سوء التغذية يفتك بأطفال السودان في مناطق النزاع المسلح
مشاوير - تقرير: عثمان الأسباط
تشهد أوضاع الأطفال في مناطق النزاع المسلح السوداني تدهوراً مخيفاً بات فيها شبح الموت جوعاً يطارد آلاف اليافعين، إذ يحصد سوء التغذية المزمن أرواح المئات، بينما تعجز الأسر عن تقديم أي مساعدة ممكنة وهي تراقب أجساد فلذات أكبادها ينهشها الجوع والمرض حتى العظم.
وأدى انعدام الغذاء وتدهور الأحوال المعيشية إلى تصاعد مستويات الجوع، وقد دفع شح السلع الغذائية والغلاء الفاحش وانعدام السيولة كثيراً من الأسر إلى اللجوء لأوراق الأشجار من أجل سد الرمق.
حالات وفاة
في السياق، أوضح الناشط في المجال الإنساني نجم الدين حمد لمنصة (مشاوير) أن “الوضع الغذائي في مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان بات غير محتمل بالنسبة إلى الكبار والصغار معاً، لدرجة أن الناس بدأوا يأكلون علف الحيوانات ويطعمون الصغار ورق الأشجار المغلي بالماء كحساء لإبقائهم على قيد الحياة”.
ونوه حمد بأن “توقف عمل المنظمات ومغادرتها المدينة عقب كسر الجيش السوداني الحصار أدى إلى تصاعد مستويات سوء التغذية الحاد، وبدأ الجوع يفتك بالأطفال بشكل مرعب يدعو إلى الأسى والحزن، ويموتون بأعداد متزايدة في ظل غياب تام للرعاية الصحية وعدم توافر الوجبات الغذائية”.
ودعا الناشط الإنساني طرفي الحرب “إلى التعاطي مع حقيقة أن عشرات الأطفال يموتون فعلاً ويواجه آخرون خطر الموت بالمرض والجوع ما لم تتم إجراءات عاجلة لتدارك هذا الوضع غير الأخلاقي لإنقاذ اليافعين في المدينة”.
هزال حاد
في ولاية غرب كردفان توقفت غالبية المستشفيات عن العمل نتيجة انعدام الوقود والمياه وعدم وجود الكوادر الطبية، مما فاقم أوضاع الأطفال.
تقول خديجة حامد التي تقطن في منطقة غبيش لمنصة (مشاوير) إن “طفلها يعاني مضاعفات سوء تغذية حاد، إذ لا يزيد وزنه على ثلاثة كيلوغرامات على رغم أن عمره يبلغ أكثر من عام، وهناك كثيرون من اليافعين يعانون الأمرين نتيجة فشل الأسر في توفير الغذاء النوعي الذي يحوي عناصر محددة بسبب الفقر والأزمة الصحية في الإقليم”.
وأردفت حامد “الوضع الغذائي في تدهور مستمر بسبب فشل الموسم الزراعي وعدم توافر خدمات الرعاية الصحية، وكذلك ندرة السلع وأزمة الكهرباء والمياه وتوقف أعمال السكان اليومية”.
وتابعت “منذ أسبوع ترددت إلى المستشفى الوحيد وأجريت الفحوص الطبية لطفلي وقمت بشراء الأدوية على أمل تحسن صحته مع مرور الأيام ونمو جسده النحيل”.
أزمات عدة
في هذا الوقت، حذرت الحكومة السودانية من تفاقم أزمة سوء التغذية وسط الأطفال في البلاد بظل استمرار الحرب التي دخلت عامها الرابع، مؤكدة أن اتساع رقعة النزاع وانهيار سبل الوصول إلى الغذاء والخدمات الصحية يدفعان ملايين الأطفال إلى دائرة الخطر وسط عجز التمويل الإنساني عن مواكبة الاحتياجات المتزايدة.
وقال وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم إن “سوء التغذية وسط الأطفال يعد أحد أخطر التداعيات الصحية للحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام”.
مشيراً إلى أن “تأثيرات النزاع على القطاع الصحي تتفاوت من ولاية إلى أخرى، إذ تشهد أقاليم شمال وشرق البلاد قدراً من الاستقرار، لكنها تتحمل في المقابل أعباء استقبال أعداد كبيرة من النازحين، في وقت لا تزال فيه ولايات دارفور وكردفان تعاني أوضاعاً إنسانية وصحية بالغة الصعوبة بسبب استمرار القتال”.
وأضاف أن “الكوادر الصحية في مناطق النزاع تعمل في ظروف شديدة التعقيد، وكذلك تقديم الخدمات الصحية يتم بمشقة كبيرة”، لافتاً إلى أن “الدراسات التي تجريها وزارة الصحة بالتعاون مع الشركاء الدوليين تشير إلى وصول معدل سوء التغذية الحاد بين الأطفال إلى نحو 15 في المئة على المستوى الوطني، ويرتفع إلى نحو 30 في المئة ببعض مناطق دارفور وكردفان”.
ونوه إبراهيم بأن “الأزمة لا تعود إلى نقص الغذاء في السودان، بل تمتد لصعوبة وصول السكان إلى المواد الغذائية نتيجة الحصار وإغلاق طرق الإمداد”.
مشيراً إلى أن “مدينة مثل الفاشر وأجزاء من إقليم كردفان شهدت قيوداً حالت دون وصول الأسر إلى الغذاء، مما أدى إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية”.
معاناة النازحين
وضع كارثي
وعن أسباب تفشي سوء التغذية اعتبر المتخصص في طب الأطفال جهاد الطيب في حديثه لمنصة (مشاوير) أن “عدم وجود مستشفيات ومراكز صحية تقدم خدمات رعاية تكاملية تبدأ من النساء الحوامل وتستمر مع الأمومة والطفولة في المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة أسهم في تزايد الحالات والوفيات، وفي حال استمرار الحرب فإن الأوضاع الإنسانية ستنحدر نحو الكارثة”.
ودعا الطيب وزارة الصحة السودانية والمنظمات الدولية إلى “النظر في الأزمة بالاعتبار عينه، وإمداد المناطق المتأثرة بالأدوية والمواد الغذائية للأطفال والحوامل على حد سواء، ولا سيما التي تعاني بسبب حصار المجموعات المسلحة”.
وبيّن أن “هناك مناطق تعيش أسوأ حالاتها من ناحية تردي الأوضاع الإنسانية من جوع ومرض وموت، إضافة إلى انهيار القطاع الصحي وخروج المستشفيات عن الخدمة بسبب القصف المتبادل بين طرفي الصراع المسلح واستهداف الطواقم الطبية”.
مستويات مقلقة
في غضون ذلك أطلقت المنسقية العامة للنازحين واللاجئين تحذيرات من التدهور الحاد في الأوضاع الإنسانية وانهيار الخدمات الأساسية داخل معسكرات النزوح بمختلف أنحاء السودان، بما في ذلك تفشي الأمراض ونقص الغذاء والدواء، مما يهدد حياة مئات الآلاف من النازحين، وقالت في بيان إن “معدلات سوء التغذية بلغت مستويات مقلقة، مع استمرار نقص الغذاء والمياه الصالحة للشرب والمأوى، إلى جانب تصاعد حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي”.
وأشار بيان المنسقية إلى أن “مخيمات النزوح تشهد أزمة إنسانية وصحية متفاقمة، في ظل التوقف والضعف الشديد في الخدمات الصحية، والنقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، في ظل انتشار أمراض الملاريا والحصبة والكوليرا المعدية”.
وناشدت المنسقية الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والهيئات الصحية الدولية والجهات المانحة التحرك العاجل لتوفير الغذاء والدواء والمياه النظيفة ومواد الإيواء، ودعم إعادة تشغيل الخدمات الصحية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين”.
تداعيات الحرب
على نحو متصل قال ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) في السودان شيلدون ييت إن “معدلات سوء التغذية وسط الأطفال ارتفعت بصورة كبيرة منذ اندلاع الحرب”، مشدداً على أن “الأزمة الحالية ليست ناجمة عن الجفاف أو التغيرات المناخية، بل نتيجة استمرار النزاع وما ترتب عليه من انهيار الأسواق، وتعطل سلاسل الإمداد، وكذلك عدم قدرة الأسر على الوصول إلى الغذاء”.
وأشار ييت إلى أن “أعلى معدلات سوء التغذية سجل في المناطق الأكثر تضرراً من القتال بخاصة دارفور وإقليم كردفان، إذ تتزايد حالات سوء التغذية الحاد مع استمرار العمليات العسكرية”.
وحذر ممثل “اليونيسيف” من أن المنظمة تواجه صعوبة متزايدة في تلبية الاحتياجات بسبب محدودية التمويل، إذ لم تتلقّ سوى ربع التمويل المطلوب، مما يفرض عليها اتخاذ خيارات صعبة ويحول دون وصول الدعم إلى جميع الأطفال المحتاجين، على رغم اتساع حجم الأزمة يوماً بعد يوم.