(مرسى فاطمة) لحجّي جابر على طاولة النقاش بمكتبة كتارا للرواية العربية
الدوحة - مشاوير : مجدي علي
في أمسية احتفت بالرواية بوصفها فضاءً للأسئلة الكبرى، ومنبرًا للتأمّل في قضايا الإنسان والهوية والمنفى، احتضنت مكتبة كتارا للرواية العربية، مساء الأحد 2 أغسطس 2026، جلسة ثقافية نظّمتها مجموعة (سوا) للقراءة، خُصّصت لمناقشة رواية (مرسى فاطمة) للروائي والصحفي الإريتري حجّي جابر، وسط حضور نوعي ضم نخبة من الأدباء والكتاب والمثقفين والمهتمين بالشأن السردي، إلى جانب رئيسة رابطة المرأة السودانية (سوا) د.حياة خوجلي، وأعضاء من الروابط المهنية، وعدد من عضوات المكتب التنفيذي للرابطة.
وافتتحت الجلسة هند باشاب بكلمة رحّبت فيها بالحضور، وأكّدة أهمية استمرار مثل هذه اللقاءات الثقافية التي تجعل من القراءة فعلًا جماعيًا، وتتيح مساحة للحوار المباشر بين الكاتب والقارئ، كما ثمّنت الشراكة مع مكتبة كتارا للرواية العربية، التي باتت تشكّل إحدى أهم المنصات الثقافية المتخصّصة في دعم السرد العربي واستضافة روائييه ونقاده.
وأدار الأمسية الروائي والناقد منهل حكر الدور، الذي قاد حوارًا معمقًا مع حجّي جابر، متناولًا البنية الفنية للرواية، ورهاناتها الجمالية والفكرية، وطريقة اشتغالها على ثيمات اللجوء والمنفى والبحث عن الذات، كما توقف عند الشخصيات ومساراتها، والرموز التي تتخلّل النص، واللغة التي تمزج بين الاقتصاد التعبيري والشاعرية، بما يمنح الرواية أفقًا يتجاوز الحكاية إلى مساءلة الإنسان في علاقته بالمكان والذاكرة.
وشهدت الجلسة تفاعلًا كبيرًا من الحضور، الذين شاركوا بأسئلة ومداخلات تناولت القضايا التي تثيرها الرواية، وكيف استطاع الكاتب أن يحوّل التجربة الفردية إلى سؤال إنساني مفتوح، يجعل من الوطن أكثر من جغرافيا، ومن المنفى أكثر من انتقال مكاني، ليصبحا حالتين وجوديتين تتداخل فيهما الذاكرة مع الأمل، والخسارة مع الرغبة الدائمة في العثور على معنى للحياة.
وتأتي (مرسى فاطمة (امتدادًا للمشروع الروائي الذي يشتغل عليه حجّي جابر منذ سنوات، وهو مشروع ينطلق من الإنسان في منطقة القرن الإفريقي، وما يحيط به من تحوّلات سياسية واجتماعية وثقافية، دون أن يقع في فخ التوثيق المباشر أو الخطاب السياسي. فالرواية لا تكتفي بسرد حكاية اللجوء والهجرة، بل تذهب إلى ما هو أبعد، حيث تستكشف أثر الاقتلاع على الروح، وتطرح أسئلة الهوية والانتماء والذاكرة، وتبحث عن معنى الوطن في حياة أشخاص يجدون أنفسهم معلقين بين مكان غادروه، وآخر لم يصبح وطنًا كاملًا بعد.
ويعتمد حجّي جابر في الرواية على بناء سردي متماسك، ولغة شفافة مشبّعة بالإيحاء، تتجاور فيها التفاصيل اليومية مع التأمّلات الوجودية، فتغدو الشخصيات مرايا لتجارب إنسانية أوسع، بينما يتحوّل البحر، والمرسى، والرحلة، إلى رموز مفتوحة تحتمل أكثر من قراءة، وتكشف عن القلق الإنساني في مواجهة الفقد، والرغبة الدائمة في النجاة.
