عمنا “التنيح ود سعد” كان رجلاً صعب المراس، قالوا إنه عندما كان صغيراً كانت لديه (نبلة) يكسر بها زجاج السيارات.. “التنيح ود سعد” كان شغوفاً بـ(الشكاوى)، هذا الرجل صنع له “عراقياً” وسروالاً مخصصين للشكاوى… وعيناه من كثرة الشكاوى أصبحت كـ(العريضة).
عمنا “التنيح ود سعد” يلتقيك صباحاً فيجلس يشكو إليك من الكهرباء والماء المنقطع، والأسعار الغالية، ورغيف الخبز الذي صغر حجمه… هذا الرجل لو اشترى (جبناً) لقال لك إنهم نقصوا وزنه.
تلتقيه نهاراً فيشكو لك من الذباب والبعوض، والحر الشديد، وحتى المطر الذي هو نعمة الله على الأرض يشكو منه.
يلتقيك عصراً فيشكو من الظهر والعيون والسكري والضغط والمصانع وكامل ادريس، ومن الأطفال الذين أصبحوا لا يسمعون الكلام ولا يقضون الاحتياجات.. الواحد منهم ترسله إلى المتجر فيعود إليك بعد سنة، حتى تنسى لأي شيء أرسلته؟
الطفل ترسلونه طفلاً فيعود إليكم شاباً، كأنكم أرسلتموه إلى (اللوتري).
عمنا “التنيح ود سعد” تجده واقفاً في المتجر يشكو من شبكة الاتصال ومن تطبيق (بنكك)، ومن الجيران الذين يلقون النفايات أمام بيته.
عمنا “التنيح ود سعد” التقيته عائداً من السوق فقال لي إن الطماطم أصبحت رديئة، واللحم غشوني فيه إذ أعطوني إياه كله (عظاماً)، والملوخية هذه الأيام كلها (سماد) لا ينبغي لأحد أن يقربها.
والطبيب الجديد الذي أحضروه للمركز الصحي ليس ماهراً، أعطانا حبوباً كادت تقتلني.
عمنا “التنيح ود سعد” سقط مرة فذهبنا به إلى قسم الطوارئ، وأجرى صوراً وموجات صوتية، فما إن نظر الطبيب إلى نتائج الفحص، حتى نزع نظارته وقال له: للأسف لديك (شكاوى) في الحالب.
دارت الأيام ومرت وتوفي “التنيح ود سعد”، فجزع عليه أهل الحي كلهم وقالوا سنفتقده في أمر الماء.. هذا الرجل كان يوصل صوتنا إلى السلطة.
ذهبنا إلى المقابر، وحفرنا القبر، وقبل أن ننزل “التنيح ود سعد” في (الّلحْد) وقف رجل يبدو عليه الوقار والاحترام عند طرف القبر، وترحم على المرحوم وقال: يا جماعة، قبل أن ندفن، هل هنالك من يطالب المرحوم بمال؟
الناس كلهم قالوا: ليس هنالك من يريد منه شيئاً… العفو والعافية.
الرجل الكبير المحترم قال: ما دام لا أحد يريد منه شيئاً، بالله عليكم وسعوا له (الّلحْد)، هذا الرجل -رحمه الله- كان (شكاءً) ولا يحب الضيق.
عمنا “التنيح ود سعد” هذا يذكرني بنادي المريخ، طوال السنة وهم مشغولون بـ(الشكاوى).
شكاواهم كثيرة وكورتهم شوية.
حتى المشجع العادي في المريخ تجده بعد أي هزيمة يشكو بصورة تلقائية من الحكم، حتى لو لم يشاهد المباراة يقول لك: لنا ركلة جزاء أو لنا هدف لم يُحتسب، وأي فريق يسجل في مرماهم هدفاً يكون قد جاء من تسلل واضح… هؤلاء الناس تبرمجوا على هذا النحو.
هذه أمور عادية في كرة القدم، فلا تجعلوها منها قضية وتثبتوا “مريخيتكم” من خلالها. الناس تجاوزت هذا الفهم.
هذا الوضع في المريخ لا يقلقنا؛ فهم طالما استمروا على هذا الوضع فإن خروجهم من الدور التمهيدي سوف يستمر، وسوف يكونون بعيدين محلياً عن منصات التتويج.. هم يمنحوننا الفرصة للمزيد من الانتصارات عليهم.. يجعلون دوافعنا في النصر أكبر.. لا تستفزوا أصحاب الحقوق، لأن ردهم دائماً أقوى.
هل الموضوع له علاقة بالجينات والعادات والتقاليد؟
هل الموضوع له علاقة بمن أسست المريخ، السيدة “سيدة فرح”؟.. أشعر أن أحفاد “سيدة فرح” تأثروا بنشأة التكوين.
أعتقد أن ما يحدث في المريخ متوارث، هم ينظرون إلى ذلك على أنهم على حق وأنهم مستهدفون، رغم أن الاتحاد العام -باعترافهم- كل لجانه حمراء؛ إنني أزعم أن اتحاد كرة القدم العام “مريخي” أكثر من مجلس إدارة المريخ.
مرة أخرى، ما يحدث في المريخ لا يقلقنا، فهذا الذي يحدث هو الذي يصنع الفارق بين الهلال والمريخ.