صلاح الباشا يجيب على السؤال الأكبر : ماذا بقي من السودان الذي عرفناه؟

بعد أن يهدأ صوت السلاح .. قد نكتشف أن جزءاً من السودان لم يعد موجوداً إلا في الوثائق

الأغنية السودانية حفظت ما عجزت الكتب عن حفظه .. وغياب التوثيق يهدّد ذاكرة الأجيال

ثورة ديسمبر امتلكت الشارع وافتقدت الخبرة .. وأخطاء المرحلة الانتقالية قادت إلى النفق

الدوحة – مشاوير : حوار مجدي علي

من مدرسة أم سنط الابتدائية في ود مدني، إلى بركات والأهلية (ب) ومدني الثانوية، ثم جدّة والمنامة والدوحة والقاهرة، امتدت رحلة صلاح الباشا بين عالم الأرقام وعالم الكلمة.. تخرّج في كلية التجارة بجامعة القاهرة فرع الخرطوم عام 1974، وعمل في الإدارة والمراجعة المالية، لكنه ظل يمارس الصحافة والكتابة والتوثيق لأكثر من خمسة عقود.

ارتبط اسمه بتوثيق الفن السوداني وسير رموزه، فكتب عن محمد وردي وعبد الكريم الكابلي وعثمان حسين ومحمد الأمين وزيدان وغيرهم، كما وثّق لود مدني ومشروع الجزيرة والتحوّلات السياسية والاجتماعية في السودان. وله سلسلة (أهل الإبداع في بلادي)، إلى جانب عشرات المواد الصحفية المنشورة في الصحف السودانية والخليجية والمنصّات الإلكترونية.

وعلى امتداد أكثر من نصف قرن، خاض الباشا تجربة سياسية وإعلامية داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، قبل أن يبتعد عن العمل الحزبي محتفظاً باستقلالية موقفه وكتابته. ومع اندلاع الحرب، غادر الخرطوم التي عاش فيها نحو 23 عاماً، ليستقر مع أسرته في القاهرة.

في هذا الحوار مع (مشاوير)، يستعيد صلاح الباشا ود مدني وذكريات ستينيات القرن الماضي، ويتحدّث عن الفن والصحافة والسياسة ومشروع الجزيرة والحرب.. وعن محمد وردي الذي عرفه عن قرب، وما يخشاه على ذاكرة السودان من الضياع..

حين تذكر ود مدني، ماذا بقي من بركات والجزيرة في ذاكرتك حتى اليوم؟

أطلقت على ود مدني عبارة (مدينة الأحلام)، لأنها تظل حلماً نحلم به يومياً. وقد قلت ذلك للراحلة الصحفية والمحاورة نادية عثمان مختار حين سألتني: مدني.. مدينة تحملها معك دائماً أينما كنت، لماذا كل هذا العشق؟. فهي مهد الطفولة والتلمذة وتكوين الشخصية، خلال المرحلتين المتوسطة والثانوية اللتين عشناهما في العصر الذهبي للمدينة، أي ستينيات القرن الماضي.

وقد كتبت عن تلك الفترة نحو 15 حلقة صحفية، حين كانت مدني تتصدّر السودان في الفن والثقافة والشعر والرياضة، وتستقطب الكفاءات المهنية من مختلف أنحاء السودان للعمل في مشروع الجزيرة العملاق. ولا نزال نفخر باللافتة التي كانت تستقبل الداخل إلى المدينة في شارع الخرطوم ـ مدني: “ابتسم أنت في ود مدني”. كنا نقرأها داخل البص ونبتسم، ونكاد نطير فرحاً كلما اقتربنا من مدني.

في المحاسبة، لا تكفي رواية الواقعة؛ بل لا بد من مستند يثبتها. كيف انعكس هذا الحس المهني في تعاملك مع الوقائع والشهادات في كتاباتك، ومتى أصبحت الكتابة خيارك الحقيقي؟

تخرّجت في كلية التجارة، قسم المحاسبة، بجامعة القاهرة فرع الخرطوم، ثم اتجهت إلى الاغتراب في أغسطس 1975 نحو جدّة. لكن الكتابة الصحفية كانت هواية رافقتني منذ الصغر. ففي المرحلة المتوسطة كنت أصدر الصحف الحائطية أسبوعياً في نادي بركات الرياضي الثقافي، وفي المدرسة الأهلية الوسطى (ب) بود مدني. ورافق ذلك تعلّمي العزف على العود والغناء، ومشاركتي في فرقة الموسيقى بمدني الثانوية بقيادة الموسيقار العم محمد قسم الله مليجي.

