مقالات

أنس محمد أحمد يفكر خارج الصندوق ويغرد داخل السرب

محمد عبد الماجد

لا خلاف في أن التغيير سنة الحياة، وأن الأشياء متغيرة بطبيعتها، بما في ذلك الثوابت، إذا حاولنا أن نكون ضد ذلك فسوف نكون ضد الحياة، والمنصب أو الوظيفة لها أجل، “لو دامت لغيرك لما آلت إليك”.. في حياتي أحرص على النهايات أكثر من حرصي على البدايات.. مع ذلك ما زالت تغلبني الحسرة عندما أرى نهايات النجاحات من أجل بدايات جديدة لا تخلو من المخاطر، لكن يبقى في التغيير فرصة لآخرين ليقدموا أنفسهم وليكتسبوا شيئًا من الخبرات ولنضيف إلى أرصدة تجاربنا أسماء جديدة… كما أؤمن أن المناصب والوظائف أرزاق وأقدار مكتوبة ولكل منصب كتاب، بما في ذلك الرئيس والوزير.

من نعم الله علينا أن البشر لا يحددون عمرك ولا رزقك، وإن اجتمعوا لينفعوك أو ليضروك فلن يفعلوا نفعًا أو ضرًا إلا ما كتبه الله عليك؛ فلا ترهق نفسك في إرضاء أحد لا يملك أن يضرك بمثقال ذرة شرًا أو ينفعك بمثقال ذرة خيرًا.

لكن هنالك الكثير من المؤسسات والأندية في العالم بقي فيها بعض من تميزوا في مناصبهم لسنوات طويلة قد تصل إلى ثلاثين عامًا، وكفى هنا أن نقول إن الكابتن سمير عدلي قضى ما يقرب من 50 عامًا في العمل الإداري الرياضي، متنقلًا بين النادي الأهلي ومنتخب مصر الأول، ومع أن سمير عدلي عمره الآن 81 عامًا إلا أنه ما زال هو الذي يسبق بعثة الأهلي في كل سفرياتها الخارجية والداخلية من أجل الترتيب للفريق وحجز الفنادق والملاعب قبل وصول البعثة، وهذا أمر يبدو أن الشباب فيه هم الأقدر، ولكن المصريين يحترمون الخبرات.

وهنالك أمثلة كثيرة حتى على مستوى أندية عالمية في أوروبا أو على مستوى مؤسسات سيادية وبيوت رئاسية مثل الكونغرس الأمريكي والبيت الأبيض.

هنالك أسماء إذا تحدثنا على مستوى الهلال حققت نجاحات كبيرة في المناصب التي شغلتها وبقيت علامة في تلك المراكز بصورة عامة، لا يستطيع أن يتجاوزها الزمن.

مهيار الطيب شخصية تمتلك من الخبرات والقدرات والإمكانيات ما يجعلني أتعجب من التفريط فيه أو من بقائه بعيدًا عن الهلال، وكذلك عبد المهيمن الأمين باعتباره أشهر أو أميز مدير كرة قدم في تاريخ كرة القدم السودانية، ويمكننا أن أقول بثقة وعن معرفة تامة إن المنسق الإعلامي أنس محمد أحمد يبقى من أميز الذين شغلوا هذا المنصب في تاريخ المنصب في الهلال أو في غيره في السودان، ومن باب الإنصاف والعدل أن نشهد له بذلك وأن نشكر صنعه ونذكر نجاحاته وهو يلملم حقائبه للرحيل من المنصب بعد أن أعلن الهلال عن فتح باب التقديم للمنصب، ومع أن الخطوة ديمقراطية في الهلال وفيها إنصاف للمتقدمين والراغبين لشغل المنصب، إلا أني أرى أن قياس الجودة والكفاءة في مثل هذه الوظائف يبقى صعبًا إن لم يتم الاختيار بعناية فائقة وبمعايير دقيقة ليس من بينها الاشتراطات العامة التي وضعها مجلس الهلال في التقديم للمنصب، أرجو أن تكون اختيارات اللجنة المناط بها ذلك دقيقة وفيها مقاييس أخرى تتعلق بالإمكانيات الشخصية والتي من الصعب تحديدها أو اكتشافها من خلال استمارات التقديم أو عن طريق لجنة المعاينة.

