تواجه مدينة الأبيض، عاصمة إقليم شمال كردفان، كارثة إنسانية كبيرة جراء الحصار المفروض عليها الآن، وستتضاعف الكارثة إذا نجحت قوات الدعم السريع في اجتياح المدينة، كما فعلت في مدينة الفاشر، وقد يتكرر ما حدث من مآسٍ بحذافيره، وربما بصورة أشد، بحكم أنها مدينة مأهولة بالسكان، وقد نزح إليها آلاف آخرون من المناطق المجاورة.
يمكن أن يتكرر الحديث كثيرًا عن المسؤول، وأين وكيف ولماذا، لكن المطلوب الآن هو التفكير في كيفية تجنيب الأبيض وسكانها هذه الكارثة، وكيف نستطيع إقناع أطراف الحرب ومليشياتها بأن تبعات المأساة الإنسانية التي قد تحدث أكبر من أي انتصار عسكري، أيًا كان.
وبجانب ذلك، يجب تذكير المجتمعين الدولي والإقليمي بدورهما السلبي تجاه مأساة الفاشر ومسؤوليتهما عن نتائجها، وأن عليهما التحرك الآن، وقبل وقوع الكارثة، والتي إن حدثت فلن تنفع الضحايا بياناتُ الشجب والإدانة.
ليست لديَّ فكرة جاهزة عما يجب فعله، لكنني أظن أنه لا بد من مبادرة مدنية تتجاوز الأطر السياسية والآيديولوجية الحالية، وتضع العامل الإنساني نصب أعينها، وتعمل دون محاولة الانتصار لأي طرف سوى إنسان مدينة الأبيض.
ودعونا نقول في البداية إننا نعلم أن هذه حرب، وقد دارت فصولها في مناطق كثيرة من بلادنا، وظلت القوى المدنية الديمقراطية تعلن موقفها الرافض للحرب منذ اليوم الأول، ولم يستمع إليها المنخرطون فيها.
ورغم ذلك، فإن هذا لا يعفيها من مواصلة المحاولات لوقف الحرب بشكل نهائي، أو القيام بفعل مؤقت ومحدود للتخفيف عن المواطنين في منطقة معينة.
ونعلم أيضًا أنه لا يمكن إقناع أي طرف بالاستسلام الكامل أو الانسحاب من جانب واحد، لذلك فلنفكر في مبادرة تضمن توقف العمليات العسكرية، وتحقيق انسحاب متبادل إلى حدود معينة، وتسهيل مرور المساعدات الإنسانية للمواطنين، وتيسير حركتهم، بحيث يكون هذا الوضع مقدمة لأي حوار جاد لوقف الحرب وتحقيق السلام.
ولأننا نعلم أن عملية وقف الحرب وتحقيق السلام عملية شاقة، وستحدث على مراحل، فلتضغط القوى المدنية السودانية، بمساعدة القوى الإقليمية والدولية، لتكون أوضاع مدينة الأبيض نقطة البداية للفصل بين القوات وإعلان هدنة إنسانية.
المطلوب هو التفكير بشكل جاد وسريع في مبادرات إنسانية تتبناها القوى المدنية وتدفع بها إلى الإقليم والمجتمع الدولي، يكون محورها الأساسي حماية إنسان مدينة الأبيض، وعدم السماح بتكرار مأساة الفاشر.
ما يحدث في الأبيض يمكن أن يكون مقدمة لوقف الحرب، ويمكن أن يكون إعلانًا بتمزق السودان بشكل لا يمكن رتقه. ومهما كانت الصعوبات، فإن علينا الانحياز للخيار الأول والعمل من أجله.