حروب السودان بين تحرير الهامش وإعادة إعادة إنتاج المركز

عبدالباقي مختار (بقة)

من المؤكد أنه في جميع الحضارات والبنيات الإنسانية بشكل عام — السياسية، الاجتماعية، الثقافية، بل وحتى الجغرافية — ثمة صراع خفي وصراع واضح في وقت واحد؛ صراع يتم تغليفه بأفكار تجعل الطرف الأقوى يتربع على المركز، ويظهر كأنه يمثل المصلحة العامة التي سيتم تعريفها – طبعاً – حسب مصلحة الطرف الأقوى صاحب المركزية، لتظل الثقافة المهيمِنة هي التي تنتج تعريفات المصلحة العامة وتقوم بفرضها، مما ينتج صراعاً بين مركز وهامش.

فالمركز يمثل دائماً نقطة تفوّق في مجالات عدّة كالسلطة والثروة والثقافة والهيمنة، بينما الهامش يمثل تلك المناطق أو الفئات التي تبقى في الظل، تابعة أو مهمشة. لكن الأكثر تعقيداً أن الهامش نفسه ينتج مركزاً وهامشاً داخليين، فيتشكل بذلك “مركز الهامش” و”هامش الهامش”.

صراع المركز والهامش

عندما ثارت الحركة الشعبية لتحرير السودان وأعلنت تمردها على المركز (المتمثل في السلطة، والثروة، والثقافة السائدة المهيمنة أو المفروضة)، وكانت أول حركة مسلحة تقوم بتقديم تعريف مختلف نسبياً للصراع في السودان وتبنت برنامجها السياسي على ضوء ذلك التعريف -صراع المركز والهامش-، مطالبةً بتفكيك المركز وإعادة تركيبه عن طريق التوزيع العادل للسلطة والثروة على كل أقاليم، ولايات أو أجزاء السودان، وإعادة تعريف الهوية السودانية لتعبِّر عن كل الشعوب السودانية وليصبح المركز مرآة لكل الأعراق ثقافيا. فما إن أسست الحركة لمفهوم “المركز والهامش” في وثائق نضالها ورفعت السلاح كوسيلة لتحقيق أهدافها، حتى برز الصراع بشكل جديد ومعقد أضفى تعقيداً على صراع الهامش مع المركز، وأظهر ازدواجية الحركة الشعبية في ممارسة وتطبيق نظرياتها على الواقع داخل الجنوب بشكل خاص وفي السودان بشكل عام، خاصة عندما أعادت إنتاج المركز والهامش في الهامش.

مرة أخرى بتمرين ذهني أحاول أن أرصد من زاوية أخرى أو أخرج إلى إعادة قراءة تلك الازدواجية وأثرها على الحركة الشعبية بشكل خاص وحركات الهامش الأخرى، وانعكاسها في الحروب التي دارت والحرب الدائرة الآن في السودان، وتحالفات الحركات التكتيكية وأسباب الانشقاقات في الحركة الشعبية والحركات الأخرى، كذلك تأثيرها على الوضع الحالي في جنوب السودان وفي السودان بشكل عام، إذ أن أي تشريح أو تحليل للصراع الحالي في السودان مع قراءة تاريخ تشكل المركز الحالي يجب أن لا يغفل تاريخ تكوين الحركة وتطورها وأساليب إدارة أزماتها التي اتبعتها، وتبعتها من بعد ذلك الحركة الشعبية شمال، مروراً بالحركات الأخرى وصولاً للدعم السريع.

عند العودة إلى لحظة التأسيس الفعلي للحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLM) وجيشها الشعبي (SPLA) على الأراضي الإثيوبية في السادس عشر من مايو عام 1983، نكتشف مفارقة جوهرية، فبينما كان خطاب الحركة (والحركات اللاحقة التي انقسمت منها عند انشطار السودان أو التي خرجت من معطفها وتبَنَّت فكرها في غرب السودان) يدور حول تحرير الهامش، وتفكيك المركز والقضاء على هيمنة نخب المركز في الخرطوم، وإقامة سودان جديد لامركزي ديمقراطي أو تتلاشى فيه هيمنة المركز القديم أو تخفيف تركيز السلطة والثروة وإعادة توزيعها على الهامش.

غير أننا نجد أن الحركة الشعبية وجدت نفسها على ذات الدرب في إعادة إنتاج الأزمة على أساس بناء هيكل قبلي، إثني بشكل شبه عفوي يعيد إنتاج آليات المركز نفسه، لكن داخل الهامش الجنوبي.

القبلية والجغرافيا

هذا التناقض قاد الحركة منذ نشأتها الأولى – كما سنرى – نحو أزمة حقيقية ستلاحقها حتى بعد استقلال جنوب السودان، حيث أسست الحركة – بشكل، كما أسلفت، يبدو عفوياً – لمركزية اجتماعية جديدة قائمة على التفوق العددي لمجموعة إثنية بعينها. وهنا يمكن تسميتها مجموعات الدينكا والنوير، التي تُعتبر أكبر التجمعات القبلية في جنوب السودان (بجلوسها على نسبة كبيرة جداً من تعداد سكان الجنوب اجتماعياً، وكذلك جغرافياً لوجودها في ولايات بحر الغزال الكبرى وأعالي النيل الكبرى، وكذلك في الاستوائية الكبرى لظروف الحرب والنزوح، وكانت وما تزال هي الإثنيات الأكثر تمثيلاً في صفوف الجيش الشعبي بحكم تفوقها العددي، مما انعكس على وجودها بأعداد مقدرة في المراكز القيادية لاحقاً.

وعلى الرغم من أن الحركة الشعبية تبنت نظرياً مبدأ التوازنات القبلية في توزيع المناصب والفرص بين المجتمعات المختلفة.

غير أن هذا النهج بقدر ما له من الإيجابيات وكان بغرض ينحو تجاه العدالة والمساواة، ولكن سلبياته ستطغى في التطبيق على ايجابياته، إذ إن التطبيق العملي فرض واقع التفوق العددي لمجموعات بعينها في كل الفرص والمواقع القيادية داخل الجيش الشعبي، الذي هو الأداة العسكرية الأولى في حرب التحرير ضد المركز في الخرطوم (1983-2005)، الفرص التي تم توزيعها بناء على حجم وجود هذا المجتمع وذاك ومساهماته العسكرية في الحرب.

هذه الآلية عززت من هيمنة مجموعات بعينها لأنهم كانوا الأكثر عدداً والأكثر تجنيداً، مما جعل شخصيات لديها الكفاءة لتقود أو تساهم نظرياً أو عملياً في مسيرة قيادة الحركة الشعبية والجيش الشعبي من مجموعات إثنية أخرى تشعر بالإهمال والتهميش على الرغم من قدراتها الفكرية والعملية.

وهذا ما أدى لاحقاً، وبمساعدة المركز في الخرطوم، إلى انشقاقات عنيفة ودامية داخل الحركة (مثل انشقاق الدكتور رياك مشار والدكتور لام أكول عام 1991)، سبقتها وتلتها انشقاقات أخرى ذات خليفات اجتماعية، ليتكرر هذا الفعل أو المشهد في كل الحركات الأخرى عن طريق استنجاد أو تحالف هامش الهامش مع المركز في الخرطوم ضد مركز الهامش مما انعكس في شكل صراعات إثنية دامية وكانت أكثر عنفاً من حربها ضد المركز.

تغذية صراعات الهامش

المركز الذي ستمثل له هذه الصراعات أداة محورية لشن حرب على الحواضن الاجتماعية لحركات الهامش ولتعزيز مركزيته في السلطة وعبر هذه السياسة صار يقدم الدعم اللوجستي والمادي والمعنوي – من خلال توسيع الهوة بين هذه المجتمعات والمجموعات الإثنية الأخرى – ويقوم بخلق وتغذية أسباب هذه الصراعات لتحقيق مكاسب تكتيكية لا يكترث لمدى تأثيرها الآني على هذه المجتمعات ومستقبل علاقتها الاجتماعية، ولا يريد أن يعلم مدى أثرها على هدم كل الجسور التي ستؤدي إلى تكوين دولة قومية في المستقبل.

اللافت أن الدكتور جون قرنق ديمبيور، الزعيم التاريخي للحركة وواضع الأسس النظرية لمشروع السودان الجديد، انتهج بنفسه أسلوباً مشابهاً للمنهج الذي كانت تتبعه المؤسسة العسكرية والنخبة الحاكمة في الخرطوم، مفاده الوصول إلى السلطة أولاً عبر هذه المركزية الإثنية أو الجهوية، ثم الشروع في تفكيك المركز القديم وإعادة تركيب وتوزيع المركز بشكل نظري “يستوعب كل شعوب السودان وقضاياهم”.

غير أنه سقط في تأجيل معالجة خلل التوازن الإثني داخل هياكل الحركة الشعبية والجيش الشعبي مما جعل ذلك يبدو أو يتمثل في تَرِكة ثقيلة مع غياب آليات تصحيحية واعية لموازنة هذا الخلل، وتأجيل المعالجة أدى إلى تحويل المركزية العفوية في النهاية إلى هيمنة مقصودة، حتى لو لم تكن بالنوايا أو بالقصد.

على أي حال فإن المحصلة النهائية هي تهميش فعلي للآخرين، سواء أكان مقصوداً أم لا، وعليه أصبح ليس هناك من حل جذري أو نظرية لكي تعود إليها الحركة في حالة غياب دكتور جون قرنق، وهو ما أورد الحركة مورد الكوارث والنتائج السلبية التي تبعتها إلى يومنا هذا، فصارت الحركة أشبه بكمبيوتر تمت برمجته وتصميمه لشخص واحد يدير عجلتها أو تتعطل في لحظة غيابه.

الحواضن الإثنية للحركات المسلحة

خرجت هذه المركزية الاجتماعية (الإثنية) وظلت بلا معالجة، وتجلت بشكل لا مواربة فيه على باقي الحركات الأخرى، مما جعل بعض حركات الهامش تتحول إلى حركات إثنية بشكل صارخ؛ ففي حركات الهامش في دارفور التي وقعت في فخ التقسيم وتكريس المركزية الإثنية، حيث ظهرت حركات لم يبقَ فيها من القومية سوى الاسم وشعارات تظهر في أديباتها من حين لآخر، ولم يعد في قيادتها وممارساتها ما يعبر إلا عن مجموعة إثنية محددة، دون أن تمثل حتى الإقليم نفسه.

وصار الصراع بين مراكز الهامش وهامش الهامش واحدة من الأدوات الجيدة والأقل تكلفة في يد المركز والنخبة الحاكمة في الخرطوم لتقسيم حركات الهامش.

ففي دارفور تم تقسيم الحركات يوم موافقتها على التفاوض باسم دارفور، يوم أن رضخت وباركت تسميتها بحركات دارفور. في الجانب الآخر نجد أن الحركة الشعبية شمال على الرغم من تبنيها مشروع السودان الجديد بالوراثة من الحركة الأم، لكنها لم تكتفِ بعدم التعلم من أخطاء الحركة الشعبية الأم في جنوب السودان، بل سارت على ذات تلك الأخطاء وقع الحافر على الحافر، فتخلقت مركزية للحركة في جبال النوبة وغير ذلك، وصار لها هامش كان سبباً من أسباب انشقاقها، وستقود إلى المزيد من الانشقاقات الداخلية، بسبب أن مركزيتها في جبال النوبة خلقت هامشاً ومركز هامش داخل جبال النوبة نفسها، لتصبح قابلة على انشقاقات إثنية داخل قوميات النوبة، وهي انقسامات يمكن أن تنتهي باحتماء أو تحالف هامشها مع المركز في الخرطوم، أو يمكن أن يؤدي وفي أفضل الأحوال إلى الالتحاق أو الانضمام لقوات الدعم السريع أو أي قوى أخرى تقف ضد المركز.

وبالعودة إلى تاريخ السودان الحديث وتحولات “مراكز الهامش”، نجد أنها لم تكن ثابتة، بل ظلت قابلة للتبدل وفق حاجة المركز نفسه. وبعد الاستقلال، كانت “مركزية الهامش” في الجنوب وغرب السودان (وتحديداً دارفور) حكراً على الإثنيات الأكثر استقراراً وتعليماً. مثلاً في الجنوب، نجد ان من قاد وسيطر على قيادة أول تمرد ضد المركز هي القبائل الاستوائية الزراعية، التي امتازت بتكوينها الأحدث نسبياً وتنظيمها الأفضل، وكان أبرز قادتها في الفترة (1963-1972) اللواء جوزيف لاقو وهو خريج الكلية الحربية السودانية. ولكن مع تزايد التذمر ولعبة الكراسي التي انتهجها نظام مايو (1969-1985) والتلاعب على التناقضات الاجتماعية في جنوب السودان وخاصة مركزها السياسي في جوبا والتراجع عن اتفاقية أديس أبابا واندلاع الحرب مرة أخرى في العام 1983 بدأت موازين القوى الداخلية في الهامش نفسه تتبدل؛ إذ أزاحت القبائل الرعوية الدينكا والنوير تلك الإثنيات الزراعية من “مركز الهامش” بفضل تفوقها العددي وقدرتها على القتال في ظروف الحرب الطويلة ضد المركز في الجيش الشعبي، أو بجانب المركز في حالة مليشيات النوير في هامش المركز الجديد في الجنوب “الحركة الشعبية”، فاحتمت وتحالفت مع المركز ضد مركز الهامش. وهكذا، لم يتغير موقع الهامش من المركز القديم فقط، بل تغير من يمثل “مركز الهامش” نفسه عبر الزمن، فصارت هذه المراكز كالرمال المتحركة، تتشكل وتتبدل وفق رغبة المركز في توظيف من يقدم خدماته في كل مرحلة.

ثنائيات الحرب في دارفور

وفي دارفور أيضاً بدأ “مركز الهامش” بإثنيات مستقرة تاريخياً كسلطنة الفور ذات الجذور الممتدة إلى ما قبل انهيار سلطنة تمبكتو وقبل قيام السلطنة الزرقاء. ولكن الحرب التي شنتها حركات الهامش من غرب السودان، أدخلت القبائل الرعوية/العربية على الخط بناءً على رغبة المركز، لإدارة الحرب بالوكالة عن المؤسسة العسكرية التي أرهقتها الحرب الطويلة في جنوب السودان، وجففت حركات الهامش مصادر تجنيد كوادرها البشرية -الرعاة الذين يعود ارتباطهم بالأرض إلى حركة البحث عن المراعي، فقاموا بتحويل خريطة النفوذ في الهامش، فنقلوا “مركزه” من الحقل الزراعي إلى فضاء وساحات الرعاة وستظل، ودارفور مثال حي على ذلك، حين أعاد المركز تعريف الصراع فيها من هامش ومركز وأحاله إلى صراع (دارفوري-دارفوري)، أو طوَّع الصراع التقليدي بين الرعاة والمزارعين على الأرض “الحواكير” والموارد لمصلحته، وقام بتسليح ما يسمى بالإثنيات العربية ضد القبائل الأفريقية المستقرة وصاحبة الأرض، وقدم له تعريفاً مختصراً: صراع (عرب وزُرقة).

إذن لم يحدث تغيير “مركز الهامش” في دارفور من المجموعات الزراعية، المستقرة تاريخياً إلى ما نعرفه اليوم ” بالقبائل العربية “ممثلةً في الدعم السريع “بمعزل عن الإرادة السياسية أو العسكرية لنخب المركز.

بعد نجاح المركز في تحالفه مع القبائل الرعوية وقام بتسليحها لتوظيفها في الصراع ضد القبائل الزراعية المستقرة التي أعلنت وبدأت تمردها ضد المركز رافعة شعارات السودان الجديد وأخذت تظهر كقوة عسكرية، سرعان ما تطوّر هذا التحالف المؤقت مع هذه الاثنيات إلى كيان مسلح يتطور وفق كل مرحلة، إلى أن وصل لما يعرف الآن بالدعم السريع الذي سيتحول لاحقاً إلى لاعب مركزي في الصراعات السودانية. والأهم من ذلك، أن هذا التطور لم يكن نتاج تفوّق ذاتي للإثنيات المتنقلة (الرعوية)، ولا نابعاً من رغبتها الداخلية في بناء هذه القوة بمفردها، بل على العكس تماماً، فإن “عسكرة المجتمعات العربية أو الرعوية في منظومة الدعم السريع”، ودون أدنى شك هو في جوهره مشروع مملوك للمركز ويعود إليه، تم تأسيسه وإدارته لأكثر من عشرين عاماً وفق حاجة المركز إلى أداة عسكرية سريعة التجميع وسهلة الحركة وغير تقليدية، وقابلة للاستخدام في مناطق الهامش دون إضافة إرهاق للمؤسسة العسكرية النظامية. وهكذا، لم يكن صعود هذه القبائل تعبيراً عن قدرتها الذاتية، بل كان انعكاساً لرغبة المركز في إعادة ترتيب “مراكز الهامش” بما يخدمه هو لا بما يخدم هذه القبائل في علاقتها الاجتماعية بمحيطها.