أنظر إلى النجاحات في مثل هذه المناصب بمعيارين: الأول يتعلق بالأخلاق، والثاني بالشطارة والموهبة، يعني من يشغل مثل هذه المناصب لا بد أن يكون عنده أخلاق وعنده موهبة، طبعًا إلى جانب الاشتراطات الأخرى المتعلقة بطبيعة المنصب، من مؤهلات لها علاقة بالشهادات والأكاديميات والتقنيات والخبرات.

أعود إلى أنس محمد أحمد وأقول: بطبيعة الناس هنالك شيء من الحسد والحقد على الناجحين، وهنالك من كان يطمع في المنصب أو يرى أنه كفء له أكثر من الذي يشغله، لذلك كانوا ينتقدون أنس ويهاجمونه وينتظرون أخطاء تقع منا جميعًا في كل المناصب للهجوم على أنس وتضخيم تلك الأخطاء أو الهفوات الصغيرة، لكن إجمالًا فقد عرفت في أنس الهدوء والحكمة والأمانة وهو يشغل هذا المنصب، حافظ على أسرار الهلال في وقت الأزمات، وكان بين اللاعبين في معسكرات الهلال وفي غرفهم المغلقة واحدًا منهم، وأخًا لهم، جمعته علاقات ممتازة معهم، وكان قريبًا منهم في أزماتهم الخاصة ومشاكلهم العامة قبل أن يكون قريبًا منهم في توهجهم ونجوميتهم.. رافقهم في بيوتهم، قبل مرافقته لهم في ميادينهم.

رافقت الهلال في بعثات كثيرة ووجدت أنس في أصعب الأوقات ومع كل الضغوط هادئًا يتحرك بين الجميع بهدوء وكياسة، ولا ينقل أو يسرب إلا ما يخرج بصورة رسمية من الهلال وينشر على الصفحة الرسمية للنادي، أعرف كثيرين في مناصب مختلفة يسربون بعض الأخبار التي ترفع من قدرهم أو تقوي وتدعم علاقاتهم بالآخرين؛ أنس محمد أحمد حتى صفحته الخاصة في “فيسبوك” كانت بعيدة عن الهلال.

أنس كان يفكر خارج الصندوق ويغرد داخل السرب، هذه أبسط عبارة يمكن أن تنصفه بل توصفه كما هو أنس الذي نعرف.

بعض الذين شغلوا مناصب حساسة في الهلال أعرف من كان منهم يسرب بعض المعلومات لتشكيل رأي عام عن إداري أو مدرب أو لاعب، أنا نفسي كانت تسرب لي معلومات وأخبار عن آخرين لا أتعامل معها وإن كانت حقيقية لأنها تسرب في إطار المكايدات والأجندة الخاصة؛ الثلاثي مهيار الطيب، وعبد المهيمن الأمين، وأنس محمد أحمد كانوا دائمًا لا يخرج منهم إلا كل جميل، وكانوا في ظهر اللاعبين والمدرب وهي العناصر المعرضة دائمًا للنقد والهجوم، وهي التي تقدم كضحية وكبش فداء عند الهزيمة والنكسة.

أنس محمد أحمد كان يتمهل عندما يستوجب الأمر التأني، ويتعجل عندما يستوجب العجلة، حاضرًا بمعلوماته عند الحدث؛ أدار صفحة الهلال في “فيسبوك” باقتدار وبأقل الإمكانيات والأدوات، وعرف كيف يتعامل مع أمزجة مختلفة وأهواء متعددة، فهنالك من يطلب الشدة وهنالك من يريدها صفحة تحكمها الدبلوماسية والمهنية، علمًا أن الجمهور الرياضي في العادة يبحث عن الحد الأقصى بسبب الانتماء والهوى.. نجح أنس في تقديم مادة محترمة ومهنية في ظل اختلافات وصراعات قد تكون حتى بين أعضاء مجلس الإدارة أنفسهم… هنالك من يريد أن ينشر أخباره وهنالك من يريد أن لا تغيب صورته عن الموقع حتى وإن كان ليس هنالك حدث له علاقة بصورته، هو يريد أن ينشر صورته على طريقة الصحفيين وكتاب الأعمدة في الصحف الذين كانوا عندما يعجزون عن كتابة العمود ولا يجدون موضوعًا يكتبون فيه يضعون صورتهم بشكل أكبر ويكتبون “يحتجب لأسباب فنية”، وقد كان غيابهم أنفع من حضورهم، لذلك كانت صحفهم يرتفع توزيعها عندما يحتجبون.

