هربا من الموت إلى الجوع وأزمة المأوى .. نازحو الأبيض رحلة نحو المجهول
مشاوير - تقرير: صديق الدخرى
في ظل تصاعد هجمات الطائرات المسيرة على مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، وكذلك انعدام خدمات الكهرباء والمياه والصحة، وتفاقم أزمة الجوع، بات النزوح من المدينة خيار غالبية سكان معسكرات الإيواء، على رغم المصير المجهول الذي ينتظرهم في رحلة الفرار الجديدة.
ومنذ ثلاثة أسابيع تتعرض مدينة الأبيض لقصف متواصل بالطائرات المسيرة والمدفعية الثقيلة من دون توقف، مما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى وسط المدنيين، إلى جانب أضرار واسعة في المرافق المدنية والخدمية بخاصة صهاريج المياه ومحطات الكهرباء، وسط حشود كبيرة من تلك القوات في محيط المدينة وتهديدات بشن هجوم بري كبير عليها.
خيارات صعبة
لم يكن أصعب ما واجهته مريم عيسى هو قرار مغادرة معسكر إيواء منطقة خورطقت في مدينة الأبيض، بل اللحظة التي وجدت فيها نفسها وأطفالها يفترشون الأرض في مخيم “قوز السلام” بمدينة كوستي، بعد رحلة نزوح استنزفت كل ما تملكه الأسرة.
تقول عيسى لمنصة (مشاوير) :”لم يكن لدينا خياراً سوي الهرب من أخطار قصف الطائرات المسيرة والمدافع خصوصاً بعد تعرض عشرات النازحين لإصابات خطرة خلال الأسابيع الماضية”.
وأضافت :”وصلنا إلى مكان لا نجد فيه حتى خيمة تحمينا من اشعة الشمس ومياه الأمطار والسيول والرياح العاتية بخاصة بعد دخول فصل الخريف”.
في مخيم” قوز السلام” بمدينة كوستي ولاية النيل الأبيض، يعيش مئات النازحين الذين فروا من مدينة الأبيض أوضاعاً قاسية نتيجة عدم وجود مأوى آمن، وكذلك المواد الغذائية والرعاية الصحية.
أزمة مأوى
ملاك عثمان التي غادرت معسكر إيواء شرق الأبيض بعد استهداف النازحين بالقصف، قالت لمنصة (مشاوير) إن “أنها وصلت بالفعل إلى المخيم منذ خمسة أيام بعد رحلة شاقة من الأبيض، لكن الوعود التي تلقتها بالحصول على خدمات ومساعدات لم تتحقق حتى الآن”.
وأضافت :”عشرات الأسر التي وصلت ولاية النيل الأبيض تعاني من أزمة وجود مأوى آمن نظراً لتكدس معسكرات الإيواء بالنازحين”.
معاناة النازحين
وأشارت إلى أنها :”تضطر في بعض الليالي إلى الاحتماء داخل خيام جيرانها، بينما ينام أطفالها في العراء، مؤكدة أن الأسرة فقدت كل ما كانت تملكه ولم يعد لديها أي مصدر للدخل”.
وتخشي عثمان من أخطار فصل الخريف، لا سيما في ظل تفشي الأمراض والأوبئة الفتاكة وازديادها بصورة لافتة، مثل الكوليرا والملاريا والحصبة:”
معاناة النزوح وأزمات البقاء
على الصعيد نفسه، تروى نعمات علي آدم لمنصة (مشاوير)، تجربة خروجها مين مدينة الأبيض، قائلة :”لم نكن نرغب في المغادرة، لكن هجمات الطائرات المسيرة المستمرة والحصار الخانق على المدينة اجبرنا على تلك الخطوة، على رغم أننا نواجه المجهول الآن”.
ولفتت إلى أنها :”وصلت إلى مدينة ربك في ولاية النيل الأبيض بعد رحلة شاقة، إذ بلغت كلفة تذكرة شخص واحد 500 ألف جنيه سوداني نحو (100 دولار أمريكي)، وهو مبلغ خيالي، مما يجعل غالبية النازحين يفضلون خيار البقاء في الأبيض على رغم الأوضاع الصعبة”.
ونوهت آدم بأن :”غالبية النازحين الذين هربوا في رحلة فرار جديدة، لا يجدون مأوى في معسكرات الإيواء بولاية النيل الأبيض نظراً لتكدس المراكز بآلاف النازحين، في وقت تبذل فيه السلطات المحلية جهوداً كبيرة لحل الأزمة”.
تدفقات إضافية
إلى ذلك، كشف مختبر الأبحاث الإنسانية التابع لكلية الصحة العامة في جامعة ييل الأميركية، عبر صور الأقمار الاصطناعية، خلال الفترة بين الـ25 من مايو والـ25 من يونيو هذا العام، عن تعرض المرافق الحيوية بمدينة الأبيض لأضرار كبيرة، نتيجة القصف المستمر بالطائرات المسيرة، المنسوبة إلى قوات “الدعم السريع”، شملت ثماني محطات وقود ومحطة الكهرباء ومرافق تخزين الوقود، إضافة إلى السوق الكبير وأحياء سكنية.
ورصد المختبر توسعاً ملاحظاً في مخيمات النازحين بالمدينة، إذ أظهرت الصور بالأقمار الاصطناعية إنشاء أكثر من 700 مبنى موقت جديد خلال شهر واحد، لاستيعاب تدفقات إضافية من المدنيين الفارين من مناطق القتال نحو المدينة.
وتعيش مدينة الأبيض ظروفاً إنسانية بالغة الصعوبة جراء تزايد هجمات الطائرات المسيرة التي استهدفت البنية التحتية الخدمية بصورة مباشرة، مما تسبب في نقص حاد بالمياه والوقود والخدمات الأساسية.