بعد توقّفي عن الغناء، تفرّغت للكتابة الصحفية خلال الاغتراب، وكتبت في عدد من الصحف الخليجية والسودانية، ثم جاءت (سودانيز أون لاين) لتوسّع انتشاري عالمياً، قبل أن تجذبني الفضائيات إلى الحوار عبر شاشاتها.

خبرتي في المحاسبة والمراجعة والإدارة المالية، وصولاً إلى عملي مستشاراً مالياً وإدارياً، انعكست على تعاملي مع الوقائع والشهادات؛ فأصبحت أكتشف بسهولة التجاوزات المالية أو تزييف المستندات. وكنت أحرص على توثيق ما أكتشفه ورفع رأيي في تقارير “سرّية للغاية” إلى الإدارات العليا. وفي مؤسستين عملت بهما في الخرطوم بعد سنوات الاغتراب، اكتشفت مخالفات، في إحداهما بمجال المقاولات والأخرى في الصحافة. وكان بعض المختلسين من رؤساء مجالس الإدارات أنفسهم. وكان جزائي في الحالة الأولى الفصل التعسفي مع إعطائي مستحقاتي القانونية، وفي الثانية المضايقة وسحب سيارة العمل، فاستقلت. وبعد فترة قصيرة انهارت الصحيفة وشركة المقاولات، بينما ظللت أنا حرّاً طليقاً ورأسي مرفوعاً.

انتقدت الفصل التعسفي والإحالات للصالح العام، وأنت نفسك عشت تجربة الاغتراب. فهل كانت هجرتك نتاجاً لهذه السياسات، وأي مدينة منحتك أكبر قدر من الأمان والإنجاز؟

لم أواجه شخصياً الإعفاء من الخدمة للصالح العام، لأنني لم أعمل في وظائف حكومية عقب تخرّجي، بل اتجهت إلى الاغتراب. لكنني كنت أهاجم تلك الممارسات إبان حكم الإنقاذ، وأنا أرى مئات الآلاف من الكفاءات تُطرد من العمل، فلم يجد معظمهم حلاً سوى الاغتراب إلى دول النفط التي استفادت من خبراتهم، بينما فقدها السودان. وأدى ذلك إلى تراجع الخدمات وتعطّل المشاريع، ثم بيع أصول مؤسّسات إنتاجية تاريخية، مثل مشروع الجزيرة والناقل الجوي والناقل البحري وغيرها. وانتهى الأمر بخروج السلطة من الحكم ودخول السودان في النفق المظلم الذي نعيشه اليوم.

أما المدينة التي منحتني أكبر قدر من الأمان والاطمئنان والثقة في المستقبل فهي خرطومنا.. عشت فيها مع أسرتي 23 عاماً قبل الحرب، ووجدت فيها فرص العمل والاستقرار، كما أتيح لأبنائي التعليم المجاني حتى التخرّج في الجامعات الحكومية. وفي الخرطوم عشنا عصر الأحفاد، والحمد لله. أما المدينة التي أشعر فيها اليوم بالأمان وراحة البال فهي القاهرة، التي لم أنقطع عن زيارتها منذ أكثر من نصف قرن، وقد أصبحت ملجأنا الحالي.

ما العلامات المضيئة في مسيرتك الصحفية، وما الذي تريد أن توثّقه منها في كتاب؟

من أهم العلامات العلاقات الشخصية والاجتماعية التي نشأت بيني وبين رموز فنية وسياسية ورياضية وإعلامية وشعرية، وهو جانب أعتز به كثيراً. في الفن، نشأت علاقة قوية وعائلية مع كابلي ومحمد الأمين، ولا تزال علاقتنا بأبو عركي البخيت وأسرته مستمرة. وفي الرياضة هناك جكسا وعلي قاقارين وغيرهما، وفي الإعلام د.عمر الجزلي ويسرية محمد الحسن، وفي الشعر مدني النخلي والتجاني حاج موسى وعبد الوهاب هلّاوي، وفي الصحافة كثيرون أصبحوا بمثابة أهل لي.

وأرى أن الصحافة والإعلام لا يقتصران على نقل الأخبار، بل يصنعان علاقات إنسانية تمتد لسنوات طويلة.

لم يغب عن بالي جمع موادي التوثيقية، خصوصاً في مجال الفن، في كتيبات تحفظ هذه المادة. ولدي سلسلة (أهل الإبداع في بلادي) من أربعة أجزاء، صدر الأول منها عام 2000 في قطر، وأشرف على طباعته الراحل السر قدور. وأرغب في طباعة الأجزاء الثلاثة الأخرى إذا وجدت ناشراً جاداً، كما لدي نيّة لإصدار كتب تجمع ما كتبته عن “مدينة الأحلام” ود مدني وذكريات ستينيات القرن الماضي، وهي مادة تمتد إلى نحو 15 حلقة صحفية.

عاصرت عهود الصحافة من الورقية إلى المنصّات الرقمية. ماذا كسبت الصحافة من هذا التحوّل، وماذا خسرت؟

الصحافة الورقية ضُربت في مقتل بسبب ازدحام حياة القرّاء وانتشار الوسائط الإلكترونية والإنترنت. فأصبح كل ما يريده الإنسان من أبحاث وصحف وفيديوهات وبرامج متاحاً عبر الجوال. كما أن ارتفاع كلفة الطباعة والإنتاج والمحرّرين، مقابل تراجع التوزيع، جعل الناشرين يغلقون صحفهم.

ومع ذلك، تبقى للصحيفة الورقية مكانتها؛ فقد كانت عالماً متكاملاً يجمع التصميم والصورة والعنوان الجاذب والحوار الجاد، ويمنح القارئ متعة لا توفرها الشاشة بالضرورة.

كتبت عن كبار الفنانين، وقلت إن الأغنية يمكن أن تحفظ جانباً من تاريخ السودان. إلى أي مدى أنصف الإعلام تجاربهم؟

نعم يمكن للأغنية السودانية أن تعيد كتابة جانب مهم من تاريخ البلاد؛ فهي ليست مجرد شعر وموسيقى، وإنما وثيقة وجدانية تحفظ روح كل مرحلة. ولكل مرحلة من مراحل النضال والثورات أغنياتها التي تحمل مضامين الحدث وتعكس هتافات الجماهير ومطالبها. غير أن المتغيرات السياسية والحكومات المتعاقبة عملت أحياناً على طمس تلك الروح من خلال تغييب الإنشاد الوطني عن الإعلام الرسمي، فيبحث الناس عنه عبر التسجيلات والوسائط ليعود حاضراً وأقوى.

الإعلام والصحافة بذلا جهوداً مقدرة في توثيق رموز الغناء، لكن مع تعاقب الأجيال ورحيل كبار النقاد والموثقين أصبح هناك غياب واضح عن تعريف الجيل الحالي بما قدّمه الرواد، خاصة أنهم أبدعوا في زمن لم يكن فيه تلفزيون أو فضائيات. ويظهر ذلك في إعادة تقديم أغنيات الرواد؛ فقد يظن المستمع من الجيل الحالي أحياناً أن الأغنية للفنان الشاب الذي يؤديها، لا للفنان الأصلي. وهذا يؤكّد أن التوثيق لم يواكب انتقال الذاكرة الفنية بين الأجيال بالقدر الكافي.

 كنت قريباً من الفنان الراحل محمد وردي وشاركت في ترتيبات علاجه في الدوحة. ماذا اكتشفت في وردي الإنسان؟

كشف لي وردي الإنسان عن شخصية قوية ومستقلّة، تعتز بموقفها ولا تفصل الفن عن القناعة. وقد حكى لي حادثتين تؤكدان ذلك. الأولى عقب فشل حركة الرائد هشام العطا في 22 يوليو 1971، حين اعتُقل وردي 15 شهراً. وبعد خروجه عام 1972 توقّفت الإذاعة عن بث أغنياته، بينما ظل الجمهور يتابع حفلاته، الأمر الذي أزعج النظام. اتصل به وزير الإعلام الراحل أحمد عبدالحليم وأبلغه برغبة الرئيس جعفر نميري في مقابلته. رفض وردي الذهاب إلى القصر، فتم الاتفاق على اللقاء في وزارة الإعلام. وخلال اللقاء قال له نميري: “أنا بحب غناك جداً.. إنت ليه بتكرهني بالطريقة دي؟”. فأجابه وردي بأنه لا يكرهه، لكنه قال رأيه السياسي فيه، ولذلك اعتُقل ومنعت أغنياته. عندها أمر نميري بإعادة بثها وإجراء حوار تلفزيوني معه على الهواء..

أما الحادثة الثانية فكانت عام 1975، حين رفض وردي المشاركة في مهرجان للأغنية السودانية احتجاجاً على وقف بث أغنيته (بناديها) من كلمات عمر الدوش، رغم إجازتها وتكرار طلب الجمهور لها. فأمر وزير الثقافة والإعلام عمر الحاج موسى مدير الإذاعة صالحين ببث الأغنية فوراً، وكان لديه راديو ترانزستر في مكتبه، فتحه فإذا بـ(بناديها) تُذاع. هذه المواقف تكشف وردي الذي عرفته: فناناً لا يساوم على موقفه، ويعرف قيمة جمهوره وفنه، ولا يفصل إبداعه عن قناعاته.

 أنت من أكثر الكتّاب اهتماماً بتوثيق سير من فقدناهم. ما الذي يدفعك إلى ذلك، وهل جعلتك مكانتهم تتردّد في نقدهم؟

كتبنا عن المبدعين الراحلين حتى تعرف الأجيال التي لم تشهد عصرهم أن هناك رموزاً أفلت، لكنها بقيت في وجدان شعبها. كما أن هؤلاء المبدعين كانوا يجمّلون حياة الناس في ظروف بالغة القسوة، ولذلك نظل نحني لهم الهامات.

نعم ربما جعلتني مكانتهم أتردّد في النقد المباشر؛ فأنا حين أكتب عن أهل الفن والشعراء والموسيقيين أكتب من باب المحبة وأتناول جماليات ما قدموه، لأنني لست متخصّصاً أكاديمياً في الموسيقى. لكنني ظللت مرتبطاً بالفن منذ الصبا، أغني للطلاب في الرحلات والمناسبات، وأعزف على العود منذ المرحلة الثانوية. وبعد الاغتراب إلى السعودية والخليج في منتصف السبعينيات، تحوّلت ممارسة الغناء إلى اهتمام بالتوثيق والكتابة الفنية، ووجدت ترحيباً من الصحف القطرية والإماراتية والسودانية، وبعضها كان يمنحني حافزاً مادياً. نحن حين نكتب عن فنان أو شاعر أو موسيقار نعتمد على الأعمال التي أجازتها الأجهزة الرسمية، ولذلك لا نستطيع دائماً التقييم الفني المباشر.

وبعيداً عن الحنين إلى عمالقة الفن كيف تقرأ المشهد الفني السوداني اليوم، وإلى أين تتجه الأغنية في ظل الحرب وتشتت أهلها؟

الساحة الغنائية اليوم تفيض بشباب الفنانين والفنانات. فمنهم من يقدّم أعمالاً جادة فيها جهد إبداعي واضح، ومنهم من يقدم “أي كلام” يعتمد على الإيقاعات لتهييج الجمهور، ثم سرعان ما يُنسى لأنه لا يخاطب العقل والوجدان.

هناك مطربون جادون يعرفون قيمة الغناء ذي المضمون الراقي والموسيقى المعبّرة ويحرصون على تقديم أعمال جديدة، لكنهم قليلون جداً، كما توجد فنانات يقدمن أعمالاً باهرة.. هذه الحرب العبثية أحدثت دماراً وتشتتاً وانعكست على الفنون والإبداع بسبب عدم استقرار المؤسّسات والجمعيات الفنية وغياب المناخ الملائم للإنتاج. وهذا سيؤدي إلى انقطاع في مسيرة الإبداع المتوارث. وكنا نرى كلية الموسيقى والدراما تخرّج إبداعات متجدّدة في المسرح والغناء والكورال، ولذلك علينا ألا نتوقّع إبداعاً جديداً طالما ظلت مواعين الإنتاج مغلقة بسبب الحرب.

بعد عقود في الصحافة، كيف تنظر إلى الإعلام السوداني اليوم؟ هل أصبح أحياناً طرفاً في الحرب بدلاً من أن يكون شاهداً عليها؟

الحرب أثّرت على مواقع الصحف ومباني الأجهزة الإعلامية، ولذلك لم تعد مسألة تطوير الأداء الصحفي والإعلامي تجد حظها. الصحف توقّفت، والفضائيات استأجرت استوديوهات بالقاهرة لإنتاج بعض البرامج في ظروف صعبة، وأصبحت تسترجع برامجها القديمة لإعادة بثها. كما وأفرزت الحرب واقعاً جديداً حارب الصحف والصحفيين، فانقسموا؛ منهم من يؤيّد استمرارها لإنهاء الصراع لصالح القوات المسلحة والقوات المشتركة، ومنهم من يحمل لواء (لا للحرب). لكن الطرفين لم يقدّما جهداً نوعياً كافياً لاحتواء الحرب وآثارها المدمّرة على الأمن والغذاء والخدمات والإنتاج.. باختصار، أعجزت طبيعة الحرب الصحافة عن متابعة مخاطرها، وأصبحت الغرف الإعلامية لطرفي الحرب تطغى على العمل الصحفي، مع توظيف كل أنواع الميديا. فأصبحت الحرب تدور في ميدانين: ميدان الحرب على الأرض، وميدان الحرب في الوسائط.

وحين تهدأ الحرب، هل تتخيّل إعلاماً سودانياً قادراً على استعادة استقلاليته ومهنيته؟

تأثيرات طرفي الحرب على الواقع الصحفي ستجعلنا، بعد توقفها، نشهد حركة من الشد والنقد والهجمات والصراعات بالقلم، وتوظيف الوسائط والأجهزة الإعلامية في تصنيف الأداء الصحفي خلال سنوات الحرب. وربما تحدث انتقامات ووسائل ضغط لا يعلم أحد مداها، وهكذا قد تتحوّل الصحافة إلى ميدان حرب جديد يستمر زمناً ليس بالقصير بعد توقّف الحرب.

كتبت كثيراً عن السودان من الخارج. هل منحك المنفى رؤية أوسع أم أخذ منك شيئاً لا يراه إلا من يعيش الوقائع على الأرض؟

جهودي الصحفية في الخارج عبر الصحف الورقية والإلكترونية أو مختلف الوسائط ظلّت تعتمد على تفاصيل حالة البلاد في الداخل، وهي أصبحت متاحة للجميع. لذلك لا أرى اختلافاً كبيراً بين كتاباتي من الخارج ومثيلتها حين أكون داخل السودان؛ كلها تحمل حجم الهموم الكبيرة لما وصلت إليه البلاد.. كنت أجتهد لأضع حلولاً لمشكلات الاقتصاد، مستنداً إلى إدراكي للمشروعات الكبرى وحالة تدهورها وما حدث من بيع للمرافق المنتجة. وكتبنا كثيراً عن أهمية الإبقاء عليها، مثل مشروع الجزيرة الذي كتبت عنه في عشر حلقات، إلى جانب السكة الحديد والخطوط البحرية والجوية. وها أنا من وقت لآخر أعيد نشر ما كتبته قبل عشرين عاماً، خدمة للأجيال الجديدة التي لا تعرف شيئاً عن قوة مشروعات وإمكانات بلادنا التي بيعت.

في 27 نوفمبر 2022 أعلنت اعتزالك العمل السياسي داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل بعد أكثر من نصف قرن. كيف وصلت إلى القرار؟