نتمنى التوفيق لأنس محمد أحمد في رحلته القادمة، ونتمنى كذلك لمجلس الهلال أن يحسن اختيار الخلف، فهو في مهمة صعبة بعد رحيل أنس، هنالك أسماء جيدة تقدمت في السباق على الفوز بالمنصب، نتمنى التوفيق للجميع، لا نريد أن نتحدث عن أسماء أو نزكي اسمًا على حساب الآخر من أجل روح التنافس وعدالة المنافسة، نعشم أن يكون الاختيار للأصلح وإن كان أغلبهم متميزًا، غير أن الذي نشدد عليه هو أن يدعم المركز الإعلامي في الهلال بعدد من الصحفيين والتقنيين والمختصين في عمليات الإنتاج المختلفة للمحتوى؛ لأن المركز الإعلامي للنادي أصبح هو الذي يعبر عن النادي ويقدم محتوياته أو يصنعها على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وهذا شيء يستوجب أن يدعم المركز بتقنيين ومختصين في صناعة المحتوى، الأمر ليس فقط مجرد إعلام، الأمر تعدى ذلك إلى صناعة محتوى؛ الجميل أن المهندس عمار الزبير خبير في هذا المجال، فقط نتمنى أن لا يكون إبعاد أنس محمد أحمد كان من أجل تغيير المحتوى المحترم الذي كان يشرف على إخراجه أنس محمد أحمد باقتدار واحترام.

أمقت الأجندة الخاصة، حتى في الأعمال النبيلة أو التي تبدو للناس كذلك.

محمد عبد الماجد

لو بنختار نتائجنا لما اخترنا أفضل من هذه النتيجة

لا أريد أن أجمّل الهزيمة، ولا أبحث عن مبررات أو أعذار، فقد خسر الهلال، وعلينا أن نتذوق مرارة الهزيمة، وقد كان رايون سبورت مستحقاً للفوز، والحقيقة أننا كنا نحتاج لهذه الخسارة، ولو بنختار نتائج مباريات الهلال لما اخترنا أفضل من تلك النتيجة إن كنا نبحث عن الفوائد الحقيقية من المباراة، وهي حسابياً لا تعني شيئاً، حتى التأهل لنصف النهائي لم تحرمنا منه، كما أنها فتحت عيوننا لبعض الأخطاء.

نحن في العادة الانتصارات تجعلنا لا نرى، ونسرف في الغزل الذي قد يكون مضراً، لذلك فإن الهزيمة أمام رايون سبورت كانت في وقتها، ولا يفوت علينا أن الأندية الكبيرة في الغالب تخسر في فترة الإعداد، فريال مدريد تعادل اليوم أمام فيورنتينا الإيطالي رغم تسجيلات ريال مدريد الممتازة وفي وجود مورينيو بعد أن كان الريال متقدماً بهدفين دون مقابل، وأمس تعادل برشلونة أمام برمنغهام وخسر البارسا بالضربات الترجيحية.

الهلال في الموسم السابق قدم موسماً متميزاً بعد أن تعادل في بطولة سيكافا أمام مقديشو سيتي الصومالي والأهلي مدني.. ثم خسر في النهائي أمام سينغيدا التنزاني، كنا نحتاج من بطولة سيكافا في هذا الموسم إلى مثل هذه التجارب وقد وجدناها.

الخسارة أمام رايون سبورت تعني عندي الفوز ببطولة سيكافا، هي مؤشر بالنسبة لي جيد نحو اللقب، في معظم البطولات الخسارة في مرحلة المجموعات أفضل من الخسارة في الأدوار الإقصائية، والأندية والمنتخبات التى تخسر في مرحلة المجموعات دائماً تحقق البطولة، ومن جهة أخرى فإن مواجهة قورماهيا الكيني للهلال بعد خسارة اليوم أفضل من مواجهة الجاموس الجنوب سوداني بنشوة الصدارة، والذي يمكن أن يواجهه الهلال في النهائي إذا تأهل الهلال وتأهل الجاموس، أو نواجه مرة أخرى فريق رايون سبورت وهو الأقرب للنهائي بحكم الأرض والجمهور، وعندها سوف يكون عندنا دافع الثأر منه.

المريخاب كانوا يتحدثون عن شراء الهلال لبطولة سيكافا، وأكيد بعد خسارة اليوم ينسون كلامهم هذا ويحدثوننا عن خسارة الهلال، ويسخرون منها، وهي خسارة تؤكد للجميع أن الهلال يحقق بطولاته من الملعب، وأن الهلال لا يلعب في المكاتب، وإلا ما خسر اليوم وهو أحد رعاة البطولة.

وفي كل الأحوال علينا الاستفادة من الخسارة ومراجعة الأخطاء، فهنالك انخفاض كبير في مستوى الأطراف الدفاعية: “إيبولا وقمرديني ولوزولو وبتروييس”، كذلك على الجميع أن يضع في الاعتبار أن مباراة اليوم غاب عنها “بوغبا وصلاح عادل والغربال” وشارك “صنداي وفولمو وقودوين وسليم وهامان ويارا وسامورا” وخسر الهلال، طبعاً كثيرون سوف يتجهون إلى ديوف ليجعلوه السبب الأساسي في الخسارة ـ إذا لم نتجاوز هذه العقلية لن نمضي إلى الأمام ـ التغيير الكبير في التشكيلة أمر خطير، لا بد أن تكون مشاركة النجوم الجدد تدريجياً رغم تميزهم.. غياب الانسجام والتفاهم يؤدي إلى مثل هذه الخسائر، لكن تبقى مشاركتهم في بطولة إعدادية للهلال ضرورية حتى يكتسبوا التجانس ويدخلوا في المجموعة.. علينا أن نتقبل الثمن ونرضى به.

هذه الأسماء في حاجة إلى كرشوم وبوغبا وصلاح عادل والغربال، أي تشكيلة تبعد هذه الأسماء سوف يكون الهلال في خطر، خاصة في المواجهات الكبيرة، لا تحرقوا تلك المواهب والدرر التي يمتلكها الهلال وتفتقد فقط للخبرات وللتجانس وفورمة المباريات التي تُكتسب تدريجياً، ونحن لسنا ضد مشاركتها في مثل هذه التجارب، لكن علينا أن نتقبل النتائج إذا أردنا أن نحقق المكاسب لاحقاً.

وسط الهلال مع الأسماء الجديدة إذا غاب منه بوغبا يجب ألا يغيب صلاح عادل والعكس صحيح.. وفي الدفاع وجود كرشوم مهم، كما أن الغربال ضروري مع الأسماء الصغيرة التي تقود هجوم الهلال.

لا بد من توازن يجمع بين الخبرات والمواهب الشابة في تشكيلة الهلال… الخبرات وحدها غير مجدية، والمواهب وحدها أيضاً غير مجدية.

مدرب الهلال غاي بوكاسا يجتهد من أجل أن يمنح الفرصة للجميع، واضح أنه وضع مباراة اليوم للتجريب وهذا أمر كانت تسمح به مباراة اليوم لأن نتيجتها لا تؤثر بشكل كبير في موقف الهلال.

مرة أخرى أتفق مع الدكتور أحمد الصديق أحمد البشير وأقول إن الخسارة اليوم منحتني الثقة في الفوز بالبطولة التي أصبح أمر الفوز بها مسألة وقت.

في مثل هذه الهزائم دائماً أقول للهلال: مبروك الهزيمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع