ابتهال تريتر .. الأنهار تستأنف ضحكتها رغم الخراب

تحوّلات مشروع شعري في مواجهة النسيان

الدوحة – مشاوير : مجدي علي

ليست الحروب، في جوهرها، صراعًا على الأرض أو السلطة وحدهما، بل تمتد إلى ما هو أبعد؛ إنها معركة على الذاكرة أيضًا. فهي لا تكتفي بإسقاط المدن واقتلاع السكان، بل تعيد تشكيل علاقة الإنسان بماضيه، وتمحو من الأمكنة تاريخها، ومن الأشياء معانيها، وتهدّد قدرته على استعادة سيرته. تبدأ الخسارة الأعمق حين يشعر الإنسان أن جزءًا من ذاكرته اختفى إلى الأبد.

بهذا المنظور يمكن قراءة تجربة الشاعرة السودانية ابتهال محمد مصطفى تريتر؛ فالحرب التي اجتاحت السودان لم تدخل عالمها عبر السياسة أو المعارك العسكرية، بل عبر أكثر مناطقه خصوصية: الكتابة نفسها. احترقت مكتبتها، وضاعت مخطوطاتها، واختفت دواوين حملت سنوات من العمل والتأمل.

غير أن قيمة هذه التجربة لا تنبع من حجم الفقد وحده، بل من الطريقة التي أعادت بها تعريفه؛ إذ لم تنظر إلى احتراق الكتب باعتباره نهاية للقصيدة، بل اختبارًا لمعنى الكتابة ذاتها.

في تجربة ابتهال، يتجاوز الشعر حدود الورق؛ فهو أثر حي يستقر في الوعي والذاكرة، وما يتحوّل إلى معنى يغدو عصيًا على المحو. من هذا الإدراك وُلد ديوانها الأخير (تستأنف الأنهار ضحكتها)؛ محاولة لاستعادة العالم بعد أن اختل نظامه، أكثر من كونه استجابة لخسارة شخصية.

الديوان الصادر عن (دار زهرات البيدر للطباعة والنشر) يأتي امتدادًا لمسار شعري تراكمي، غير أن ظروف ميلاده منحته نبرة مختلفة؛ فقد التقى فيه الفقد الشخصي بالمأساة الجماعية التي عاشها السودان، فانصرف إلى تأمل الإنسان وهو يحاول استعادة علاقته بالحياة بعد الخراب، بدل الاكتفاء برصد آثاره.

لم يكن اختيار “النهر” عنوانًا للديوان عابرًا؛ ففي عالم ابتهال الشعري يحضر النهر رمزًا للحركة والاستمرار والذاكرة. إنه يمضي إلى الأمام حاملًا آثار الأمكنة التي يعبرها، قد تعترضه الصخور، لكنه لا يتخلى عن جوهره: الجريان.

ويحتل الماء موقعًا محوريًا في قصائدها؛ فهو لا يؤدي وظيفة جمالية فقط، بل يقدّم تصورًا للزمن ذاته. يتغير باستمرار دون أن يفقد هويته، كما تفعل الذاكرة حين تعيد بناء الإنسان بعد الفقد. لذلك يصبح استئناف الأنهار لضحكتها تعبيرًا عن استمرار الحياة بعد الانكسار، لا عن العودة إلى الماضي كما كان.

المكان.. ذاكرة لا جغرافيا

لا تكتمل قراءة تجربة ابتهال تريتر بعيدًا عن الأمكنة التي كوّنت وعيها الأول. فقد تشكّل وجدانها بين الجزيرة، وقرى المناقل، والعباسية تقلي، ثم الخرطوم؛ وهي بيئات تتباين جغرافيًا، لكنها ترتبط جميعها بالأرض والمواسم ودورة الحياة الزراعية.

هناك تشكّلت علاقتها بالطين والمطر والحواشات والسنابل والنهر. ومع مرور الزمن لم تعد هذه العناصر مجرد ذكريات طفولة، بل أصبحت طريقة في رؤية العالم. فالطفولة في شعرها ليست زمنًا مضى، وإنما مرجع تعود إليه التجربة لفهم الحاضر. لهذا يحضر المكان في قصائدها باعتباره ذاكرة نابضة؛ فالحقل يحمل أثر من عمل فيه، والطريق يحتفظ بخطى العابرين، والنهر يختزن سيرة الذين عاشوا على ضفافه.

