حوارات جانبية .. بلا معنى

فيصل محمد صالح

تنعقد هذه الأيام جلسات تفاوض بين مجموعات من القوى المدنية في مدينة جنيف السويسرية، وسبقتها لقاءات ومؤتمرات في باريس، وكيغالي، وأديس أبابا، وبرلين… إلخ. وهكذا تدور الساقية بلا نهاية معروفة. وكل هذه الحوارات يقال إنها تصب في مجرى الرباعية والخماسية التي لم يمتلئ مجراها بعد… ولا أحد يعلم متى وكيف سيحدث هذا الامتلاء.

هذا الأمر يبدو أنه تطويل مقصود تقف وراءه أهداف وغايات لا علاقة لها بحل المشكلة السودانية، وإنما تمييع الحلول وتعويم الساحة بخليط من الغث والسمين، وخلط الأوراق بحيث يسأم الناس من جهود الحل السلمي الذي تعلقوا به لفترة طويلة بعد أن سئموا من الحرب، وبالتالي تصبح هناك قابلية لأخطر وأسوأ السيناريوهات، بما فيها التقسيم أو فرض الوصاية الإقليمية والدولية، وتوزيع دمنا بين الدول.

وتمهيدًا لهذا الأمر يدور حديث مكتوماً بين الدوائر السياسية عن مقترح جديد تبادر به إحدى الدول الشقيقة، يهدف إلى فتح مسار جديد يقوم على تشكيل كتلة مدنية جديدة تعتمد على الأحزاب والقوى التقليدية القديمة، مع من يوافق على الانضمام إليها من القوى المدنية الحديثة، أحزاباً وأفراداً، مع استبعاد الكتل الحالية، على أن تقبل المجموعة الجديدة العمل تحت قيادة البرهان.

الحجة التي تقدمها الدولة الشقيقة أن المؤسسة العسكرية لن تقبل، بعد الحرب، العمل تحت أي قيادة مدنية بسبب الخلافات التي حدثت في فترة الحرب، وأن القوى المدنية تريد استبعاد العسكر من الحكم. وبالتالي فإن الفريق عبد الفتاح البرهان يمكن أن يشكل حلًا وسطاً؛ فيخلع بدلته العسكرية ليكون قيادة مدنية للتشكيل الجديد، وسيكون مقبولًا من المؤسسة العسكرية بحكم أنه كان على قيادتها خلال فترة الحرب.

وعلى بساطة الفكرة وسذاجتها، فإن فيها كثيرًا من التضليل والتعمية؛ فأن يغير البرهان بدلته العسكرية ويرتدي الزي المدني لا يعني أنه أصبح مدنياً، ولن تتغير عقليته في صباح اليوم التالي مباشرة. كما أن الفكرة تنبني، بشكل مباشر، على انتفاء مبدأ المحاسبة على ما مرت به البلاد من مصائب، وما تم ارتكابه من جرائم.

والأغرب والأعجب أن هذا المقترح لا يجيب عن السؤال الأولي: كيف نوقف الحرب أولًا قبل أن نحدد من هو الحاكم والقائد للمرحلة الجديدة؟ وكأنه يراهن على أن البرهان قد انتصر فعلًا في هذه الحرب، أو أنه سيفعل، وهذه قراءة رغبوية وعجائبية في الوقت نفسه، لا تستند إلى ساقين ولا حتى إلى ساق واحدة.

أظن أن واجب القوى المدنية الجادة والملتزمة بالجهود الحقيقية لوقف الحرب أن تعلن موقفاً واحداً وقاطعاً بعدم المشاركة في الحوارات والجلسات الجانبية، أو الاستجابة لأي مبادرات جديدة هدفها الأساسي هو «تشتيت الكرة» بلغة كأس العالم لكرة القدم.

هناك طريق واحد معروف التزمت به الرباعية والخماسية.. فلتمضِ فيه القوى المحلية والإقليمية والدولية إن أرادت حل مشكلة الحرب والسلام في السودان، ولتترك لمن أراد اللعب أن يلعب وحده في تقسيمة ودية… إن رغب.

Exit mobile version