بعد اندلاع حرب 15 أبريل في الخرطوم بين المؤسسة العسكرية وقوات الدعم السريع، وبفضل التفوق التسليحي للدعم السريع من جهة، والتفوق العددي لعناصر قبيلة الرزيقات داخل الدعم السريع من جهة أخرى، تمكنت الأخيرة من التقدم نحو المركز في دارفور، وتحولت إثنيات حركات الهامش التي كانت حتى العام 2020 تقاتل من أجل تفكيك المركز إلى ما يمكن تسميتها “هامش الهامش”، وجدت نفسها تستنجد وتعود لبناء تحالف جديد مع المركز لمحاربة الدعم السريع الذي أصبح يمثل “مركز الهامش”.

استبطان عقلية المركز

في نهاية قراءة هذه التحولات في صراع المركز والهامش في السودان، نصطدم بحقيقة مؤلمة: أن حركات الهامش حين ثارت على المركز لم تأتِ بما يختلف عن عقلية نخب المركز، بل سقطت فيما يجعلها تبدو وكأنها تحلم بأن تصبح هي المركز ذاته. فما فعلته الحركة الشعبية داخل الجنوب وبدأ عفوياً، ثم تبعتها حركات دارفور وجبال النوبة، لم يكن سوى إعادة إنتاج نفس آليات المركز في الصراع الظاهر، وإن تجاهلت مراكز الهامش أدوات الصراع الخفي مؤقتاً، التي كانت سبب تمردها من قبل فعادت لإنتاج الأزمة نفسها تحت شعارات التحرير والعدالة.

لقد أثبت التاريخ السوداني الحديث أن “مركز الهامش” ليس ثابتاً، بل متحول ومتحرك باستمرار، يتشكل وفق حاجة المركز الأصلي في الخرطوم، وينهار متى ما تغيرت المصالح أو تبدلت التحالفات. من اللواء جوزيف لاقو إلى الدكتور جون قرنق، ومن مني أركو مناوي إلى موسى هلال، ثم إلى حميدتي وقوات الدعم السريع اليوم، ظل الهامش أسير فكرة المركز نفسه؛ إما أن يكون أداة في يد المركز، أو أن يتحول إلى مركز مصغر يعيد إنتاج التهميش.

والمأساة الحقيقية أن المركز، بدلاً من أن يخلق حواراً جامعاً للعمل على بناء دولة مواطنة تتسع للجميع، ظل رهينة لصراع متجدد بين مراكز وهوامش (أهمشة) لا تنتهي.

تبقى الأسئلة العالقة حول حروبات الأمس واليوم

 أليس من الواضح أن كل طرف من هذه الأطراف يحلم بالجلوس على كرسي المركز الذي كان يلعنه ويتمرد عليه بالأمس؟

 ألا تمثل الحرب الدائرة الآن ذروة هذا التناقض الفاضح، وليست استثناءً منه، خاصة عندما يتحول هامش الأمس (الدعم السريع بخلفيته الاجتماعية) إلى لاعب مركزي، وتتحول حركات الهامش القديمة إلى حليف للمركز التقليدي لمحاربة “مركز الهامش” الجديد؟

هل ستتحالف المؤسسة العسكرية مع المنشقين عن قوات الدعم السريع لضرب حلفاء اليوم من حركات الهامش، بنفس الطريقة التي تحالفت بها سابقًا مع القوات المشتركة لضرب الدعم السريع؟

هل الحرب الدائرة الآن هي حرب نخب المركز فيما بينها وتستخدم فيها تناقضات الهامش: تحالف المؤسسة العسكرية/ الحركة الإسلامية في المركز مع هامش الهامش ضد تحالف هامش المركز (تحالفات المعارضة بكل أشكالها) مع مركز الهامش؟

Exit mobile version