وينعكس هذا التصور على مفهوم الوطن؛ فهو لا يظهر شعارًا أو خطابًا مجردًا، بل يتجسّد في التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة: بيت، وشجرة، وسنبلة، ورائحة مطر، ووجه مألوف. وحين تتعرّض هذه التفاصيل للتدمير، لا تضيع الجغرافيا وحدها، بل يتصدّع جزء من السيرة الإنسانية المرتبطة بها.

تريتر

الهندسة والشعر .. التوازن

تكشف سيرة ابتهال تريتر عن تداخل واضح بين الهندسة والشعر والإعلام، وهي مجالات أسهمت مجتمعة في تشكيل رؤيتها. درست ابتهال هندسة التكييف والتبريد، غير أن شغفها قادها إلى هندسة الكلمات والقوافي.

ولم يكن انتقالها من الهندسة إلى الشعر انتقالًا بين عالمين متباعدين، بل امتدادًا لفكرة البناء؛ فقد منحتها الهندسة حسًا بالنظام والعلاقات، وهو ما يظهر في قصائدها التي تقوم على بناء داخلي تتآزر فيه الصورة والإيقاع والدلالة، كما تتآزر عناصر البناء الهندسي. وقد عبّرت عن ذلك بقولها إنها “معجونة بحب الهندسة”. لهذا تبدو لغتها مقتصدة ودقيقة؛ فالكلمة عندها ليست إضافة شكلية، بل عنصر أساسي داخل النسيج الشعري، لا يحتمل الزيادة أو الحشو.

أما الإعلام، فقد أتاح لها الاقتراب من المجتمع وتفاصيل الحياة اليومية، لكنه لم يدفعها إلى التسجيل المباشر للأحداث، بل عمّق قدرتها على رؤية الإنسان داخل الوقائع؛ فتحوّل الخبر إلى سؤال إنساني، والحدث إلى تجربة قابلة للتأمل.

وبذلك تتكامل عناصر مشروعها الشعري؛ تمنحها الأرض الذاكرة، والهندسة التوازن، والإعلام الصلة بالحياة، قبل أن تصهر القصيدة هذه المكونات جميعًا في رؤية واحدة.

اللغة .. حوار مع التراث

لا تنتمي تجربة ابتهال تريتر إلى تيار يقطع صلته بالتراث، كما لا تسعى إلى استعادته بصورته القديمة. فهي تنطلق من قناعة بأن الشعر لا يولد في فراغ، وإنما يتشكّل من طبقات متراكمة من اللغة والثقافة والقراءة والتجربة. لذلك شكّل القرآن الكريم والشعر العربي القديم رافدين أساسيين في بناء ذائقتها اللغوية والجمالية، غير أن حضورهما في قصيدتها لا يأتي بوصفه محاكاة أو استنساخًا، بل باعتباره طاقة حية تثري النص وتمنحه عمقه.

تجمع لغتها بين جزالة العربية وحساسية الشعر الحديث؛ تستفيد من طاقة التراث التعبيرية دون أن تقع في أسر الفخامة اللفظية أو الاستعراض البلاغي. فهي تستحضر الماضي لتوسيع أفق الحاضر، لا لإعادة إنتاجه.

وينسجم موقفها من الغموض مع هذه الرؤية؛ فهي لا ترفض تعدّد الدلالات، لكنها تتحفّظ على الغموض الذي يحوّل النص إلى مساحة مغلقة أمام القارئ. فالشعر، في تصوّرها، يزداد ثراء كلما فتح أبوابًا متعدّدة للتأويل، مع بقائه قريبًا من التجربة الإنسانية.

وتنسحب هذه الفلسفة على علاقتها بالقصيدة نفسها؛ فهي لا تنظر إليها باعتبارها نصًا يخضع بالكامل لإرادة الشاعر، بل كائنًا حيًا له إيقاعه وشروطه الخاصة. تصفها بأنها “دفق النفس واللغة وأنهرها الدائمة”، وتلخّص علاقتها بها بقولها: “تعصيني وأعصيها، تهجرني وأهجرها”.

