مقالات

القرشي الذي لم يتخرج .. والخريجون الذين خذلوا الوطن

إبراهيم هباني

كان أحمد القرشي احد شهداء ثورة أكتوبر 1964. لم يمهله القدر ليحمل شهادته الجامعية، لكنه حمل وطنه حتى الشهادة. دخل التاريخ من أوسع أبوابه، بينما أخفق بعض من حملوا أعلى الشهادات في اجتياز الامتحان الأكبر… امتحان الوطن.

لم تمنح جامعة الخرطوم القرشي فرصة أن يعود إلى قريته، القراصة بالنيل الأبيض، حاملا شهادته ليعلّقها على جدار منزل أسرته كما كان يحلم، وكما كانت تحلم أسرته. لكن السودان منحه مكانة أكبر من أي شهادة؛ فقد أصبح رمزاً لجيل آمن بأن الحرية لا تُورث، وأن الأوطان لا تُبنى بالصمت.

بعد اثنين وعشرين عاماً فقط، كانت الجامعات السودانية تكتب فصلاً مختلفاً.

في انتخابات عام 1986، احتلت الجبهة الإسلامية القومية المركز الثالث بحصولها على 51 مقعداً، خلف حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي. لكنها حققت نتيجة لافتة في دوائر الخريجين، إذ فازت بـ23 مقعداً من أصل 28، أي أكثر من 82 في المئة من المقاعد المخصصة للشريحة الأكثر تعليماً في البلاد. كما رسخت حضوراً مؤثراً داخل عدد من الاتحادات الطلابية والنقابات المهنية.

لم يكن ذلك مجرد انتصار انتخابي.

كان مؤشراً إلى أن الحركة الإسلامية نجحت في كسب عقول شريحة واسعة من المتفوقين، قبل أن تفكر في كسب الدولة نفسها.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.

كيف استطاع تنظيم سياسي أن يجذب هذا العدد من الأطباء، والمهندسين، والمحامين، وأساتذة الجامعات، وأصحاب أعلى الدرجات العلمية؟

والسؤال الأصعب: لماذا استمر بعضهم في الدفاع عن المشروع نفسه، حتى بعدما أصبحت كلفته على السودان واضحة للعيان؟

الإجابة ليست أن هؤلاء كانوا أقل ذكاءً من غيرهم، بل ربما كانوا من أكثر السودانيين تفوقاً.

لكن التفوق الأكاديمي شيء، والاستقلال الفكري شيء آخر.

لقد فهمت الحركة الإسلامية، منذ وقت مبكر، أن الطريق إلى السلطة يمر عبر الجامعة. استثمرت في اتحادات الطلاب، واستقطبت المتفوقين، وقدمت لهم تنظيماً منضبطاً، وشعوراً بالتميز، ومساراً واضحاً للصعود. بينما تركت الأحزاب التقليدية الجامعات، وانشغلت بصراعاتها التاريخية، وبنياتها الطائفية، وخلافاتها الداخلية.

نجحت الحركة في التنظيم.

لكن التنظيم ليس مرادفاً للوطن.

ولعل الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه شريحة من الخريجين لم يكن انتماؤها إلى الحركة الإسلامية، فذلك حق سياسي، وإنما عجزها عن مراجعة التجربة عندما بدأت نتائجها تظهر.

فالطبيب الذي رأى ضحايا التعذيب، والاقتصادي الذي تابع انهيار الاقتصاد، وأستاذ الجامعة الذي شاهد تراجع التعليم، والقانوني الذي أدرك تآكل سيادة القانون… لم يكونوا يفتقرون إلى المعلومات.

كان ينقص بعضهم شيء آخر:

القدرة على مساءلة الفكرة التي آمن بها.

فالجامعة تمنح الإنسان المعرفة، لكنها لا تمنحه تلقائياً الشجاعة الأخلاقية. وقد يتخرج المرء طبيباً لامعاً، أو مهندساً بارعاً، أو أستاذاً مرموقاً، لكنه يظل عاجزاً عن الاعتراف بأن المشروع الذي انتمى إليه قاد وطنه إلى طريق مسدود.

وهذه ليست ظاهرة سودانية خالصة.

في ألمانيا النازية، لم يكن هتلر محاطاً بالجهلاء، بل بأساتذة جامعات، وأطباء، وقضاة، ومهندسين، أسهم بعضهم في إضفاء الشرعية على سياسات النظام. وفي الاتحاد السوفيتي، خدم علماء ومثقفون دولة شمولية رغم إدراكهم لطبيعة القمع الذي تمارسه.

وفي إيران، شاركت نخب أكاديمية ومهنية في بناء مؤسسات الدولة، لكن الولاء العقائدي غلب، لدى كثيرين، على فكرة الدولة الوطنية.

إذن، ليست المشكلة في نقص التعليم.

بل في غياب التفكير النقدي عندما يتحول التنظيم إلى حقيقة مطلقة، ويصبح الحزب أهم من الوطن، والولاء أهم من الضمير.

ومع ذلك، سيكون من الظلم تحميل جميع الخريجين أو جميع المنتمين إلى الحركة الإسلامية المسؤولية نفسها. فقد خرج من داخل الحركة أيضاً رجال ونساء راجعوا تجربتهم، وانتقدوا أخطاءها، وغادروا صفوفها، وبعضهم دفع ثمناً باهظاً لذلك. كما أن الجامعات السودانية نفسها ظلت، عبر العقود، تنجب أجيالاً من الوطنيين الذين واجهوا الاستبداد، وقدموا أرواحهم دفاعاً عن الحرية.

وهنا تعود صورة القرشي.

طالب لم يحمل شهادة جامعية، لكنه حمل قضية وطنه حتى الشهادة.

وفي المقابل، حمل بعض الخريجين أعلى الشهادات، لكنهم لم يحملوا العبء الأخلاقي نفسه عندما وقف السودان أمام أخطر منعطف في تاريخه.

المفارقة ليست أن الحركة الإسلامية نجحت في استقطاب المتفوقين.

المفارقة أن بعض المتفوقين توقفوا عن التفكير عندما دخلوا التنظيم.

فالذكاء لا يحمي صاحبه من الوهم، بل قد يجعله أكثر براعة في تبريره. وكلما اتسعت معرفة الإنسان، ازدادت قدرته على الدفاع عن قناعاته، حتى عندما تثبت الوقائع أنها كانت خاطئة.

ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل خريج سوداني على نفسه ليس: ما هي درجتي العلمية؟

بل: هل جعلتني الجامعة أكثر حرية في التفكير، أم أكثر مهارة في تبرير ما أؤمن به؟

لن يذكر التاريخ عدد الشهادات التي علّقها الناس على جدران منازلهم، ولا عدد الألقاب التي سبقت أسماءهم.

سيتذكر فقط أين وقفوا عندما كان الوطن ينزف.

وسيظل أحمد القرشي، الذي لم يمهله القدر ليعود إلى القراصة حاملاً شهادته الجامعية، شاهداً على الحقيقة الأكثر إيلاماً في التاريخ السوداني الحديث:

قد ينجح الإنسان في كل امتحانات الجامعة… ثم يرسب في امتحان الوطن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع