ثمن الوهم

فيصل محمد صالح

قرأتُ بأسى وحزن شديدين بيان النعي الذي أصدره الناطق الرسمي باسم قوات درع السودان، التي يقودها أبو عاقلة كيكل، لنحو أربعمائة عضو مقاتل فقدتهم الحركة في معارك كردفان خلال اليومين الماضيين.

كل هؤلاء من الشباب الذين ثكلتهم أمهاتهم، وفُجع بهم آباؤهم، وتيتّم أطفالهم، وفقدت بيوت كثيرة سندها وعائلها. ثم بدأتُ في حساب من فقدهم الجيش السوداني، والقوات المشتركة، وقوات الدعم السريع.

بحسب المتابعات، فقد كانت المعارك دامية ومميتة، والمتوقع أن يكون ضحاياها بالآلاف، جلّهم من الشباب من كل أنحاء السودان، سبقهم عشرات الآلاف في معارك سابقة ظلت تدور لأكثر من ثلاث سنوات.

محصلة كل هذه المعارك أن السودان ما زال منقسماً بين إدارتين وجيشين، والمعارك تدور بين تقدم وتأخر، وانتصارات وانسحابات، والدماء تسيل، والأرواح تُحصد، وليس من منتصر.

هناك من تطربهم أصوات المارشات وجلالات النصر، مختلطةً بأصوات المدافع والقاذفات، وتأخذهم حماسة الأناشيد العسكرية، فلا ينظرون إلى الحرب إلا من هذا المنظار، ويقضون ليلهم ونهارهم في انتظار النصر المبين، المجلل بالأوسمة والوشاحات، والذي لن يأتي قريباً.

هؤلاء مغيبون، وغير قادرين على النظر إلى أثر الحرب على حيوات الناس، وأرواحهم، وممتلكاتهم، ومستقبل الدولة، وبنياتها الأساسية التي تدمرت، ومستقبل الأجيال الجديدة التي فقدت سنوات من مسيرتها التعليمية في مختلف المراحل.

وقبل ذلك وبعده، هناك الآثار النفسية والاجتماعية طويلة الأمد التي لا نعرف حدودها بعد، دعك من كيفية معالجتها.

لا بد من فضح حقيقة الحرب، ليس فقط من أشعلها ومن استفاد من إشعالها، بل أيضاً من يستثمر فيها حالياً ومن يريد استمرارها. تتكرر كثيراً في عبارات البعض جملة: “لا أحد يرغب في الحرب… ولكن”، وهي جملة مضللة.

فهناك كثير من المستفيدين من الحرب ومن استمرارها: قادة عسكريون وجدوا نفوذاً لم يستطيعوا الوصول إليه في السلم، وسياسيون ركبوا الموجة وصاروا قيادات، ولم يكن يُنظر إليهم من قبل إلا على أنهم مهرجون، ورجال أعمال يبيعون ويشترون كل شيء، من النفط والسكر والسلاح، إلى كرامة الإنسان وشرف الوطن وأبنائه، وكتّاب امتهنوا التبرير و”اللكننة”.

ويشكل هؤلاء كتلة متماسكة تتبادل المصالح والمنافع، وتدافع عن بعضها بعضاً.

الحرب لعنة، مهما حاول البعض تجميلها. والأكثر إيلاماً أن تجنبها كان ممكناً، وأن العقدة الأساسية التي يضعها الناس سبباً للحرب كان يمكن حلها بالحوار والتفاوض، لكن الرغبات الشريرة في السلطة والتحكم فيها هي التي تجاهلت كل ذلك، وأوهمت نفسها بنصر سريع وقريب يعيد توازن القوى، ويعبد الطريق لسلطة مطلقة لسنوات قادمة. وها نحن، وبلادنا، وشعبنا، ندفع ثمن هذا الوهم.

Exit mobile version