قالوا: «دور بينا البلد دا»، من هذه الجملة القصيرة بدأ «البابور جاز» رحلته، لتبدأ معه خريطة أخرى للسودان؛ خارطة لا ترسمها الفرشاة والألوان، وإنما تحفظها الذاكرة في لحن فوّار، يقول: «أحرق الجازولين يا البابور جاز».
ويمضي القطار، وتتوالى الأسماء: تسني، المقرن، أتني، سنار. أسماء تبدو في الأغنية كأنها عابرة سبيل، لكنها ليست عابرة تمامًا على الأرض.
فكل اسم منها أثرٌ لمكان، وكل مكان كان يمثل ذاكرة حيّة في سالف الوقت والأوان.
هكذا مشت الأغنية في ردهات المطارات، وصالات المقاهي، وشوارع المدن، إلى أن بلغت بنا سنار، لتفاجئنا بإعلان أن: «في سنار انكسر مسمار».
هي حادثة صغيرة، ربما، لكنها تركت وراءها ظلًا طويلًا امتد إلى يومنا هذا.
على أيّة حال، سنار ليست مجرد محطة في أغنية؛ إنها إحدى عُقد الذاكرة السودانية.
هي عاصمة السلطنة الزرقاء، التي عادت بعد قرون في قصيدة محمد عبد الحي «العودة إلى سنار»، بوصفها أكثر من جغرافيا: عودة إلى أصل، واستدعاء للماضي في بحث عن مستقبل لا يزال مختلفًا عليه حول الهوية.
قبل أن تعود سنار، في زمن هذه الحرب، تارةً أخرى، إلى قلب الجغرافيا المشتعلة بالحريق، وكأن لسان حالها قد قال، حين حصارها: «أريتو لو طار بي يا البابور جاز».
المهم، لا يعني ذلك أن الأغنية تنبأت بما سيأتي، لكنها فعلت شيئًا أكثر غموضًا: لقد حفظت الاسم، إلى أن جاء التاريخ وأعاد معناه.
إلى درجة أن صوت مسمار ضئيل الحجم، وهو ينكسر، كان يستحق الإصغاء لكل هذا الضجيج المستمر.
إنه شيء صغير ينكسر في آلة كبيرة، لتتوقف الرحلة كلها عنده أو بسببه.
كأن الأغنية، في طرف خفي من العبارة، تعرف أن الخراب لا يبدأ دائمًا بانهيار الأشياء؛ قد يبدأ من انفصال مسمار صغير عن آلته.
ثم ننتقل إلى أغنية أخرى: «يوم بيوم نبيع الكمبا.. في كفيا كنجي».
هنا أيضًا تحفظ الأغنية اسمًا جغرافيًا منسيًا في الذاكرة المعاصرة: كفيا كنجي، تلك المنطقة عند التخوم المتصلة بدارفور وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى، حيث تداخلت قديمًا مسالك التجارة والسكان والحدود.
وتأتي تنجانيقا في رواية أخرى للنص ذاته، ثم «بلاد أجدادي».
إنه توارد غريب، تبدو مفرداته كأنها بقايا صورة تمزقت إربًا إربًا: محصول، مكان، قارة، أجداد.
وربما لهذا تبدو بعض كلمات أغاني القعدات الحميمة غامضة إلى اليوم؛ ليس لأنها بلا معنى، وإنما لأن العالم الخاص الذي كان يمنحها الدفء قد غاب في نهاية المطاف.
مات السوق، فبقي اسمه في أغنية، وانقطع الطريق، فظلت محطته، وتبدلت الخريطة، لكن بقيت منها فتافيت، ذرات عابرة.
إذن، فإن الأغنية يمكن أن تحفظ ما تنساه الجغرافيا.
ومن هنا يمكن فهم قيمة المنقّبين في ذاكرة الغناء القديم؛ إذ لم يكونوا يجمعون ألحانًا فقط، بل كانوا يلتقطون بقايا السودان الصوتية؛ أهازيجه، وأغاني الحصاد، وترانيم العمل، وأسماء أمكنته، وإيقاعات جماعاته.
كانوا، من حيث لا ندري، يحفظون أرشيفًا لا تكتبه الوثائق.
فالوثيقة تسجل ما أراد عصرٌ أن يدوّنه؛ أما الأغنية فتحفظ أحيانًا ما مرّ به الناس، دون أن يظنوا أنه سيحتاج يومًا إلى تفسير.
ولهذا لا بد أن أعود مرة أخرى إلى عتبتنا الأولى: «دور بينا البلد دا»، وكأن «الدوران» بحد ذاته أعمق من حريق الجازولين بجوف تلك الآلة القديمة؛ إنه ضرب من دوران الذاكرة أيضًا حول نفسها.
من تسني إلى المقرن، ومن أتني إلى سنار، ومن الكمبا إلى كفيا كنجي؛ أسماء تتحرك في الغناء، قبل أن يسكنها التاريخ، ثم يوقظها من سبات.
فالأغنية ليست ذاكرة الماضي فحسب؛ إنها قد تبدو أحيانًا ذاكرة مدمجة لحياة الأرض والإنسان.
لا تتنبأ بالمستقبل، لكنها ربما تترك فيه علامات وبصمات ذات دلالة.
ولذلك، حين نستمع إليها بعد عقود، لا نسمع الصوت القديم وحده؛ قد نسمع كذلك دبيب الحياة في أمكنة نسيها الزمن، وهي تحاول استعادة ألق وبريق أسمائها الآن.
ولذلك أقول: دور بنا، أيها البابور جاز.. إذ ربما كان السودان الذي نبحث عنه اليوم قد مرّ بنا ذات أغنية، ولم نأبه له.