شواهد إضمحلال الدولة!! (نذر الإنهيار التام ودلالات عجز الرأسمالية الطفيلية)

د. أحمد عثمان عمر 

لكل دولة مقومات أساسية لا يمكن أن تتواجد وتستمر بدونها، تبدأ من عناصرها الدستورية وتلك التي تقود للإعتراف بها كدولة في المجتمع الدولي، وتشمل دورها الوظيفي، وتنتهي بمشروعيتها وخطابها السياسي الذي يكسبها شرعية ما. وبالنظر للسودان الموبوء بسيطرة رأس المال الطفيلي منذ وثوب الحركة الإسلامية المجرمة للسلطة في العام 1989م في إنقلابها المشؤوم ، نجد أن الدولة واصلت نهج التآكل المستمر، حتى وصلت لحالة الإضمحلال الراهنة، وتكاثرت نذر إنهيارها التام، وحتمت ضرورة ازالة أسباب هذا التآكل وإعادة بناء الدولة من جديد.

بداية تآكل الدولة واكبت الوثوب للسلطة عبر إنقلاب عسكري فاقد للشرعية ومقوض للدستور، والشروع في تنفيذ مشروع الحركة الإسلامية المجرمة المسمى المشروع الحضاري زورا وبهتانا، وهو مشروع سعى لإعادة هيكلة المجتمع حامل الدولة نفسه، ليصبح مزرعة يسيطر عليها الرأسمال الطفيلي المسمى إسلامي. ولتكتمل السيطرة والتمكين، تم بناء دولة موازية كاملة، سيطرت على جهاز الدولة الشكلي المعلن وأفرغته من محتواه.

فالقيادة العسكرية والأمنية للتنظيم ، سيطرت تماما على الجيش، وبنت جهاز أمن مملوك للحركة الإسلامية المجرمة بالكامل، ومكنت مليشيات الظل وجهاز الأمن الشعبي الخاص بالتنظيم، من السيطرة الكاملة على النشاط العسكري والأمني، وبنت فوق ذلك مملكة الإقتصاد الموازي الذي ابتلع اكثر من 82% من الدخل القومي كما ذكر (المؤسس)، عبر شركات الجيش وجهاز الأمن ومنظمات الحركة الإسلامية المجرمة، التي سيطرت ظاهرتها السيطرة على الخدمة المدنية المعاد هيكلتها عبر فصل مئات آلاف الشرفاء من الخدمة لصالح الرأسمالية الطفيلية الخاص الذي عرف حينها بالصالح العام، وبهدف التمكين. تزامن ذلك مع توسيع حرب الجنوب وتحويلها لحرب دينية لا تبقي ولا تذر، وتكوين مليشيا الدفاع الشعبي لعسكرة الشعب والإقتصاد ونزح الفائض الاقتصادي، وتخلي الدولة عن واجباتها في تقديم الخدمات للمواطنين، فاندثرت مجانيّة العلاج والتعليم، وأصبحت صحة المواطن وتعليمه سلعة لمن يقدر على دفع ثمنها، وظهرت شريحة من أثرياء الصدفة غير المنتجين، الذين يستخدمون جهاز الدولة للإثراء غير المشروع، عبر الفساد والتجنيب وغياب المحاسبة والمحسوبية، وظهرت رعاية الارهاب مع العزلة الدولية والركون لسياسة الانخراط في المحاور وتحويل أموال الدولة لأموال خاصة بأفراد من التنظيم بدعاوى تخطي الحصار والعقوبات المفروضة على الدولة الموسومة برعاية الإرهاب والمطرودة من دائرة التعامل الصحي والمباشر مع المجتمع الدولي.

وشهدنا مع الإفقار التام للمواطنين والإثراء المطرد للتنظيم المجرم وأفراده، تآكل قدرته على فرض إرادته كسلطة، وخروج الجنوب عن سلطته ثم إنفصاله، وبعدها إتساع دائرة حرب دارفور وخروج أجزاء منها عن السلطة وما صاحب ذلك من فظائع الجنجويد التي جعلت رئيس الدولة مطاردا وهاربا من العدالة الجنائية الدولية، وكذلك الإنقسامات المتعددة داخل الحركة المجرمة نفسها بسبب السلطة وكيفية إستدامتها والسيطرة على آليات النهب التي توفرها للطفيليين غير المنتجين، الذين يحتاجون لجهاز الدولة لمراكمة ثرواتهم. وعند إندلاع ثورة ديسمبر المجيدة التي أسقطت رأس النظام، قامت الدولة الموازية بإنقلاب قصر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مستخدمة الجيش المختطف والمصادر لمصلحة الحركة المجرمة، وقمعت في ظل سلطة شبه المدنية المسيطر عليها الحراك الجماهيري وإرتكبت مجزرة فض إعتصام القيادة العامة، وإنتقلت لإنقلابها الثاني بهدف إستعادة كامل تمكينها وسيطرتها على السلطة الواجهة لسلطتها الموازية، الذي قاد إلى الحرب الراهنة التي أشعلتها بسبب الإنقسام الذي حدث في معسكرها وفي جهازها العسكري ولجنتها الأمنية.