ظللت ناشطاً إعلامياً وسياسياً وتنظيمياً في الحزب الاتحادي الديمقراطي منذ المرحلة الثانوية بود مدني في ستينيات القرن الماضي وحتى قبل أربعة أعوام، في رحلة امتدت أكثر من نصف قرن. وكنت، من الناحية الإعلامية، لصيقاً بالسيد محمد عثمان الميرغني، وقد كلّفني بإعادة إصدار صحيفة (الاتحادي) في نهاية عام 2010. فبذلت جهداً كبيراً في إعادة إصدارها بعد استكمال تسجيلها واختيار طاقم تحريرها. لكنني فوجئت بإبعادي عن الصحيفة بسبب تكتلات تنتمي إلى الحزب الحاكم. وكنت أرى اختراق الحزب الحاكم لقيادات محدّدة في حزبنا وانحيازها للمصلحة الخاصة، وهو ما أدى إلى تمزّقه وظهور فصائل اتحادية أخرى. وبعد توقف رئيس الحزب عن متابعة العمل اليومي بسبب عامل السن، جاءت المجموعة نفسها لتبعدني مرة أخرى من قيادة قطاع الإعلام. عندها وصلت إلى قناعة بأن هؤلاء القوم، وهم “أربعة طويلة”، لا يمكن أن أنسجم معهم، خلافاً لما كان عليه الحال مع مولانا الميرغني الذي كان يقدّر جهودي.

وأدى كل ذلك إلى ابتعادي عن العمل السياسي الحزبي، خاصة أن قيادة الحزب لم تهتم بمعالجة الإبعاد، وزادت قناعتي بأن الحزب فقد تأثيره وابتعدت عنه قاعدته القديمة ولم يبذل جهداً كافياً لاستقطاب الأجيال الجديدة. وهكذا شعرت أن استقلالية القرار هي الخيار الأنسب، فتركت لهم الجمل بما حمل، بعد أن باتت القبلية هي المسيطرة. ومع ذلك نتمنى لهم التوفيق، رغم ما حدث من تمزّق كبير.

الحرب أسقطت كثيراً من المسلّمات. ما الخطأ الأكبر الذي ارتكبته القيادات السياسية التي تولّت أمر ثورة ديسمبر ومهّد لهذه الكوارث؟

النخب الناشطة التي تولّت أمر مسيرة ثورة ديسمبر 2018 لم تنتبه إلى نصائح الذين قادوا النضال المدني لسنوات طويلة، وعلى رأسهم الراحل علي محمود حسنين، الذي نصح بأهمية استمرار الاعتصام في كل السودان، وتشكيل حكومة مدنية من قمّة الهرم السيادي إلى التنفيذي، ورفع مذكرة للمجلس العسكري تشكره على انحيازه للثورة. لكنهم استعجلوا، فجاءت النتائج كما نراها الآن. وهذا يدل على قلّة خبرة القيادات التي تولّت أمر الثورة وأدخلت نفسها في نفق مظلم وقبضت الريح.. ولا أزيد.

أنت ابن الجزيرة وكتبت عن حقوق المزارعين. هل يلخص ما حدث لمشروع الجزيرة، في صورة مصغرة، ما حدث للسودان؟

أنا من أكثر الناس ألماً لما حدث لمشروع الجزيرة وامتداد المناقل، وقد كتبت في ذلك كثيراً. لكن القوم لم يكونوا يتراجعون عن أخطاء قراراتهم، إلى درجة جعلتنا نظن أن الأمر مخطّط له من الخارج ليتم تنفيذه من الداخل. فلا يمكن لمشروع ضخم اعتمد على إنتاج القطن طويل التيلة لنحو ثمانين عاماً، من 1925 إلى 2005، أن يتم إيقاف زراعته. فقد أسهمت إيرادات القطن في بناء السودان الحديث وبنياته التحتية ووسائل تنميته، فضلاً عن أنه سلعة غالية في العالم حالياً. كانت السلطة فرحة بإنتاج البترول على حساب زراعة القطن. فجاء انفصال الجنوب وذهبت نسبة كبيرة من حقول النفط إلى الجنوب، خاصة في بانتيو، فحدث الانهيار الاقتصادي وظل متواصلاً حتى اللحظة.

الحرب تهدّد ذاكرة السودان وأرشيفه. إذا أتيح لك إنقاذ ما هو الأهم، ماذا تختار؟

الحرب تهدّد بتدمير أرشيف البلاد الإعلامي والأكاديمي، بما في ذلك مراجع الجامعات ومكتباتها. ولو قُدّر لي أن أختار ما يفيد شعبنا من الوثائق، فإنني أختار دار الوثائق المركزية، ويليها مخزون المواد الإذاعية والتلفزيونية.

وبلا شك، أنحاز إلى الحفاظ على توثيق الحركة الفنية، ثم توثيق حركة التاريخ السياسي في البلاد.

Exit mobile version