ويُعد حجّي جابر أحد أبرز الأصوات الروائية العربية التي انطلقت من الهامش الجغرافي لتحتل مكانة متقدمة في المشهد السردي العربي. وهو روائي وصحفي إريتري يقيم في دولة قطر، واستطاع خلال سنوات قليلة أن يرسّخ مشروعًا روائيًا واضح الملامح، يقوم على استعادة التاريخ المنسي، وقراءة الواقع من خلال مصائر البشر، لا عبر الأحداث السياسية وحدها.
وصدرت له عدة أعمال روائية، من بينها (سمراويت)، و (رغوة سوداء)، و(لعبة المغزل)، وقد لاقت أعماله اهتمامًا واسعًا لدى النقاد والقراء، لما تتميّز به من قدرة على الجمع بين البعد الإنساني والبعد الجمالي، فضلًا عن انفتاحها على أسئلة الهوية والهجرة والذاكرة، وهي القضايا التي أصبحت تشكّل محورًا أساسيًا في الأدب العربي المعاصر.
كما حصد الكاتب عددًا من الجوائز الأدبية، أبرزها جائزة كتارا للرواية العربية، ووصلت بعض أعماله إلى القوائم الطويلة والقصيرة لجوائز عربية مرموقة، فضلًا عن ترجمة عدد من نصوصه إلى لغات أجنبية، الأمر الذي أسهم في التعريف بتجربته خارج الفضاء العربي، وجعلها واحدة من التجارب التي تستقطب اهتمام الدارسين والنقاد.
وخلال الأمسية، تحدث حجّي جابر عن تجربته في الكتابة، مؤكّدًا أن الرواية بالنسبة إليه ليست مجرد حكاية، وإنما وسيلة لفهم الإنسان، واستعادة الأصوات التي غالبًا ما تبقى خارج السرديات الكبرى. وأشار إلى أن قضايا المنفى والهوية لا تنتمي إلى شعب بعينه، بل أصبحت جزءًا من التجربة الإنسانية المعاصرة، وهو ما يدفعه إلى الكتابة عن الإنسان قبل أي شيء آخر، بوصفه الكائن الأكثر هشاشة في مواجهة التحولات الكبرى.
وأكّد المشاركون أن أعمال حجّي جابر استطاعت أن تمنح الأدب الإريتري والعربي مساحة جديدة للحضور، عبر نصوص تتجاوز حدود المكان، وتطرح أسئلة كونية عن الحرية، والانتماء، والعدالة، والذاكرة، وهو ما جعل رواياته تحظى باهتمام نقدي متزايد، وتفتح بابًا واسعًا أمام القراءات المختلفة.
وتواصل مجموعة (سوا) للقراءة، من خلال برنامجها الشهري، تنظيم لقاءات تناقش أبرز الإصدارات الأدبية العربية والعالمية، في إطار رؤيتها الرامية إلى ترسيخ ثقافة القراءة، وتعزيز الحوار الثقافي بين أفراد المجتمع، وإتاحة الفرصة أمام القراء للقاء المؤلفين ومناقشة تجاربهم الفكرية والإبداعية.
أما مكتبة كتارا للرواية العربية، فقد رسخت حضورها خلال السنوات الأخيرة بوصفها واحدة من أبرز المنصات الثقافية المتخصّصة في الرواية العربية، من خلال احتضانها للندوات والملتقيات وحفلات التوقيع والحوارات المفتوحة، بما يسهم في تنشيط الحركة الأدبية، وتعزيز مكانة الرواية بوصفها أحد أهم الفنون القادرة على مساءلة الواقع، واستشراف تحولات الإنسان والمجتمع.
الأمسية أكّدت قولًا وفعلًا وتجاوبًا أن الرواية لم تعد مجرد عمل أدبي يُقرأ في عزلة، وإنما أصبحت مساحة للحوار وتبادل الرؤى، وأن اللقاء المباشر بين الكاتب وقرائه يفتح آفاقًا جديدة لفهم النص، ويمنح العمل الأدبي حياة أخرى تتجدّد مع كل قراءة، وكل نقاش، وكل سؤال يثيره في وجدان المتلقي.