وهذا قاد لتسريع وتيرة الإضمحلال وأوضح نذر الإنهيار بصورة جلية.

ومن هذه النذر والشواهد، خروج ما يقارب نصف أراضي البلاد عن سيطرة التنظيم، وقيام سلطة موازية غير شرعية فيه، وفشل الجيش المختطف في القيام بواجبه وتراجع دوره كمؤسسة قيادتها غير شرعية، والإضطرار للإعتماد على المليشيات بصفة أساسية في الحرب مع الجنجويد، وغياب الخدمات بصفة عامة مع الفشل في دفع رواتب العاملين بالقطاع العام، مما أدى لإضراب المعلمين أخيرا ومحاولة اللجوء للمليشيات لإستبدالهم والتهديد بذلك، وكذلك الفشل في تمويل العملية الزراعية وإنهيار الجنيه في مواجهة الدولار بمستوى حول حياة المواطنين إلى جحيم، وعجز حكومة الأمر الواقع عن تمويل الحرب التي أكلت أكثر من تريليون دولار حتى الان، بعد أن تمت محاصرة مموليها من الدول الداعمة لها عبر الرباعية، وبعد أن صنفت الولايات المتحدة الأمريكية الحركة المجرمة المسيطرة عليها كمنظمة إرهابية لتدفعها إلى مزيد من العزلة المؤكدة لعدم الإعتراف بها دوليا بالأساس.

يضاف إلى ذلك تنازل هذه السلطة طوعا عن السيادة لمصلحة الدول الداعمة لحربها المفروضة عن المواطن، ودلالة على ذلك تحميلها المعدنين الذين قصفهم الطيران المصري مسؤولية قصفهم داخل أراضي البلاد، وإتهامهم من قبل الإنقلابي المزمن بأنهم تجاوزوا الحدود، بدلا من الإحتجاج على إعتداء الطيران المصري على البلاد وسيادتها.

كذلك من شواهد ونذر الإنهيار سيطرة مليشيات الإرتزاق الدارفورية على وزارات سيادية أساسية منها وزارة المالية المتحكمة في الدخل القومي دون رقابة، وإبتزازها للحركة المجرمة وسلطتها الواجهة، مستندة إلى الحاجة اليها في الحرب ضد الجنجويد.

أيضا من شواهد تآكل الدولة وإنهيارها، غياب السلطة التشريعية، وتبعية السلطة القضائية للسلطة التنفيذية، وضعف السلطة التنفيذية المطلقة برغم جباياتها وإستبدادها السياسي، ووهن قبضتها كسلطة برغم عسفها وتحميلها تكلفة حربها للمواطن المغلوب على أمره.

وهي مظاهر تشكل بعضا من كل، يؤكد غياب السلام حيث تحكم الحرب، وغياب الحرية حين يتحكم الرأسمال الطفيلي ويستبد ويسود منطق المليشيات، وغياب العدالة حين تصبح مؤسسات العدالة في يد منظمة إرهابية، وحين ينهار الإقتصاد ويسود أغنياء الحرب ويتمكن الإقتصاد الموازي ويتم تحميل المواطن تكلفة الحرب.

وهذا يوضح تماما طبيعة السلطة غير الشرعية المعادية لشعبنا، والتي تغيب العناصر الثلاثة لشعار ثورة ديسمبر المجيدة “الثورة خيار الشعب حرية سلام وعدالة “.

يبقى أن ننوه إلى أن البعض يستخدم نذر الإنهيار وشواهد إنهيار الدولة كسبب لتمرير رغبته في التقارب مع الحركة المجرمة المصنفة كمنظمة إرهابية، بدعاوى الحكمة والعقلانية وضرورة الدخول في تسوية تمنع الدولة المضمحلة من الإنهيار، في حين أن المطلوب العكس تماماً. إذ لا يمكن أن توجد دولة دون إسقاط الحركة الإسلامية المجرمة وضرب الرأسمال الطفيلي وإزالة شبه دولته المضمحلة الآيلة للانهيار الان، لأنها ببساطة ليست دولة السودانيين بل واجهة لسلطة التمكين غير الشرعية المعادية لشعبنا، لبناء دولة كل السودانيين، عبر إقصاء وطرد الحركة الإسلامية المجرمة والجنجويد الإرهابيين معا من المعادلة السياسية المدنية الخالصة.

فالمطلوب هو تحطيم آلة الدولة الراهنة، وإعادة بناء الدولة من جديد على أسس السلام والحرية والعدالة، بتمكين الجبهة القاعدية من السلطة بعد استكمال بنائها، ومحاسبة مجرمي السلطة غير الشرعية ومن ورائهم وكذلك الجنجويد، وعدم السماح لهم بالإفلات من العقاب. وهذا واجب نثق في شعبنا ثقة مطلقة بأنه سينجزه وقريبا، فبوادر عودة الحراك الجماهيري ظهرت، والتراكم لمصلحة الجماهير لا مصلحة أعداء الشعب.

وقوموا إلى ثورتكم يرحمكم الله!!

Exit mobile version