يكشف الحكم القضائي الصادر عن محكمة جنايات دنقلا، بسجن الصيدلاني أحمد الشفا لعامين وتغريمه مليون جنيه، على خلفية سجال فكري وسياسي حول الحرب، عن أبعاد بالغة التعقيد والخطورة في المشهد السوداني الراهن، حيث تتداخل التوازنات العسكرية بالمسارات القانونية لإنتاج واقع مأزوم يضيق فيه الهامش المتاح للتعبير والحرية الشخصية.
هذه القضية، التي بدأت بخلاف اعتيادي حول مواقف الحرب، لتنتهي بتهم ثقيلة تتعلق بإثارة التذمر وسط القوات النظامية والإخلال بالسلامة العامة، تسلط الضوء على تنامي نفوذ المجموعات المسلحة غير النظامية، وتحديدًا كتيبة البراء بن مالك، وقدرتها على توجيه الأدوات القانونية للدولة لحماية عناصرها وتكريس حضورها السياسي والاجتماعي.
تتجلى المفارقة الصارخة هنا في ترحيب هذه المجموعة بالحكم واعتباره حماية لحقوق عناصرها، في وقت تحيط بالكتيبة نفسها تساؤلات وشبهات كبرى تضع نزاهتها وشعاراتها على المحك، إذ تشير المعطيات إلى واقعة سابقة بالغة الغرابة تمثلت في إلقاء القبض على مسؤول عمليات في ذات الكتيبة بتهمة خطيرة هي الاتجار بالسلاح وبيعه لقوات الدعم السريع، ورغم فداحة هذا الاتهام الذي يمس صلب معركتهم المعلنة، فقد جرت تبرئته عسكريًا لاحقًا في مسار يثير الريبة، بل وتحول المتهم إلى شاهد في ذات القضية، مما يوضح حجم التناقضات الداخلية وغياب الشفافية.
إن هذه البراءة ومحاولات غسيل السمعة القضائية تصطدم بحقيقة أن الكتيبة برمتها تخضع لعقوبات دولية، ومصنفة لدى جهات عدة مجموعةً إرهابية، بالنظر إلى الممارسات البشعة التي تبجح بها عناصرها مرارًا وتكرارًا، مثل توثيق ذبح الأعداء والتمثيل بالجثث، وهي سلوكيات تتعارض كليًا مع قيم الإنسانية، وحتى القيود الأخلاقية للحروب.
في المقابل، فإن التضييق على الآراء وملاحقة المواطنين قضائيًا بسبب انتقاد هذه المجموعات يمثل انتهاكًا ليس فقط للمواثيق الإنسانية الحديثة، بل لجوهر الدين الإسلامي الحنيف، الذي كفل الحرية الفكرية وأعطى الحق لأي إنسان في ألا يرى القضايا من وجهة نظر واحدة مفروضة بالقوة.
وإذا كان مبرر العقوبة المشددة بحق الصيدلاني هو سب أو إساءة أفراد الكتيبة، فإن الواقع يثبت أن هؤلاء الأفراد أنفسهم قد مارسوا السب والأذى والانتهاكات بحق قطاعات واسعة من المواطنين السودانيين، لدرجة دفعت المجتمع الدولي إلى فرض عقوبات مشددة عليهم لردع ممارساتهم الميدانية واللفظية المستمرة.
إن المسار الإجرائي للقضية يضاعف من الشكوك حول تسييس العدالة واستخدامها أداةً للبطش وتكميم الأفواه، فبعد أن بدأ نظر القضية في ديسمبر الماضي، قامت النيابة بسحب الدعوى بشكل مفاجئ في منتصف أبريل من العام الحالي، دون تقديم تبريرات واضحة لهيئة الدفاع أو الرأي العام، ليُعاد الملف مجددًا إلى القضاء في نهاية يونيو، وبصورة متسارعة أفضت إلى صدور حكم الإدانة خلال جلستين متتاليتين فقط.
هذا التعجل الإجرائي، والغموض الذي شاب حركة الملف بين النيابة والمحكمة، يضعفان من صدقية الملاحقة القانونية، ويوضحان كيف باتت المؤسسات العدلية تُستغل لخدمة أجندة جماعات مسلحة تسعى لفرض هيبتها بالترهيب القانوني، بعد أن عجزت عن كسب الحاضنة الشعبية طواعية، مما يفتح الباب أمام مرحلة قاتمة تغيب فيها لغة العقل، وتُستبدل فيها سلطة القانون بسلطة الولاءات الضيقة.