مقالات

السودان … القلب النابض بين قارتين

د. علي عبد القادر 

يُعدّ كتاب «Le Soudan, cœur battant entre deux continents» (السودان… القلب النابض بين قارتين) علامةً فارقة في مسار الكتابة السودانية باللغـة الفرنسية، إذ يُصنَّف ضمن أوائل المؤلفات التي أنجزها باحث سوداني ليقدّم وطنه إلى القارئ الفرنكوفوني من الداخل، مستندًا إلى رؤية علمية رصينة ومنظور وطني يتجاوز الصور النمطية التي ظلت تحكم كثيرًا من الكتابات الأجنبية عن السودان.

فالكتاب ليس مجرد عرضٍ لمعطيات تاريخية أو جغرافية، وإنما هو مشروع فكري يسعى إلى إعادة اكتشاف السودان بوصفه فضاءً حضاريًا وجسرًا استراتيجيًا يربط بين العالم العربي وإفريقيا جنوب الصحراء، وبين ضفتي البحر الأحمر وعمق القارة الإفريقية.

صدر الكتاب عام 2020 عن La Chaire Internationale de la Gouvernance Publique، وحظي منذ صدوره باهتمام أكاديمي وثقافي لافت، حيث قدّم له البروفسور رومان باسكيه، نائب مدير كلية العلوم السياسية بمدينة رين، والدكتورة لورانس ليموزي، مديرة الدراسات بالمعهد العالي لعلوم الإدارة العامة والسياسة بباريس، في شهادة تعكس القيمة العلمية للعمل وأهميته في إثراء الدراسات المتعلقة بالسودان وإفريقيا والعلاقات العربية الإفريقية.

ويأخذ المؤلف القارئ في رحلة فكرية تمتد عبر آلاف السنين، يستعرض خلالها الإرث الحضاري للممالك النوبية والكوشية، ويكشف عن الدور الذي اضطلعت به هذه الحضارات في تشكيل تاريخ الإنسانية، قبل أن ينتقل إلى تحليل الموقع الجيوسياسي الفريد للسودان، الذي جعله عبر التاريخ ملتقىً للقوافل التجارية، وممرًا للحضارات، وساحةً للتفاعل بين الثقافات والأديان والشعوب.

كما يتناول الكتاب، بمنهج تحليلي متوازن، ثراء السودان الثقافي واللغوي والديني، معتبرًا أن هذا التنوع يمثل أحد أعظم مقومات الدولة السودانية، ومصدرًا لقوتها الحضارية، متى ما أُحسن استثماره في إطار مشروع وطني جامع يقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون. وفي المقابل، يتوقف عند التحديات التي واجهت الدولة السودانية، من اضطرابات سياسية وانقلابات عسكرية وضعف في بناء المؤسسات، محللًا آثارها في تعطيل مسارات التنمية وإهدار الإمكانات الوطنية.

ولا يغفل المؤلف عن إبراز ما يختزنه السودان من ثروات طبيعية هائلة، تشمل الأراضي الزراعية الخصبة، والموارد المائية الوفيرة، والثروة الحيوانية، والاحتياطيات المعدنية المتنوعة، مؤكدًا أن هذه المقومات، إذا اقترنت بحوكمة رشيدة واستقرار سياسي وإدارة كفؤة، قادرة على تحويل السودان إلى قوة اقتصادية وإقليمية فاعلة في محيطه العربي والإفريقي.

وتقوم الأطروحة المركزية للكتاب على أن السودان ليس دولةً هامشية في معادلات الإقليم، بل هو القلب النابض بين قارتين، وأن أزماته الراهنة لا يمكن فهمها إلا في ضوء تاريخه العريق، وموقعه الجغرافي الاستثنائي، وتنوعه الحضاري، وتشابك المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة به. ومن هذا المنطلق، يدعو المؤلف إلى قراءة جديدة للسودان، تنظر إليه باعتباره أحد أهم مفاتيح الاستقرار والتنمية في إفريقيا والشرق الأوسط، وليس مجرد دولة تعاني الأزمات والصراعات.

ويأتي هذا المؤلَّف ضمن المشروع الفكري للدكتور علي عبدالقادر، الكاتب والباحث السوداني المقيم في باريس، والحاصل على الدكتوراه من جامعة باريس VII ، وعلى (PhD) من مركز الدراسات الدبلوماسية والاستراتيجية بباريس، وله إصدارات بالعربية والفرنسية والإنجليزية، تركز على التاريخ السياسي السوداني، والجغرافيا السياسية، والهوية الوطنية، إضافة إلى الأدب والرواية. وقد صدر له من الاعمال :

ملامح من تاريخ السودان السياسي الحديث (2022–1956)، وقد صدر بالعربية، ثم تُرجم إلى الإنجليزية والفرنسية.

سلسلة “قلبي على وطني” من 9 أجزاء » التي تضم مقالات فكرية وسياسية عن الشأن السوداني.

رواية باللغة الفرنسية بعنوان L’enfance volée d’une Diablesse.

رواية باللغة الفرنسية بعنوان L’âme nomade, le corps exilé

ويمثل كتاب السودان القلب النابض بين قارتين لبنةً أساسية في المشروع الثقافي للدكتور علي عبدالقادر، الذي يهدف إلى إعادة تقديم السودان للعالم بلغاتٍ متعددة، انطلاقًا من رؤية علمية وإنسانية تجعل من المعرفة جسرًا للحوار بين الشعوب، ومن التاريخ مدخلًا لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. إنه كتاب يخاطب العقل قبل الوجدان، ويعيد الاعتبار لصورة السودان بوصفه وطنًا يمتلك إرثًا حضاريًا عريقًا، وموقعًا جيوسياسيًا فريدًا، وإمكاناتٍ تؤهله لاستعادة مكانته بين الأمم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع