يعاني عدد كبير من السودانيين الموجودين في مناطق الصراع المتفجر بين الجيش وقوات “الدعم السريع” منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وكذلك المناطق الآمنة من حملات اعتقال وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان من طرفي القتال، بموجب اتهامات يصب معظمها في خانة التخابر والتآمر والتعاون والدعم وغيرها من التهم التي صدر حكم الإعدام في بعضها، ناهيك بعمليات القتل والتعذيب والاغتصاب وانتهاكات عدة خارج نطاق القانون.
إلى ذلك، تعمل مراكز حقوق لتوثيق الانتهاكات الجسيمة والجرائم المفزعة التي ترتكبها الأطراف المتحاربة.
في السياق، قدّم المرصد السوداني لحقوق الإنسان والمركز الأفريقي للعدالة والسلام تقريرهما المشترك إلى آلية الاستعراض الدوري الشامل (UPR) التابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، ضمن دورة المراجعة الخاصة بالسودان لعام 2026.
وسلّط التقرير الضوء على الانتهاكات الواسعة والممنهجة التي شهدتها البلاد منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، إضافة إلى تقييم مدى تنفيذ التوصيات السابقة الصادرة في الدورة الثالثة للمراجعة الخاصة بالسودان التي سلمت إلى وزير الخارجية في أغسطس 2022.
وركز تقرير المنظمتين، بوجه خاص، على تطورات حالة حقوق الإنسان خلال سنوات الحرب.
وأوضح التقرير أن “السودان يعيش أوسع وأخطر الأزمات الإنسانية والحقوقية في تاريخه الحديث، حيث أدت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، التي تشهد تدخلات خارجية واسعة، إلى انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة في العديد من أنحاء البلد، وغياب منظومة الحماية وتفشّي الإفلات من العقاب.
واستند التقرير إلى شهادات مباشرة وتحقيقات ميدانية وكذلك تقارير محلية ودولية موثوقة، مبرزاً جملة من الانتهاكات، من بينها القصف الجوي العشوائي على مناطق مأهولة بالسكان في كردفان ودارفور والجزيرة، وهجمات واسعة على القرى و المدن في ولاية الجزيرة، والتعذيب والاعتقال التعسفي والإخفاء القسري في عدة ولايات، إضافة إلى العنف الجنسي بوصفه سلاح للحرب في الخرطوم ودارفور والجزيرة وكردفان، إضافة إلى الحصار والتجويع المستخدم أداة حرب في الفاشر وكادوقلي، على سبيل المثال، واستمرار العقوبات القاسية، واستهداف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان بالقتل والاعتقال والتعذيب.
وحدّد التقرير الجهة المسؤولة عن الانتهاك في كل حالة.
وخلص التقرير إلى أن السودان لم ينفّذ معظم توصيات دورة الاستعراض الدوري الشامل السابقة، خاصة تلك المتعلقة بإصلاح قطاع العدالة وحماية المدنيين ومكافحة الإفلات من العقاب وضمان الحريات العامة وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، مشيراً إلى أن الوضع الحقوقي تدهور بشكل غير مسبوق مقارنة بالدورة الماضية. كما أبرز التقرير استمرار التشريعات المقيدة للحقوق، مثل قانون جهاز المخابرات المعدّل عام 2024، واستمرار العمل بقوانين تفرض عقوبات قاسية، وضعف استقلال القضاء، وشلل النيابات والمحاكم في مناطق النزاع.
ودعت المنظمتان السلطات السودانية والمجتمع الدولي إلى ضمان حماية المدنيين والتحقيق في الانتهاكات الجسيمة ورفع الحصانات عن القوات النظامية ودعم آليات العدالة والمساءلة وتوفير وصول آمن للمساعدات الإنسانية وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين، مؤكدة أن إنهاء الإفلات من العقاب يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق السلام والاستقرار في السودان.
جدير بالذكر أن الاستعراض الدوري الشامل هو آلية أممية لمراجعة حالة حقوق الإنسان في جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة كل أربع سنوات ونصف، حيث تقوم الدول والمنظمات بتقديم تقارير حول حالة حقوق الإنسان، وتصدر الدول الأعضاء في مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة، توصيات ملزمة سياسياً وأخلاقياً، وتُعدّ هذه الآلية واحدة من أهم أدوات الرقابة الدولية على الالتزامات الحقوقية للدول.