الغد.
ضحكوا، ولم يعلموا أن الأحلام الكبرى لا تولد إلا تحت وابلٍ من السخرية المرة، كسخرية ابن نوح، وأن التاريخ نفسه لم يبدأ مرةً إلا كفكرةٍ مستحيلة استيقظت في رأس رجلٍ وحيد.
أما التاريخ، ذلك الشيخ الأعمى الذي يمشي على عكازة القرون، فقد اعتاد أن يمرّ بين الضحايا والأبطال على نحوٍ ما، يلقي عليهم نظرةً خاطفة، ثم يمضي دون أن يلوي على شيء.
لكنه يعود دائماً، يعود بعد حينٍ طويل، ليكتب أسماء الذين سخر منهم الناس بحروفٍ من نار.
لتظل سفينة النجاة، قبل كل طوفان، رابضةً فوق يابسة اليأس، عاريةً من التصفيق، مغطاةً بغبار الغافلين، لكنها وحدها تعرف أيضاً أن الماء قادم، ومن أين؟.
لهذا سأحلم، لا لأن مثل هذه التعويذات قادرة على ردّ الموتى من منافيهم، ولا لأن الكلمات تستطيع أن توقف زلزال الحروب، بل لأن الحلم يظل هو آخر الشفرات في قلب الإنسان حين تتكاثر عليه النكبات.
سأحلم؛ لأن الأمم تموت يوم تكفّ عن الحلم، لا يوم تسقط مدنها.
وسأحلم بسودانٍ أعرفه، حتى وإن أنكره أبناؤه، وحتى إن تلاشت ملامحه تحت أنظارهم.
فما من أمةٍ يمرّ ظلها على جسد التاريخ آلاف السنين، إلا وكانت جزءاً من مشيئة الزمن نفسه.
وما من شعبٍ ظلّ يصنع التوازن بين الإمبراطوريات، ويغيّر مجرى الأحداث، ويعيد رسم الخرائط،
ثم يُقال له فجأةً: إنك كنتَ هامشاً.
كلا، فالسودان لم يكن علي هامش العالم قط.
فقد كان على الدوام هو القلب الذي يضخ الأثر في الشرايين، وكان اليد الخفية التي تمنع موازين العالم من الانكسار.
بمثلما كان الصخرة السوداء التي تحطمت عليها أمواج الغزاة كلما ظنوا أن الطريق لغزو أفريقيا مفتوح.
فحين أطبق الليل الآشوري على المشرق، وارتجفت المدن تحت وقع الحديد، نهض ترهاقا من ضفاف النيل.
نهض كأن النهر نفسه قد استل سيفاً من مياهه، وكأن جبل البركل قد تحوّل إلى فارس، وكأن كوش كلها قد نهضت كدولةٍ عظمى في ذلك الوقت من سباتها لتقول للكون:
«هنا حدُّ الطغيان».
فسار ترهاقا بجيشه نحو الشمال، لا طمعاً في أرض، ولا سعياً وراء غنيمة، إنما لضبط ميزان العالم المختل.
والى أن ارتبكت أمامه خطى إمبراطورية كانت تظن أن الشمس لا تشرق إلا بإذنها.
ومن بعده جاءت الكنداكات، لا كملكاتٍ يتكئن على العروش، لكن كعواصف نارية ترتدي أقراطاً وأثواباً نسائية.
كانت أماني ريناس أشدهن بأساً واشتعالاً.
إذ حين فقدت عينها في المعركة، لم تفقد معها بصيرتها، لتتحول عينها النازفة إلى ما يشبه شمساً أخرى، رأت بها ما لم تره روما كلها.
ثم رفعت رمحها بوجه أغسطس، وقالت للإمبراطورية التي ظنت نفسها خالدة:
«إن للنيل أيضاً آلهةً تحرسه،
وإن للصحراء ذاكرةً لا تُهزم».
فاهتزت روما عن بكرة أبيها، واهتز معها وهم الخلود إلى الأبد.
أما سنار، فلم تكن هي الأخرى مجرد مدينة.
فقد كانت فكرةً نزلت على الأرض، امتزج فيها العرق بالعرق، واللغة باللغة، والروح بالروح، لتولد كينونةً متفردة من رحم مثل هذا التنوع.
كانت القوافل تأتيها من أقاصي الغرب كما تأتي الأنهار إلى البحر.
وكان الذهب والحديد والصمغ والعلم يتدفق منها كأنها قلب القارة النابض.
وكانت الحضارة تمشي في أسواقها بثياب الدراويش.
أما دارفور، فكانت نجمةً أخرى في تاج السودان العظيم.
حين جفّت ينابيع الكرم في كثير من البلاد، كانت الفاشر تكسو الكعبة.
وحين انشغل الملوك بعدّ خسائرهم، كان علي دينار يعدّ آبار الماء للحجيج.
كأن السودان بأسره — شرقه وغربه، شماله وجنوبه — قد خُلق ليعطي.
لهذا أقول بثقة:
إن أكبر أكذوبة مرّت علينا في هذا العصر هي أن السودان تابعٌ لغيره.
والتابع بطبعه لا يغيّر مجرى التاريخ كما فعل أسلافنا.
فالتابع لا يحرس أمن القارات.
والتابع لا يعلّم الإمبراطوريات بحد السيف حدودها.
لقد كان السودان دائماً مركزاً تدور حوله دوائر التأثير، ومنبعاً تتشعب منه أنهار المعاني.
أما هذا الدمار الذي يملأ الأفق اليوم، فليس إلا استراحة جرح، وليس إلا غفوة نسر، وليس إلا سحابةً عابرة حجبت وجه الشمس لبعض الوقت.
لأن الأمم العظيمة لا تموت، إنما تدخل فقط في دورات بياتٍ من حينٍ لآخر.
تغيب عن العيون تارةً، بيد أنها تواصل إعداد قدرها في السر.
ولهذا، فإنني لا أرى في هذا الرماد نهايةً، بل أرى فيه صورة بداية، وإن جاءت على غير ما عهد الناس.


