مقالات

مصر انتصرت .. وخسرت “فيفا”

إبراهيم هباني 

خرجت مصر من كأس العالم، وتأهلت الارجنتين. هذه هي النتيجة الرسمية التي اعتمدتها “فيفا”. اما الذين شاهدوا المباراة، فقد رأوا نتيجة اخرى: منتخبا مصريا هزم الخوف وبطل العالم، وحكما فرنسيا هزم مصر.

لم تكن الارجنتين بحاجة الى لاعب اضافي. لديها من النجوم ما يكفي، ومن التاريخ ما يكفي، ومن الخبرة ما يكفي. لكن الحكم الفرنسي قرر، على ما يبدو، ان الاحتياط واجب.

الغى هدفا لمصر بعد رحلة تفتيش طويلة في شريط المباراة، اشهر بطاقاته في وجه المحتجين المصريين، وترك التحامات ارجنتينية تمر بسلام، ثم وجد في غرفة الفيديو شريكا مثاليا: تستيقظ حين تتضرر الارجنتين، وتنام حين تتضرر مصر.

كانت فضيحة على الهواء مباشرة.

والاسوأ انها لم تقع في بطولة احياء، بل في كأس العالم، تحت ادارة مؤسسة تنفق الملايين على تقنية الفيديو، ثم تستخدمها احيانا كما تستخدم بعض الحكومات القانون: بدقة شديدة مع الضعفاء، ومرونة مدهشة مع الاقوياء.

ولم تكن مصر بحاجة الى بيان احتجاج لتثبت ما حدث. نجوم الكرة ومحللوها ومتابعوها حول العالم صرخوا اعلى من صافرة الحكم الفرنسي. رأوا منتخبا عربيا افريقيا يضع بطل العالم في مأزق، ثم رأوا كيف يمكن لصافرة واحدة ان تفتح له باب الخروج.

هنا لا تعود القضية مباراة.

تصبح “فيفا”.

المؤسسة نفسها التي تريد من العالم ان يصدق ان لوائحها مقدسة، ثم تتهمها الجماهير بانها تلين حين يدخل الكبار الى الغرفة. والمفارقة الفاضحة ان الجدل لم يهدأ بعد حول الغاء ايقاف اللاعب الاميركي فولارين بالوغون في ملف ارتبط بتدخل دونالد ترامب.

وهكذا تبدو كرة القدم الجديدة: بطاقة حمراء يمكن ان تدخل السياسة لاسقاطها، وهدف مصري يمكن ان تدخل صافرة فرنسية لاسقاطه.

ثم يطلبون منا احترام اللوائح.

مصر خسرت النتيجة.

لكن “فيفا” خسرت ما هو اخطر: صدقية البطولة.

اما الارجنتين، فقد ربحت بطاقة العبور، ومعها سؤال سيبقى اطول من الاحتفال: هل هزمت مصر فعلا، ام تسلمت المباراة من الحكم الفرنسي؟

صلاح ورفاقه لم يدخلوا المباراة كضحايا محتملين، ولم يتعاملوا مع بطل العالم كقدر لا يرد. لعبوا كما لو ان التاريخ لا يمنح احدا حصانة، وكما لو ان القميص الارجنتيني مجرد احد عشر لاعبا يمكن الضغط عليهم، ارباكهم، وهزيمتهم.

وهذا ما ادهش عشاق المستديرة.

مصر لعبت، قاتلت، ووضعت الارجنتين في الزاوية. لم تبحث عن تعاطف، ولم تدخل المباراة لتخرج باقل الخسائر، ولم تطلب هدية من الحكم. لعبت كرة القدم كما ينبغي ان تلعب: شجاعة، ضغطا، سرعة، وايمانا بان القميص المصري لا يقل قيمة عن اي قميص اخر في المونديال.

ولهذا كان الظلم اكثر قسوة.

لان مصر لم تكن عاجزة حتى تبحث عن شماعة.

كانت قريبة.

وكانت قوية.

وكانت قادرة على اسقاط الارجنتين.

وهنا تصبح صافرة الحكم اكثر من مجرد صافرة.

تصبح طرفا في الحكاية.

الخطأ التحكيمي وارد. والحكام بشر. لكن المشكلة تبدأ حين تكون الاخطاء في اتجاه واحد، وحين تتحول تقنية الفيديو من وسيلة لانقاذ العدالة الى اداة انتقائية تستيقظ هنا وتنام هناك.

عندها لا تعود القضية سوء تقدير.

تصبح ازمة ثقة.

ولذلك لم تصرخ مصر وحدها.

صرخت معها كرة القدم.

نجوم ومحللون ومتابعون حول العالم رفعوا اصواتهم اعلى من صافرة الحكم الفرنسي. رأوا ما راه ملايين المشاهدين: منتخبا عربيا افريقيا لعب بشجاعة، وواجه بطل العالم بلا خوف، ثم وجد نفسه امام قرارات تحكيمية اثارت من الاسئلة اكثر مما قدمت من اجابات.

لكن فضيحة المباراة لا يمكن فصلها عن السؤال الاكبر: الى اي درك سحيق تهوي “فيفا”؟

هذه المؤسسة التي تحدثنا كل يوم عن النزاهة والعدالة وتكافؤ الفرص، بدت في مواقف اخرى مستعدة للي القواعد حين يدخل الكبار من الباب.

ولم ينس العالم بعد الجدل الذي اثاره ملف اللاعب الاميركي فولارين بالوغون، بعدما الغي ايقافه في قضية ارتبطت بتدخل الرئيس الاميركي دونالد ترامب.

وهنا يصبح السؤال مشروعا:

اذا كان رئيس اقوى دولة يستطيع ان يدخل على خط عقوبة لاعب، واذا كانت اللوائح قابلة لاعادة النظر حين يرتفع الهاتف من المكان المناسب، فما الذي يبقى من قدسية القانون الرياضي؟

واي رسالة ترسلها “فيفا” الى المنتخبات الصغيرة؟

ان القانون قوي على الضعفاء، مرن مع الاقوياء، ومطاط حين تتدخل السياسة؟

المفارقة ان “فيفا” تريد منا ان نصدق ان كرة القدم منفصلة عن السياسة، ثم تفتح ابوابها للسياسة حين يناسبها ذلك. تريد من الجماهير احترام قرارات الحكام، لكنها لا تفعل ما يكفي لحماية ثقة الجماهير في هؤلاء الحكام.

وهذا اخطر من خطأ تحكيمي.

لان الحكم قد يخطئ في لقطة.

اما المؤسسة فقد تخطئ في الاتجاه كله.

الارجنتين تأهلت.

هذه حقيقة النتيجة.

لكنها لن تستطيع بسهولة التخلص من السؤال الذي سيلاحق هذا التأهل: هل عبرت لانها كانت الافضل، ام لان صافرة فرنسية قررت ان تكون اللاعب الثاني عشر حين احتاجها بطل العالم؟

اما مصر، فقد خرجت من الملعب، لكنها لم تخرج مهزومة من اعين الناس. خرج صلاح ورفاقه وقد كسبوا احتراما اكبر من بطاقة التأهل نفسها، بعدما ادهشوا عشاق المستديرة، وكشفوا ان الفارق بين الكبار والصغار قد تصنعه احيانا صافرة، لا كرة.

مصر انتصرت.

انتصرت لانها كشفت للعالم انها تملك منتخبا يستطيع الوقوف امام بطل العالم.

انتصرت لانها جعلت نجوم الكرة ومتابعيها يصرخون من اجلها.

انتصرت لانها خرجت مرفوعة الرأس.

اما “فيفا”، فقد خسرت ما هو اكبر من مباراة.

خسرت جزءا جديدا من ثقة الناس.

وخسر المونديال واحدة من اجمل قصصه.

وهنا ربما تبدأ الحكاية التي لا يفهمها الفرنسيون جيدا، ولا تملك “فيفا” لها مادة في لوائحها.

لعنة الفراعنة.

ستلاحق الحكم الفرنسي كلما اعيدت لقطات المباراة.

وستلاحق “فيفا” كلما تحدثت عن النزاهة والعدالة وتكافؤ الفرص.

وقد تلاحق منتخب الارجنتين في بقية مشواره، لان كرة القدم، مثل التاريخ، لا تنسى دائما الطريقة التي عبر بها المنتصرون.

يمكن للحكم ان يلغي هدفا.

ويمكن لغرفة الفيديو ان تصمت.

ويمكن لـ”فيفا” ان تكتب في سجلاتها ان الارجنتين تأهلت وان مصر خرجت.

لكنها لا تستطيع ان تلغي ما شاهده العالم.

مصر خرجت من المونديال.

لكن لعنة الفراعنة بقيت فيه.

وستلاحق الحكم الفرنسي، و”فيفا”، والارجنتين…

حتى صافرة النهاية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع