كيف أصبحت الدولة السودانية رهينة لمشروع الإخوان؟

إبراهيم هباني 

ليست كل الحروب تبدأ بإطلاق النار، وبعضها يبدأ بفكرة. والفكرة التي غيرت تاريخ السودان لم تكن انقلاب 30 يونيو 1989، بل الاعتقاد بأن التنظيم أهم من الدولة، وأن الولاء للفكرة يسبق الولاء للوطن. وما جرى بعد ذلك لم يكن سوى النتيجة الطبيعية لمشروع ظل يتقدم بهدوء لعقود، حتى وجد السودانيون أنفسهم أمام دولة أنهكتها الصراعات، وتآكلت مؤسساتها، وأصبحت تدفع ثمن خيارات سياسية تراكمت عبر نصف قرن.

لم تبدأ رحلة الحركة الإسلامية مع السلطة في يونيو 1989. فمنذ ستينيات القرن الماضي، كانت تبحث عن طريق يقودها إلى الدولة. وبعد انقلاب جعفر نميري عام 1969، شاركت ضمن الجبهة الوطنية المعارضة التي اتخذت من ليبيا قاعدة للتحرك ضد النظام. وانتهت المحاولة العسكرية في يوليو 1976 بالفشل، بعد معارك دامية في الخرطوم. لكن تلك التجربة، على ما يبدو، أقنعت قادة الحركة الإسلامية بأن السيطرة على السلطة بالقوة وحدها لا تكفي، وأن الطريق الأكثر أمنا يمر عبر مؤسسات الدولة نفسها.

وجاءت المصالحة الوطنية عام 1977 لتمنح الحركة فرصة تاريخية. فعاد الدكتور حسن الترابي إلى الداخل، لا باعتباره معارضا يحمل السلاح، وإنما سياسيا يحمل مشروعا مختلفا. ومنذ تلك اللحظة، بدأ التغلغل الهادئ في الجامعات، والخدمة المدنية، والنقابات، والقطاع المصرفي، ومؤسسات الدولة. لم يكن الصراع على الوزارة أو المقعد البرلماني، بل على المؤسسة نفسها.

وفي الوقت نفسه، أدركت الحركة الإسلامية أن السياسة لا تعيش بلا مال. فتوسعت المؤسسات المالية الإسلامية، وبرز بنك فيصل الإسلامي كأحد أهم معالم تلك المرحلة، إلى جانب شركات واستثمارات وجمعيات خيرية شكلت، في نظر كثير من الباحثين، نواة اقتصاد مواز وفر للحركة استقلالا ماليا وقدرة تنظيمية لم تكن متاحة للأحزاب التقليدية.

ثم جاءت قوانين سبتمبر عام 1983، حين أعلن الرئيس جعفر نميري تطبيق الشريعة الإسلامية. رأى فيها أنصارها تحولا تاريخيا، بينما اعتبرها خصومها توظيفا للدين في السياسة. وبعد أقل من عامين، أعدم المفكر محمود محمد طه في قضية ما زالت تثير جدلا واسعا في الأوساط القانونية والفكرية، وتحولت إلى واحدة من أكثر المحطات إثارة للانقسام في التاريخ السوداني الحديث.

لكن الحدث الذي غير السودان إلى الأبد وقع في الثلاثين من يونيو 1989. ففي ذلك اليوم، أطاح انقلاب عسكري بالحكومة المنتخبة، وبدأت مرحلة جديدة لم تقتصر على تغيير السلطة، بل أعادت تشكيل الدولة نفسها. فسياسة التمكين لم تكن مجرد برنامج سياسي، بل مشروع لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس الولاء، من الخدمة المدنية إلى الجامعات، ومن الإعلام إلى الأجهزة الأمنية، ومن الاقتصاد إلى القوات النظامية.

وخلال ثلاثين عاما، لم تعد الدولة السودانية، في نظر كثير من منتقدي التجربة، تقف على مسافة واحدة من الجميع، بل أصبحت مرتبطة إلى حد كبير بالمشروع الذي حكم باسمها. ودفعت البلاد ثمنا باهظا لذلك، من الحروب الداخلية، إلى العقوبات، إلى العزلة الدولية، وصولا إلى انفصال جنوب السودان عام 2011، وهو الحدث الذي سيظل واحدا من أكبر التحولات في تاريخ البلاد الحديث.

وعندما خرج السودانيون في ثورة ديسمبر 2018، لم تكن مطالبهم اقتصادية فقط، بل كانت تعبيرا عن رغبة في استعادة الدولة من قبضة الاستقطاب السياسي. سقط عمر البشير، لكن سقوط الرئيس لم يكن يعني بالضرورة سقوط البنية التي تشكلت طوال ثلاثة عقود.

ثم جاءت السنوات التالية لتكشف أن الأزمة أعمق من تغيير الأشخاص. فالتوترات السياسية، والانقسامات العسكرية، وانقلاب أكتوبر 2021، ثم الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، كلها أكدت أن الدولة التي أعيد تشكيلها لعقود لم تعد قادرة على احتواء خلافاتها من داخل مؤسساتها.

واليوم، بينما يواجه السودان واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه، ويخضع أطراف الصراع لاتهامات دولية بارتكاب انتهاكات جسيمة، يبدو السؤال أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: هل كانت هذه النهاية قدرا، أم أنها نتيجة طبيعية لمسار طويل جعل التنظيم يتقدم على الدولة، والولاء السياسي يتقدم على الكفاءة، والاستقطاب يتقدم على فكرة الوطن؟

قد يختلف السودانيون حول تقييم تجربة الحركة الإسلامية، وحول مسؤولية بقية القوى السياسية والعسكرية عن أزمات البلاد، لكن من الصعب إنكار أن مشروع التمكين ترك أثرا عميقا في بنية الدولة، وأن آثار ذلك المشروع لم تنته بسقوط نظام البشير، بل ما زالت تلقي بظلالها على المشهد حتى اليوم.

والتاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهار لأنها تواجه معارضة قوية، ولا لأنها تمر بأزمات اقتصادية، بل لأنها تفقد حياد مؤسساتها. فعندما تصبح المؤسسة العسكرية محل استقطاب، والقضاء موضع شك، والإدارة العامة رهينة للولاءات، يصبح إصلاح الدولة أكثر صعوبة من تغيير الحكومات.

ربما كانت المأساة الأكبر أن السودان، الذي امتلك كل مقومات الدولة القادرة على قيادة محيطها الإفريقي والعربي، وجد نفسه بعد عقود من الصراع يبحث من جديد عن الأسئلة الأولى: كيف نبني جيشا لكل السودانيين؟ وكيف نصنع خدمة مدنية لا تتغير بتغير الحكومات؟ وكيف يصبح القانون فوق الجميع، لا أداة في يد المنتصر؟

هذه الأسئلة لا تخص الإسلاميين وحدهم، ولا القوى المدنية وحدها، ولا المؤسسة العسكرية وحدها، بل تخص كل من يريد أن يرى السودان دولة تتسع لجميع أبنائها.

فالتجربة السودانية تقول بوضوح إن التنظيمات السياسية قد تربح السلطة، لكنها تخسر الوطن إذا أصبحت الدولة امتدادا لها. أما الدولة، فلا تستعيد عافيتها إلا عندما تعود ملكا لكل مواطنيها، لا غنيمة يتنازعها المنتصرون.

Exit mobile version