في هذا التصوّر يصبح الإبداع فعل اكتشاف أكثر من كونه فعل امتلاك؛ فالقصيدة لا تأتي برغبة عابرة، وإنما تنضج عبر تجربة داخلية طويلة تتفاعل فيها اللغة مع الزمن والذاكرة. لهذا تميل ابتهال إلى التكثيف، لأن كل كلمة مطالبة بدور محدّد داخل البناء الشعري، فلا يبقى في النص ما يمكن الاستغناء عنه.

الطبيعة .. لغة ثانية

يحضر الماء والطين والسنابل والأرض والمطر بكثافة في قصائد ابتهال تريتر، غير أن حضورها يتجاوز الوصف المباشر أو الزينة البلاغية؛ فهذه العناصر تشكّل نظامًا رمزيًا تنظر من خلاله إلى الإنسان والزمن، حتى تبدو الطبيعة في عالمها لغة موازية للغة الشعر.

النهر، على سبيل المثال، لا يمثّل مشهدًا طبيعيًا فقط، بل صورة للحركة المستمرة. إنه يتغيّر ويحمل آثار الرحلة، لكنه يحتفظ بجوهره، تمامًا كما تفعل التجربة الإنسانية؛ تتبدّل أشكالها، ويبقى أثرها في الوعي.

أما السنابل، فتقف في مواجهة الحرب بوصفها رمزًا للاستمرار والخصب. فإذا كانت الحرب تقطع دورة الحياة، فإن السنابل تعلن قدرتها على التجدّد. ومن هذا التعارض تنشأ رؤية تتجاوز الصورة البلاغية إلى مواجهة بين منطقين: منطق يهدم، وآخر يعيد الإنبات.

أحد أعمالها

ويتجسد هذا المعنى بوضوح في قصيدتها (حرب تلوح للسنابل):

“معي إبرة،

ما معي الخيط،

فافتح مزادًا لأقمشة الحرب،

إني أخيط قصيدتها في الصباح،

وأفتقها حرة في المساء”..

الإبرة هنا لا ترمّم ثوبًا ممزّقًا فقط، وإنما تصبح رمزًا لمحاولة رأب ما أصاب العالم من تصدع. وحتى في غياب الخيط تستمر عملية الخياطة، لأن اللغة تتحوّل إلى خيط، والقصيدة تصبح نسيجًا جديدًا يعيد وصل ما مزّقته الحرب.

بهذه الرؤية تتحوّل الكتابة إلى ممارسة معرفية تتجاوز الهروب من الواقع؛ فهي لا تلغي الألم، بل تعيد صياغته داخل أفق إنساني أوسع، حيث يصبح الجرح مدخلًا لفهم العالم.

الشعر بعد الخراب

يشكل ديوان) تستأنف الأنهار ضحكتها) محطة بارزة في مشروع ابتهال تريتر الشعري. فهو العمل الرابع بعد (على شفا الجرح) و(الإشارات الخفية) و(أخيط على مقاس العطر)، غير أن خصوصيته ترتبط بالسياق الذي ولد فيه؛ إذ جاء في زمن تحوّلت فيه الحرب إلى تجربة يومية يعيشها أهل السودان. لا يتعامل الديوان مع الحرب بوصفها سلسلة من الوقائع، بل يتتبّع أثرها في النفس الإنسانية؛ الخوف، والنزوح، وفقدان المكان، والحنين، والبحث عن معنى يمكن الإمساك به وسط الفوضى.

الديوان الذي يضم أكثر من خمس وعشرين قصيدة – تتوزّع بين التأمّل الوجودي وأسئلة الإنسان وهموم الوطن – تعود فيه المفردات التي شكّلت عالم ابتهال منذ بداياتها: الأرض، والماء، والذاكرة، والحب، لكنها تظهر ضمن رؤية أكثر اتساعًا، تتحوّل فيها التجربة الشخصية إلى سؤال جماعي عن قدرة الإنسان على الاستمرار.

وتكتسب “الضحكة” في عنوان الديوان دلالة خاصة؛ فهي ليست نقيضًا للألم، بل ثمرة مقاومته. إنها ضحكة من عرف العاصفة، لكنه رفض أن يجعلها تعريفه الوحيد. وكذلك النهر؛ يحمل آثار ما مر به، لكنه لا يتوقّف عن المضي. فالنجاة هنا لا تعني نسيان الماضي، بل القدرة على مواصلة الحياة دون أن تتحوّل الذاكرة إلى قيد. بهذا المعنى يغادر الديوان حدود الشهادة على الحرب، ليصبح تأملًا في قدرة الإنسان على استعادة المعنى حتى في أكثر اللحظات قسوة.

المرأة والوطن

لا تظهر المرأة في شعر ابتهال تريتر باعتبارها صورة نمطية مرتبطة بالحب أو الحنين أو الضعف، وإنما بوصفها ذاتًا كاملة تمتلك وعيها وتجربتها وأسئلتها الخاصة تجاه العالم. فالمرأة في مشروعها الشعري ليست موضوعًا للقصيدة فحسب، بل شريك في إنتاج المعنى؛ تحمل الذاكرة، وتواجه الفقد، وتعيد بناء علاقتها بالمكان والحياة.

ومن هنا تتجاوز تجربتها حدود التصنيف الضيق لما يسمى بالكتابة النسائية؛ فالأنوثة في قصيدتها ليست عزلة عن العالم، وإنما نافذة لرؤية الإنسان في ضعفه وقوته، في علاقته بالأسرة والوطن والزمن.

إنها تكتب المرأة باعتبارها حضورًا فاعلًا قادرًا على المقاومة، لا ككائن ينتظر الخلاص من الخارج.

وتتصل هذه الرؤية بمفهوم الوطن في شعرها؛ فكما لا تختزل المرأة في صورة واحدة، لا تختزل الوطن في شعار أو خطاب مجرد. الوطن عند ابتهال تجربة معيشة تتشكّل من التفاصيل التي تمنح الحياة معناها: البيت، والطريق، والحقل، والنهر، ورائحة المطر، والوجوه التي تحفظ ألفة المكان.

لذلك تستعيد الأمكنة لا بوصفها مشاهد جغرافية، بل باعتبارها خزائن للذاكرة الإنسانية. فالقرية ليست مجرد مكان للطفولة، والنهر ليس مجرد عنصر طبيعي، وإنما فضاءات تحمل تاريخ الإنسان وعلاقته بذاته وبالآخرين. وعندما تهدم الحرب هذه الفضاءات، فإنها لا تدمّر الحجر فقط، بل تصيب الروابط العميقة التي تصل الإنسان بماضيه.

ومن هذا المنظور تصبح خسارة مكتبتها ومخطوطاتها جزءًا من خسارة وطن فقد كثيرًا من ذاكرته الثقافية. فالتجربة الفردية هنا تتحوّل إلى صورة مكثّفة لتجربة جماعية؛ حيث يصبح الدفاع عن القصيدة دفاعًا عن حق الإنسان في الاحتفاظ بأثره ومعناه.

تريتر

الشعر مقاومة للانطفاء

إذا كانت الحروب تسعى إلى محو الآثار، فإن الشعر يعمل على صون المعنى. فهو لا يعيد البيت الذي تهدم، ولا يسترجع الكتاب الذي احترق، لكنه يحفظ ما هو أبقى من الأشياء نفسها؛ يحفظ حضورها في الذاكرة، ويمنحها حياة جديدة داخل اللغة.

من هنا تكتسب القصيدة عند ابتهال وظيفة تتجاوز البعد الجمالي؛ فهي شكل من أشكال المقاومة الرمزية: مقاومة للنسيان، ولمحاولات اختزال الإنسان في صور الخراب، وللفكرة التي ترى أن ما دمّرته الحرب لا يمكن استعادته.

لا يملك الشاعر إيقاف الحرب أو إعادة المدن إلى ما كانت عليه، لكنه يملك حماية المعنى من الانهيار، ومنع الذاكرة من السقوط في الغياب. وفي الأزمنة التي تتعرّض فيها هوية المجتمعات للاهتزاز، يصبح هذا الدور أكثر أهمية؛ لأن الخطر لا يهدد حياة الناس وحدها، بل يهدّد قدرتهم على تذكّر أنفسهم.

لهذا تبقى القصيدة في عالم ابتهال مرتبطة بالحياة؛ فكل مكان، وكل تجربة، وكل معرفة يمكن أن تتحوّل إلى مادة شعرية حين تمر عبر حساسية الشاعر وتعيد اللغة تشكيلها.

حضور يتجاوز حدود المكان

لم يقتصر حضور ابتهال تريتر على المشهد الثقافي السوداني، بل امتد إلى فضاءات شعرية عربية متعدّدة، عبر مشاركات في مهرجانات وملتقيات أقيمت في الجزائر والعراق وإيران وقطر وموريتانيا، إلى جانب مهرجان الشارقة للشعر العربي وفعاليات بيت الشعر في الشارقة ومهرجان أبي تمام في الموصل.

وقد أتاحت هذه المشاركات تقديم صوت شعري سوداني يستمد خصوصيته من ذاكرة المكان، وينفتح في الوقت نفسه على الأسئلة الإنسانية المشتركة، الأمر الذي منح تجربتها حضورًا مميّزًا خارج حدودها الجغرافية.

كما أسهم فوزها بجائزة الأمير عبدالله الفيصل للشعر العربي عن ديوان (أخيط على مقاس العطر) في تعزيز هذا الحضور، غير أن الجائزة ظلّت في مسارها محطة ضمن رحلة شعرية قائمة على التراكم والتجريب، لا غاية نهائية؛ فالمشروعات الشعرية الكبرى تقاس بقدرتها على التطوّر وإضافة الجديد أكثر مما تقاس بعدد الجوائز.

لم يقتصر إسهام ابتهال على الكتابة، فقد أدت دورًا ثقافيًا بارزًا من خلال عملها نائبًا لمدير بيت الشعر بالخرطوم، حيث ترأست تحرير مجلة )سحائب) الثقافية، وأسهمت في تنظيم ملتقيات شعرية ونقدية، من بينها ملتقى النيلين للقصيدة العربية وملتقى الخرطوم لنقد الشعر السوداني. كما عملت على توسيع دائرة الحوار الثقافي، ومد الجسور بين التجارب الشعرية السودانية والعربية، ودعم الأصوات الشابة، وإتاحة المجال أمام أجيال جديدة للمشاركة في المشهد الشعري.

حين تعرف القصيدة طريقها

تقف تجربة ابتهال تريتر عند نقطة يلتقي فيها الماضي بالمستقبل، والجرح بإرادة التعافي، والمكان باللغة. إنها تجربة لا توهم بأن الشعر قادر على إلغاء المأساة، لكنها تؤكّد قدرته على ألا يسمح لها بأن تصبح الحقيقة الوحيدة.

لقد احترقت الأوراق، غير أن القصيدة بقيت. وغابت الكتب، بينما ظلّت الذاكرة قادرة على إنتاج معناها من جديد. وفي هذا تكمن خصوصية مشروعها؛ فهو لا يكتفي برثاء ما ضاع، بل يبحث عما يمكن إنقاذه من الإنسان وسط الخراب.

لذلك لا تتحوّل الحرب في شعرها إلى نهاية، كما لا تبقى الطبيعة مجرد خلفية جمالية؛ فكلاهما يصبح وسيلة للتأمل في معنى البقاء، وفي قدرة الإنسان على إعادة بناء عالمه بعد الانكسار.

ويبدو (تستأنف الأنهار ضحكتها) أكثر من عنوان لديوان؛ إنه خلاصة رؤية كاملة للحياة. فالنهر لا يواصل جريانه لأنه لم يعرف العوائق، بل لأنه ظل يبحث عن مجراه. والقصيدة كذلك لا تعيش لأنها بمنأى عن الخراب، وإنما لأنها قادرة على تحويل الخراب إلى معرفة، والفقد إلى معنى، والذاكرة إلى طاقة تستأنف بها الحياة سيرها.

بهذا المعنى تندرج تجربة ابتهال تريتر ضمن الأصوات الشعرية السودانية التي استطاعت أن توائم بين صدق التجربة وجماليات التعبير، وأن تجعل من المكان والذاكرة والحرب والإنسان عناصر لرؤية شعرية متماسكة؛ رؤية تنحاز إلى الحياة دون إنكار قسوة الواقع، وتؤمن بأن ما يستقر في الوعي ويتحوّل إلى معنى يظل أبقى من النار، وأقدر على البقاء من كل ما يمكن أن تلتهمه الحروب.

Exit mobile version