(منتدى الدائرة التوثيقي) .. حراسة الذاكرة في وجه النسيان
عادل التجاني : نريد أن تبقى أصوات الذين صنعوا تاريخنا حيّة بين الأجيال
الدوحة – مشاوير : مجدي علي
في أزمنة الحروب والنزوح والشتات، لا تضيع الأمكنة وحدها، بل تتبدّد معها الأصوات التي منحتها معناها، والوجوه التي حملت ذاكرتها. فالحروب لا تقتلع البشر من بيوتهم فحسب، وإنما تدفع بهم إلى المنافي، حاملين حقائب من المتاع، وأخرى أثقل من الذكريات. وفي هذا الرحيل القسري يتهدّد الضياع ذلك المخزون الإنساني الخفي: الحكايات، والشهادات، والذاكرة التي تختزن زمنًا كاملًا قبل أن تجد طريقها إلى الكتب.
فالإنسان لا يرحل وحده؛ أحيانًا ترحل معه مكتبة كاملة من التجارب والأسئلة.
من هذا الإحساس بدأت الحكاية.
من سؤال بسيط وعميق: لماذا نترك هذه الذاكرة تضيع؟ ولماذا نسمح لتجارب إنسانية صنعت أثرًا أن تبقى حبيسة الصدور، حتى يرحل أصحابها وتغيب معهم تفاصيل لا يمكن استعادتها؟
لم تولد فكرة (منتدى الدائرة التوثيقي) داخل مؤسسة، يقول عادل التجاني، ولم تبدأ من خطة معدّة سلفًا، بل خرجت من جلسة عادية جمعت عددًا من المثقفين والفنانين السودانيين في الدوحة. كان الحديث، كما يحدث كثيرًا في لقاءات الغربة، يعود إلى الوطن؛ إلى أشخاص صنعوا أثرًا في مجالات الثقافة والفكر والمجتمع والرياضة، وإلى أسماء تحمل في ذاكرتها سنوات طويلة من العمل والعطاء.
وبينما كانت الحكايات تنتقل بين الحاضرين، ظهر السؤال الذي أصبح لاحقًا جوهر الفكرة: ماذا لو رحل أصحاب هذه التجارب، ورحلت معهم التفاصيل التي لم تُكتب؟ لماذا تبقى كل هذه السير حبيسة المجالس الخاصة، ثم تضيع حين يغيب أصحابها؟
هنا وُلدت الفكرة؛ لا باعتبارها مشروعًا لتسجيل الماضي، بل محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الذاكرة قبل أن تُغلق أبوابها.
يستعيد الفنان والفاعل الثقافي عادل التجاني عبد الرحمن، أحد مؤسسي المنتدى، تلك اللحظة بوصفها بداية سؤال أكثر من كونها بداية مشروع؛ سؤالًا عن مصير التجارب الإنسانية التي لا تجد طريقها إلى الضوء، وعن ذلك الجزء الخفي من حياة الناس الذي لا يظهر في السير المختصرة أو الأخبار العابرة.
وعادل التجاني ليس غريبًا عن فضاء العمل الثقافي السوداني في السودان والدوحة؛ فقد ارتبط اسمه، قبل أن يُعرف فنانًا مجيدًا، بمبادرات هدفت إلى خلق مساحات للحوار والتواصل بين السودانيين، من بينها تجربة (منتدى الحروف) التي شكّلت فضاءً للقاء الثقافي والاجتماعي في السودان ثم في الدوحة.
ومن هذا الانشغال المستمر بالإنسان والثقافة والذاكرة جاءت فكرة (منتدى الدائرة التوثيقي) امتدادًا طبيعيًا لرغبة أعمق: أن تُمنح التجارب التي صنعت أثرًا فرصة لأن تُروى.
يقول عادل لـ(مشاوير) إن البذرة الأولى للفكرة نبتت من أحاديث عن شخصيات سودانية تركت أثرًا في المكان؛ شخصيات عاش بعضها في قطر سنوات طويلة، وجاء بعضها الآخر إليها محمولًا على وجع النزوح بعد الحرب. حمل هؤلاء في ذاكرتهم مدنًا وتجارب وعلاقات وحكايات كاملة، غير أن كثيرًا من هذا الإرث الإنساني ظل في الظل، ينتظر من يصغي إليه قبل أن تأخذه الأيام بعيدًا.
لم يكن السؤال عن غياب الأسماء، بل عن غياب الحكايات التي تقف خلفها؛ عن الإنسان خلف الوظيفة، والتجربة خلف اللقب، والذاكرة خلف الحدث. فالتوثيق، في فلسفة المنتدى، ليس مجرد جمع للمعلومات أو تسجيل للوقائع، بل محاولة لاستعادة الإنسان في سياقه الكامل؛ كيف عاش، وماذا رأى، وماذا واجه، وما الأثر الذي تركه في المكان والناس.
لهذا لم يكن الضيف، في نظر المنتدى، مجرد راوٍ لسيرته، بل شاهدًا على زمن كامل؛ فالإنسان لا يعيش منفصلًا عن عصره، وما يقوله عن تجربته الخاصة قد يصبح شهادة على تحوّلات مجتمع بأكمله، وعلى تفاصيل مرحلة لا تحفظها الكتب بقدر ما تختزنها ذاكرة أصحابها.
ومن هذا الإيمان وُلد المنتدى. ويحكي عادل التجاني أن سبعة أعضاء اجتمعوا حول فكرة أن الذاكرة مسؤولية جماعية، واتفقوا منذ البداية على ألا يكون له رئيس. وربما تكمن هنا إحدى أجمل دلالات التجربة؛ فعادل التجاني، رغم أنه صاحب الشرارة الأولى للفكرة، يرفض أن تُختزل المبادرة في اسمه، ويصر على أن يقدّم نفسه واحدًا من المؤسسين لا مالكًا للمشروع. فهو يرى أن مشاريع الذاكرة لا تُبنى حول الأشخاص، بل حول ما يستحق أن يبقى.
وفي هذا التواضع معنى عميق؛ فحارس الذاكرة لا ينبغي أن يحجب الذاكرة نفسها، والأهم ليس من أطلق السؤال، بل الأصوات التي وجدت طريقها إلى النور بعد سنوات من الصمت.
ومن هذه الروح الجماعية تشكّلت الدائرة؛ مساحة التقت فيها الخبرات والرؤى حول الإنسان والحكاية. وشارك في بناء هذه التجربة الفنان والمخرج الرشيد أحمد عيسى، والمصور والمخرج شادي، والفنان مالك جعفر، إلى جانب آخرين آمنوا بأن حفظ الذاكرة لا يصنعه فرد، بل أصوات تتكامل لتمنح الحكايات فرصة البقاء.
يعمل الجميع شركاء في اختيار الضيوف وإعداد الحلقات وصناعة هذا الأرشيف المفتوح؛ فالغاية ليست صناعة نجوم، وإنما إنصاف أولئك الذين قدّموا الكثير وظلوا بعيدين عن الضوء.
ومن هنا جاءت تسمية (الدائرة). ففي البداية كان التصور أن يجلس الأعضاء السبعة حول الضيف في دائرة كاملة، في استعادة لروح سودانية قديمة تقوم على السمر والحكي وتبادل المعرفة. لكن التجربة قادتهم إلى مراجعة الفكرة؛ إذ اكتشفوا أن التوثيق العميق لا يحتاج إلى كثرة المحاورين، بقدر حاجته إلى أسئلة تنبع من معرفة حقيقية بتجربة الضيف وعالمه.
يؤكد عادل التجاني أن الفنان يحتاج إلى من يفهم لغة الفن وتفاصيلها، والطبيب إلى من يدرك طبيعة مجاله، والرياضي إلى من يعرف مسيرته ومحطاتها. فالسؤال ليس مجرد أداة للاستفهام، بل مفتاح يفتح الأبواب المغلقة في الذاكرة. وهكذا تحولت الدائرة من شكل هندسي إلى معنى؛ دائرة تجمع المعرفة والخبرة والاحترام والإصغاء.
خلال فترة قصيرة، أنجز المنتدى خمس حلقات توثيقية بدأت بالموسيقار محمد آدم المنصوري، ثم الكاتب والصحفي الساخر جعفر عباس، والمسرحي محمد السني دفع الله، والسفير إبراهيم فقيري، قبل الوصول إلى الفنان والمخرج المسرحي الرشيد أحمد عيسى.
وكانت حلقة الرشيد أحمد عيسى هي التي قادتني إلى الاقتراب من هذه التجربة. فقد تلقيت دعوة لحضور الجلسة التي قدّم فيها الرشيد ومحاوره بدر الدين صالح شهادة توثيقية ثرية، سنعود إليها بالتفصيل لاحقًا. ولم يكن ما شدّني اسم الضيف وحده، بل الفكرة التي تقف خلف اللقاء: محاولة مقاومة النسيان، ومنح الذاكرة السودانية مساحة لتتكلّم.
خرجت من الجلسة بأسئلة أكبر من حدود اللقاء نفسه؛ عن فلسفة المنتدى، وعن أولئك الذين يعملون بهدوء لصناعة أرشيف إنساني للسودانيين.
يرى عادل التجاني أن قيمة الشخصية لا تُقاس بشهرتها فقط، بل بما تحمله من تجربة. فهناك معلمون، وأطباء، وفنانون، وإعلاميون، ورياضيون، ودبلوماسيون صنعوا أثرًا حقيقيًا، حتى لو لم تتصدر أسماؤهم المشهد.
وفي ظل الحرب التي أربكت المؤسسات الإعلامية السودانية، اختار المنتدى ألا ينتظر عودة المنابر التقليدية، بل أن يصنع فضاءه الخاص، فأنشأ منصاته الرقمية، وبدأ نشر الحلقات عبر (يوتيوب) ووسائل التواصل الاجتماعي. فالزمن، كما يقول عادل، ليس محايدًا؛ وكل تأخير قد يعني فقدان تفاصيل جديدة، لذلك كان القرار أن تُحفظ الحكايات أولًا، ثم تبحث عن أوسع طرق الوصول.
ويؤكد عادل أن المادة ليست ملكًا للمنتدى، بل جزء من ذاكرة السودانيين جميعًا؛ فكل دعم مرحب به، لكن الغاية النهائية أن تصل الشهادات إلى أكبر عدد ممكن من الناس.
ورغم محدودية الإمكانات، وجد المشروع دعمًا من مؤمنين بالفكرة، ويخص عادل بالذكر د. أسامة حمّور، الذي وضع معدات التصوير والتسجيل تحت تصرف المنتدى، لتصبح أساس العمل الفني للحلقات. ويؤكد عادل أن القيمة ليست في ضخامة الإنتاج، بل في صدق الحكاية، وفي توفير الجو الذي يسمح للذاكرة بأن تستعيد هدوءها.
أما المستقبل، فيراه عادل مفتوحًا على مساحات واسعة؛ فالسودان غني بسير المبدعين في كل المجالات، وما تحقق ليس سوى بداية لأرشيف طويل.
كما يطمح المنتدى إلى تحويل هذه الحوارات المصورة إلى نصوص مكتوبة؛ فالصورة تحفظ الصوت والمشهد، لكن الكتابة تمنح الذاكرة شكلًا أكثر بقاءً، وتتيح للباحثين والمهتمين مادة قابلة للقراءة والرجوع والدراسة. وفي هذا الاتجاه يعمل المنتدى بالتنسيق مع منصة (مشاوير نيوز) لتكون نافذة لهذا التوثيق المكتوب، وجسرًا تعبر من خلاله الحكايات من لحظة التسجيل إلى فضاء أوسع من الحفظ والتداول.
ربما تكمن القيمة الأعمق لمنتدى (الدائرة التوثيقي) في أنه لا يحفظ سير الأشخاص فقط، بل يحفظ معنى الوفاء نفسه؛ الوفاء لأولئك الذين صنعوا شيئًا في صمت، ثم كاد الزمن أن يطوي حكاياتهم.
في زمن تتسارع فيه الأخبار، وتختفي فيه الذاكرة تحت كثافة الأحداث، يختار المنتدى أن يتوقف عند الإنسان؛ أن يمنحه الوقت ليحكي، والمساحة ليُسمع صوته. فالتاريخ لا يُكتب بالأحداث وحدها، بل بالأصوات التي عاشت تلك الأحداث، وبالذاكرة التي ترفض أن تنهزم أمام النسيان.