مقالات

بين الذاكرة الممتدة واللحظة العارضة: الجالية السودانية في بريطانيا وحادثة بلفاست

عبد الجليل سليمان

في لحظةٍ يثقل فيها المعنى أكثر مما تحتمله الأخبار، تفرض حادثة بلفاست الأخيرة حضورها كفعلٍ صادمٍ ومؤلم، لا يترك سوى موقفٍ أخلاقي واضح؛ “الإدانة الصريحة، والتعاطف الإنساني الكامل مع الضحية وأسرته، ومع المجتمع الإيرلندي الذي تلقّى الحادث بصدمةٍ عميقة”.

فالعنف، أيّاً كان مصدره أو سياقه، يظل فعلاً مرفوضاً لا يمكن تبريره أو التخفيف من حدّته تحت أي ظرف.

وانطلاقاً من هذا الحدث العابر في زمنه، الممتد في أثره، يمكن النظر إلى سياقٍ أوسع وأكثر رسوخاً، هو تاريخ الحضور السوداني في بريطانيا، الذي بدأت ملامحه تتشكل منذ أربعينيات القرن العشرين، عبر البعثات التعليمية والعسكرية في الحقبة الاستعمارية، قبل أن يتعزز في مراحل لاحقة مع موجات الطلاب الذين قصدوا الجامعات البريطانية في لندن ومانشستر وإدنبرة وغيرها.

ومع مرور الوقت وتراكم الزمن، تبلورت جالية سودانية مهنية ذات حضور واضح، ضمّت أطباء ومهندسين وأكاديميين وباحثين وأدباء وإعلاميين، أسهموا في مؤسسات الدولة البريطانية، خصوصاً في قطاعات الطب والتعليم والخدمات العامة، مع احتفاظهم بروابط ثقافية وإنسانية عميقة مع وطنهم الأم.

وقد اتسمت هذه التجربة، في مجملها، بالاندماج الهادئ والالتزام بالقانون، وبناء علاقات اجتماعية تقوم على الاحترام المتبادل، ما جعل السودانيين جزءاً مستقراً من النسيج البريطاني متعدد الثقافات، لا حالة هامشية أو طارئة فيه.

ومع العودة إلى حادثة بلفاست، فإنها تبقى، رغم فداحتها، واقعة فردية معزولة لا يجوز تعميمها أو تحميلها دلالات جماعية.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن فهم الإنسان خارج سياقاته الأوسع؛ فالسودان مرّ خلال العقود الماضية بتحولات قاسية، من ثلاثين عاماً من الحكم الإسلاموي بما رافقه من اختلالات سياسية واجتماعية عميقة، إلى حربٍ مدمّرة ما تزال تدفع بملايين السودانيين إلى اللجوء والتشرد في مختلف أنحاء العالم.

هذه الظروف، بما تحمله من ضغط نفسي واجتماعي شديد، قد تُلقي بظلالها على بعض الأفراد، دون أن تُستخدم بأي حال لتبرير العنف أو التخفيف من مسؤوليته، لكنها تظل جزءاً من محاولة الفهم لا الحكم.

ومع ذلك، تبقى الصورة الأوسع أكثر رسوخاً من أي حادثة منفردة. فالجالية السودانية في بريطانيا، عبر عقود طويلة، رسخت حضوراً يقوم على العمل الجاد والالتزام القانوني والمشاركة الفاعلة في المجتمع، مقدّمة نموذجاً للاندماج الإيجابي والإسهام البنّاء.

وفي هذا السياق، تبقى الحوادث الاستثنائية ، مهما بلغت حدّتها، خارج السياق العام، لا تختزله ولا تمثّله، ولا ينبغي أن تطغى على تاريخٍ ممتد من الحضور الإنساني الإيجابي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع