عبد الحفيظ مريود في حوار المراجعات مع (مشاوير): الإسلاميون أشعلوا الحرب لقطع طريق الانتقال الديمقراطي .. ووقوفي ضدهم وضعني في خندق “الدعم السريع”

السياسة مثل "غنا القونات"، لا تفعلُ شيئًا سوى أنْ تجعل قدميك تسوخان في الوحل والحضيض

أزمةُ السودان نقصُ معرفته بمكوّناته، وادّعاءٌ أجوفُ بالمعرفة، وغرقٌ في أوهام الأفضليّة

الدوحة – مشاوير : حوار: مجدي علي

مدخلًا لهذا الحوار لا بد أن أستعيد قول النفّري: “إن الكلام على الكلام صعب”.. فكيف يكون القول في تجربةٍ جعلت من الكلام أثرًا، ومن الصورة شهادة، ومن البحث وسيلة لفهم الإنسان والبلاد..

الحوار مع عبد الحفيظ مريود هو اقتراب من مسيرة متعدّدة الجوانب؛ من الصحفي الذي تابع تحوّلات المهنة وأسئلتها، ومن الكاتب الذي جعل اللغة مساحة للمعنى، ومن الباحث الذي يحاول قراءة الأحداث في سياقاتها وجذورها، ومن منتج الأفلام الوثائقية الذي حمل الكاميرا إلى الأمكنة بحثًا عن القصص والوجوه.

وبين هذه المسارات كلها يظهر مريود، في الآونة الأخيرة، بوصفه أحد الأصوات الأكثر إثارة للنقاش والجدل في مقاربة الحرب السودانية، بما طرحه من قراءات ومواقف دفعت إلى أسئلة واسعة حول دور المثقّف، وحدود الانحياز، ومسؤولية الكتابة في زمن الصراع.

لذلك لا يقتصر هذا الحوار على الحرب أو الكتابة وحدهما، بل يتتبع المسافة التي تتقاطع فيها التجربة الشخصية مع التحوّلات الكبرى؛ المكان الذي صنع الإنسان، والأفكار التي شكّلت رؤيته، والحرب بوصفها حدثًا يغيّر الواقع وطريقة فهمه وروايته.

مع عبد الحفيظ مريود نقترب من أسئلة تتجاوز اللحظة الراهنة: كيف يكتب المثقّف في زمن الحرب؟ كيف تتشكّل الروايات حول الأحداث الكبرى؟ وما الذي يبقى من الإنسان حين تتغيّر المدن والخرائط وتصبح الذاكرة جزءًا من الصراع؟

بعيدًا عن الصحافة والسياسة، من هو عبد الحفيظ مريود؟ وما الذي لا يعرفه الناس عن تكوينك الأول؟

لا أعرفُ كيف أجيب على هذا السؤال. لكنّني سأقولُ ما أعرفُه عنّي. أنا ابنُ عاملٍ بسيط في سكك حديد السُّودان. والدي صالح عيسى مريود. كان يعمل في ورشة السكة الحديد. تنقّل كثيرًا، من القضارف إلى كوستي إلى نيالا، بابنوسة، أويل، ثمَّ واو. لكنَّ تنقلاته انتهت به إلى بابنوسة، عاصمة الإقليم الغربيّ في السّكّة الحديد. نشأتُ في بيئة حديثة، باعتبار أنَّ السّكّة الحديد واحدة من مؤسّسات الحداثة التي أنشأها الإنجليز. وحين تنشأ في مجتمع السكّة الحديد، لا تحتاجُ إلى أنْ تسافرَ لتتعرّف على السُّودانيين. فالجميع هنا. ولأنَّ بابنوسة كانت عاصمة للإقليم الغربيّ، ولأنّ قوام المدينة هو السكّة الحديد، فهي محطة كبرى، تتقاطع فيها الطّرق إلى نيالا، إلى الخرطوم، إلى واو في جنوب السُّودان، فإنَّ جميع السُّودان، قبائل وثقافات، كان موجودًا هناك. ليس ثمّة قبيلة من القبائل الرئيسة والمؤثّرة لا يوجد لها تمثيل في ذلك المجتمع. مع غلبةٍ واضحة لقبائل شمال السُّودان.

في وقت نشأتنا، الطفولة، الصبا والشّباب كانت المدينة مثقّفةً جدًّا. يمكنكَ أنْ تقرأ ما شئت من صحف ومجلات وكتب. كانتِ القطارات تحمل كلَّ شيء. ثمَّ كان هناك مصنع ألبان بابنوسة وهو كمؤسّسة كبرى كان نادي عمّال وموظّفي المصنع يضمُّ مكتبة تحوي عيون الكتب في التأريخ، الفلسفة، الأدب. وكانت الدُّنيا بخير، كما يقولون.

ثمَّ باختصار أنا ذلك الرّجل الذي صنعته مدينة بابنوسة. وصنعته قطارات ومحطاتُ السّكّة الحديد.

بدأتَ صحفيًا ثم اتجهتَ إلى البحث والتحليل وإنتاج المعرفة. كيف تشكّل هذا المسار؟ وكيف أثّرت الكتابة في رؤيتك للواقع؟

بدأتُ صحفيًّا وما زلتُ صحفيًّا. لكنّني أميل إلى تعريف نفسي بالأدب. أحبُّ كتابة القصّة القصيرة. وهي كانت مدخلي إلى الصّحافة التي صارت لي مهنة وأكل عيش، كما يقولون. لكنَّ الواقع أنّني بدأتُ حياتي المهنيّة بمركز الدّراسات الاستراتيجيّة في الخرطوم. لم أعمّر كثيرًا هناك، فقد أغوتني الصّحافة. ربّما جوّ مركز الدّراسات الاستراتيجيّة شكّل ولعًا غير ملحوظ بالبحث والتقصّي والدراسة. لاحقًا زاولتُ الدراسات والبحوث بصفة غير متفرّغ.

في مرحلةٍ ما، دون أنْ تلحظ، تتضافرُ العناصر المختلفة في تشكيلك، في إنتاج ما تكتب. لا أزعم أنّني أكتبُ بحوثًا ودراسات. بصورة غير جادّة، تتطلّبُ الكتابة التي أكتبها نوعًا من البحث والتقصّي وإيراد المعلومات. ذلك يؤدّي إلى التحليل. يؤدّي إلى إنتاج المعرفة، كما تفضّلت بالسؤال. لكنّه – بالنّسبة لي – لا يزال عملًا صحفيًّا لا يرقى مراقي البحوث والدراسات.

هل غيّرت الكتابة طريقة نظرك إلى الواقع أم أن الواقع هو الذي أعاد تشكيل كتابتك؟

الواقع إنَّ الحياة فعلٌ معقّدٌ مهما حاولت تبسيطه. تتعلّم كل يوم من كل شيء وكل أحد. إلّا أنْ تكون شخصًا مطموس البصيرة. يتأثّر المرء بما يزاوله من مهنة. تفتحُ المهن – بالضرورة – نوافذ للرؤية وإعادة فهم الواقع. أعتقد أنّني تأثّرت بالكتابة في رؤيتي للواقع.

ارتبط اسمك بالحركة الإسلامية في مرحلة مبكّرة، ثم أصبحت أحد أبرز ناقديها. كيف تقرأ تلك التجربة اليوم؟ وما الذي بقي منها وما الذي تجاوزته؟

موضوع الحركة الإسلاميّة موضوع يجبُ تجاوزه. انضممتُ إليها شابًّا جدًّا. شكّلتْ كثيرًا من رؤيتي ومناظيري. لكنّني لم أعُدْ منضبطًا تنظيميًّا منذ العام 1988م، أي قبل انقلاب الإنقاذ. في تلك المرحلة المبكّرة من الوعي، كنّا ننظر للعالم من خلال سيّد قطب، محمّد الغزالي، يوسف القرضاوي، سعيد حتّى وآخرين. ثمَّ لما نضجنا تجاوزنا ذلك إلى طريقة قراءة التُّرابي للعالم. اجتهاداته، رؤاه وحتّى لغته. لكنّني سبق وقلتُ لك بأنّني أميلُ إلى الآداب والفنون. وهي بذرة تمرّد على كل شيء، كما تعلم. ومنذ الثانويّة انفتحنا – معي آخرون، أو كنتُ معهم – على اقترابات مختلفة جوهريًّا عن التدّين السُّنّيّ عمومًا. ثمّة عوالم كبرى عن الإسلام في التراث والرؤية الشيعيّة. ثمَّ دخلنا مرحلة عتاة المتصوّفة: ابن عربي، النّفّري، الحلّاج، وإذا أضفت إليهم عتاة العرفانيين من الشّيعة: ملّا صدرا، الخميني، الطّباطبائي. وقمتَ بتنقيب عظيم في التراث العالميّ، بالذات الغربيّ منه، فإنّك – بالتأكيد – لن تحصل على كادر “حركة إسلاميّة” ههنا.

لقد تجاوزتُ الحركة الإسلاميّة باكرًا. ليس ثمّة من مراجعات فكريّة. المراجعات تنطوي على معنىً يشير إلى أنَّ المراجِعَ نفسه ما يزالُ ضمن السياج المعرفيّ، ضمن السياج التنظيميّ.. إلخ. ما حدث هو قطيعة منهجيّة كاملة، ومنذ وقتٍ مبكّر.

مريود

تمتاز كتاباتك بلغة بديعة تجمع بين التحليل والسرد والاستعارة، مع حضور واضح للتاريخ والدين والأدب. هل هو خيار جمالي، أم محاولة لتجاوز اللغة السياسية التقليدية؟

أظنّني أجبتُ على ذلك. النشأة، التكوين، التنقيب، كلّ ذلك يطفو على الكتابة. هو ليس خيارًا جماليًّا. هو مسارٌ حتميّ للكتابة. لن تخرجَ كتابتك إلّا من خلال المرور بكلّ ذلك. قد يبدو للقارئ – وهذا ظنٌّ منّي قد يكون خاطئًا – أنّها طريقة متعمّدة. لكن الواقع هي مسار حتميّ. تمرُّ به الكتابة، حتّى ولو أردتَ إخفاءه. تتداخلُ الخطوط المشكّلة، تتقافز المعارف، لتشكّل الجملة. ولأنّني أحبُّ الأدب، أحبُّ اللغة العربيّة جدًّا، ففي الغالب تقفز شواهد شعريّة، اقتباسات، صور بلاغية هنا أو هناك.

كيف تقارب الحرب السُّودانية فكريًا وصحفيًا؟ ما الأدوات التي تعتمد عليها لفهم حدث بهذه التعقيدات؟

هذا سؤالٌ صعب. الحرب السُّودانيّة الأخيرة مربكة جدًّا. في الحروب السّابقة كان يمكنُ أنْ يجري التمييز بين المتقاتلين. هناك طرفان يختصمان. في الحرب الدائرة من الصّعب إجراء مثل هذا التمييز. كان هناك شيءٌ جرت تسميته بعد ثورة ديسمبر بـ”المكوّن العسكريّ”. وينبغي أنْ يكون شيئًا واحدًا، ملتئمًا، في مواجهة “الشّقّ المدنيّ” الذي أنجز الثورة ويعمل على إنجاز التحوّل المدنيّ وإعادة بناء المؤسّسات. تظهر الخلافات في الشّقّ المدنيّ لكونه تجمّع أحزاب وكيانات سياسيّة أو مهنيّة، يسعى الجميعُ فيها لأنْ تتسيّد رؤيته. وهي خلافاتٌ مفهومة بالطبع.

فيما يتّصلُ بالمكوّن العسكريّ لا يتبادرُ إلى الذهن نشوب خلافات، أو انشقاقات. لأنّهم عسكريّون تحكمهم التقاليد العسكريّة والتراتبيّة.

لكنّ الحرب نشأتْ داخل “المكوّن العسكريّ” الذي ظننا أنّه ملتئم، متماسكٌ، صلدٌ، وجرتْ نشرها على الجميع. صارت حربنا. لم يسلم منها أحد. وانطلقت من داخل العاصمة الخرطوم. كيف تقرأ حدثًا كهذا؟

ينبغي أنْ تتضافر عدّة مناهج لتوصلك. لا يمكنك الاعتماد على منهج أحاديّ. حتّى السّرديّات التي أشرت إليها ينبغي فحصها. بالنّسبة لي، يمكنني أنْ أدّعي معرفةً سابقة بطريقة تفكير وعمل الأجهزة الأمنيّة. فقد أنتجتُ سابقًا عددًا من الأفلام والبرامج لصالح هذه المؤسّسات.

هل تجبرك هذه المعرفة على تبنّي مواقف مسبّقة؟

لا أعتقدُ ذلك. لماذا؟ لأنّني أطلبُ الحقيقة. فالحربُ ليست نزهة. ليست رحلة تعود الحياة إلى سابق عهدها بانتهائها. الحرب تجريفٌ مخيفٌ لكلّ شيء، وخاصّةً الوعي. أدّعي أنّني أسعى إلى وقف نزيف الوعي. إلى وقف تجريفه.

خضت تجربة واسعة في إنتاج الأفلام الوثائقية. ماذا أضافت الصورة إلى تجربتك؟ وكيف أثّرت في رؤيتك للإنسان والمكان؟

بدأتْ تجربتي مع الأفلام الوثائقيّة بلا تخطيط، بُعيدَ انتقالي إلى الصّحافة المرئية (التلفزيون القومي) عام 2001م. وقد كانت محاولاتٌ مثمرة. ذلك أنَّ أوّل سيناريو وضعته لفيلم (درب الأربعين)، مع المخرج الكبير سيف الدين حسن، حصل على جائزة في مهرجان تونس. ثمَّ انفتحتْ شهيّتي. وكما أخبرتك، قبلًا، فإنَّ مدخلي إلى الصّحافة كان القصّة القصيرة، التي أحبُّها جدًّا. بدا لي أنَّ الفيلم الوثائقيّ هو قصّة قصيرة، على نحوٍ ما. لقد فتح لي آفاقًا ما كانتِ الصّحافة لتفعلها. سافرتُ كلَّ السُّودان، تقريبًا أوثّق. المجتمعات، الثقافات، الحكايات، التأريخ، الجغرافيا، بل وسافرتُ أصنع وثائقيّات في بعض دول إفريقيا. حصيلتي حتّى الآن من الأفلام الوثائقيّة أكثر من 70 فيلمًا. 25 منها بثّتها قناة الجزيرة في قطر.

يعمّقُ الإنتاج الوثائقيّ خبرتك بالصّورة وتقنيّاتها، فنيًّا. ويفتحُ لك دروبًا باهرة للمعرفة، بحثًا وتواصلًا وتنقيبًا. آخر فيلم وثائقيّ وضعته، فكرةً وبحثًا وسيناريو، كان فيلم (معلّم البنات)، عام 2022م، لقناة الجزيرة.

لم أتوقّف عن الوثائقيّ. الحرب هي التي أوقفت صناعته.

بحكم تجربتك في الصحافة والإعلام والوثائقي، كيف تقيّم تطوّر الإعلام السوداني؟ وهل كان شاهدًا على الحرب أم طرفًا في صناعة سردياتها؟

الإعلام السُّودانيّ ككلّ السُّودان أوضاعه مؤسفة ومزرية. فلقد ظلَّ مرتهنًا طيلة حياته للأنظمة السياسيّة. لم يرسِ تقاليد وأدبيّاتٍ هادية وقادرة على الصّمود. حين تسألُ عن دوره في الحرب، فأنتَ تعرف يقينًا بأنَّ الإعلام السُّودانيّ كان وما يزالُ واحدةً من أفتك الآلات بالحقيقة. وذلك بسبب انخراطه في الحرب انحيازًا لأحد طرفيها. وحين ينحاز يعمى عن الحقائق. يغفلُ عن التبصير والتنوير والريادة. أعتقد إنَّ الحرب زادته انحطاطًا على ما هو عليه.

منذ اندلاع الحرب، طغى حضور “المحلّل السياسي” على حضور الكاتب. ألا تخشى أن يبتلع الراهن مشروعك الأدبي والمهني؟

في الواقع انتبهتُ إلى أنّني استهلكت طاقةً كبيرة في قصّة السياسة هذه. بدأتُ خطواتٍ جادّة في الابتعاد عنها. السياسة مثل الغناء الهابط، مثل غناء “القونات” كما يقول المصطلح. لا تفعلُ شيئًا سوى أنْ تجعل قدميك تسوخان في الوحل والحضيض. قلتُ لنفسي: ماذا أفعل هنا؟ ما الذي يجبرني على خوض الوحل؟

بدأتُ أستعيد علاقتي بالأدب. أكادُ أنجز مجموعة قصصيّة جديدة، من 16 قصّة، كلّها كُتبتْ بعد الحرب. أظنّني كائنٌ جماليّ منذور للأدب. شيئًا فشيئًا، سأتفرّغ له وللفن عامّة.

هناك الكثير مما يمكن أنْ يصنعه المرء أدبيًا، فنيًّا ووثائقيًا.

أنت متهم بأن تحليلك للحرب أقلّ حدّة تجاه “الدعم السريع” وأقرب إلى سرديته. هل هو سوء فهم لقراءتك، أم أن بعض مواقفك قد تُفهم بهذه الطريقة؟

لقد كنتُ ضمن نظام الإنقاذ. أعلمُ يقينًا بأنَّ الإسلاميين بدأوا الحرب قطعًا لطريق الثورة والانتقال المدنيّ الديمقراطيّ. التغيير صعبٌ تقبّله بالنسبة لأناس أدمنوا السّلطة والتحكّم بمصائر النّاس والبلاد. جاهلٌ من يدّعي أنَّ للدعم السّريع مشروعًا سياسيًّا يجعله يخطّط لانقلاب على الجيش، انقلاب يبدأ من مطار مرويّ. يا للهول.

ذلك يجعلني أخوض تكذيب سرديّات الجيش والحركة الإسلاميّة. ولأنّني أضعُ نفسي نصيرًا للمستضعفين، للفقراء، للمغرّر بهم، فلا يمكنني القبول بـ”حرب الكرامة”. سأكون – يقينًا – في الخندق الخصم للحركة الإسلاميّة، وبالتّالي سأكون في خندق “الدّعم السّريع”

حين تكتب عن الحرب، هل تكتب بوصفك باحثًا أم شاهدًا أم مثقفًا منحازًا لقضايا الإنسان؟

الحرب فعل معقّد. سبق وأنْ قلنا ذلك. لا يمكنكَ أنْ تقف متفرّجًا في الحرب. لا يمكنك أنْ تكون محايدًا. الحياد ليس موقفًا أخلاقيًّا. ثمّة قتلى، جرحى، لاجئون، نازحون، مشرّدون.. إلخ، في الحرب. كيف يخدمهم حيادُك؟ كيف تتقوقع في برجٍ أكاديميّ كباحث، أو مفكّر؟

ستنخرطُ – لو كنتَ سويًّا – للدّفاع عن المساكين. وأيّ شخص يملك حسًّا ومتابعة سيعرف أنّ الإسلاميين لا يهمّهم إلّا أنفسهم. وفي سبيل البقاء في السّلطة، بإمكانهم فعل ما يخجل الشيطان نفسه عن فعله. إنسانيًّا يجبُ أنْ يكون موقفك ضدّ من يسحق، يقتل، ينافق، يكذب، ينتهك كل الأعراف والأخلاق في سبيل بقائه في السّلطة.

لذلك لا يمكنكَ أنْ تكون مجرّد باحث في هذه الحرب.

بحكم معرفتك بالحركة الإسلامية، ما أبرز ما يُساء فهمه عنها؟ وما أبرز أخطائها في قراءة الدولة والمجتمع؟

أعتقدُ بأنَّ أكثر شيء يجهلهُ السُّودانيّون عن الإسلاميين أنّ الإسلاميين لا يتحاورون. ذلك أنّهم – على مرّ تجربتهم السياسيّة والفكريّة في السُّودان – يتّخذون من الحوار وسيلةً لكسب الوقت، وسيلة للإطباق على الكيان الذي يحاورونه بهدف تفكيكه، تفتيته، والقضاء عليه. أوّل تجربةٍ لهم كانت تجربة جبهة الميثاق الإسلامي. فقد جرى تحالف مع أنصار السُّنّة بحكم المشروع الإسلاميّ الذي يتبنّاه كلاهما. كان المفترض أنْ يطوّرا رؤيةً ومواقف مشتركة. انتهت التجربة بأنْ سلخوا كثيرًا من عضوية أنصار السُّنّة لصالحهم. في أخريات الإنقاذ لو لاحظت، تقاربوا مع أنصار السُّنّة من جديد، خاصّةً بعد قطع علاقة السُّودان مع إيران. انتهت التجربة أيضًا بتقسيم أنصار السُّنّة إلى أكثر من ثلاثة تيّارات. ستجدُ الشيء ذاته يتكرّر مع حزب الأمّة، الاتّحاديّ الديمقراطيّ، الحركة الشعبيّة، بل حتّى حركة جيش تحرير السُّودان التي كانت موحّدة بقيادة عبد الواحد محمد نور ومنّاوي. يمكنُ للإسلاميين تفتيت المفتّت. وتحت هذه الخديعة يجري تصديقهم. حتّى قصّة المفاوضات بين المجلس العسكريّ الانتقاليّ بعد ديسمبر والحريّة والتغيير لم تكن إلّا مسرحًا لتطبيق هوسهم المكين بالشرذمة والتفتيت. هل كنتَ تصدّق أنّهم كانوا – فعلًا – بعيدين عن تلك المفاوضات؟

أمّا ما ظلَّ الإسلاميّون يكرّرونه من أخطاء فهو يكمنُ في ثقتهم العمياء في صوابيتهم. عدم قدرتهم على معرفة إمكانيّات الآخر واحتمالات قواه الكامنة. سواءً على مستوى المجتمعات، الأحزاب، الجيران، الإقليم والعالم. لو نظرَ الإسلاميّون إلى تجربة الإنقاذ التي يعملون على استعادتها عبر الحرب، لرأوا حجم الدّمار الذي خلّفته. كان السُّودان سيكون أفضل بكثير من غيره. لقد جرى تقسيمه. تقزيمه، إفقاره، شحنه بالنعرات والقبليّة الفجّة المميتة. كيف تسعى لإعادة تجريب المجرّب؟

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على الحرب، كيف تشخّص الأزمة السودانية: أزمة دولة، أم هوية، أم نخبة؟

أزمة السُّودان هي نقص معرفته بمكوّناته. الادّعاء الأجوف بالمعرفة والغرق في أوهام الأفضليّة. على المستوى الدّاخليّ: كلُّ حزب بما لديهم فرحون. كلّ قبيلة، مجتمع هي وهو أفضل من الآخرين. بل حتّى كل مدينة هي أفضل من الأخريات. داخل الرّقعة الضيّقة: يعتقد سكّان الملازمين أنّهم أفضل من بيت المال، وبيت المال أفضل من أبو روف، وأبو روف أفضل من ود نوباوي، وهكذا.

ينتقل الفقر المعرفيّ بالذات والآخرين إلى الشّعوب والدّول الأخرى. ينظرون إلى الإثيوبيين والإرتريين على أنّهم فقراء ومجرّد حبش مقطّعين. إلى المصريين على أنّهم حلب ولميمة شعوب لا أصل لها وسارقون للحضارة. للتشاديين على أنّهم “غرب إفريقيا” وشحّاذون. لا يعرفون من نيجيريا إلّا أنّها المصدر الذي “يجيب لينا الفلّاتة والهوسا”.. وهكذا.

هل يمكن الحديث عن حياد في حرب بهذا الحجم؟ أم أن كل كتابة تنطلق من موقف أخلاقي ما؟

ليس هناك من حياد. وقد ذكرت لك – قبلًا – أنّه موقف غير أخلاقي. أمّا سؤالك عن الموقف المستبطن داخل كل كتابة فهو صحيح. وكما قال ميشيل فوكو فإنَّ كلَّ خطاب يخفي أكثر مما يظهر.

إذا كانت الحرب صراعًا على السردية أيضًا، فمن يكتب تاريخها: المنتصر، أم الضحية، أم الباحث بعد انتهاء الحرب؟

لا أعتقدُ أنَّ العصر الرّاهن والعصور القادمة ستكتبُ التاريخ من وجهة نظر أحاديّة. لقد صارت المصادر والزوايا أكثر من ذي قبل. ليس هناك جهة ستحجب معلومات ما، سرديّة ما، وتفرضها على التاريخ القادم. بل حتّى التاريخ ما قبل ظهور الوسائط والمصادر المتعدّدة، لم يكن يخلو من روايات وزوايا نظر مغايرة. ستجدُ – مثلًا – بأنَّ هناك من اشتغل على “روايات المغلوبين” في الفتوحات العربيّة الإسلاميّة. على صعيد الأقباط، الفرس، الأتراك، البربر، الأوربيين.. إلخ.

سيكون عسيرًا على رواية واحدة أنْ تتسيّد تاريخ الحرب السُّودانيّة الجارية. ستكون هناك “تواريخ” لها، وليس تاريخًا واحدًا.

من خلال قراءتك لتاريخ السودان وتحولاته، كيف تتوقع ملامح مستقبله؟

من الصّعب معرفة إلى أين سيمضي السُّودان. فالوقت ما يزال مبكّرًا للقراءات.

بعد كل هذه التجربة، ما الذي تركته الحرب في عبد الحفيظ مريود؟ وكيف تريد أن يذكرك الناس؟

ثمّة خسارات كبيرة تركتها الحرب عندي، على الصعيد الشخصيّ. فقد خسرتُ عددًا كبيرًا من الأصدقاء والمعارف، الحبيبات أيضًا. وخسرت – بالتأكيد – سلامًا داخليًّا واجتماعيًا. لكنّني لستُ نادمًا على ذلك. إذْ هناك خسارات في كلّ عمليّة انتقال كبرى في تواريخ الأمم والمجتمعات. كان لا بدّ لهذه الحرب أنْ تندلع. بغيرها يستحيل أنْ نجري تغييراتٍ شاملة على مستوى الأبنية الوطنيّة: سياسيًّا، اقتصاديًّا، اجتماعيًّا.

أمّا كيف أتمنّى أنْ يتذكّرني السُّودانيون، فآمل ألّا يضطروا لتذكّري.

Exit mobile version