غابات السودان تدفع ثمن رغيف الخبز

مشاوير - تقرير: إشراقة علي عبد الله 

لا تزال الحرب المستعرة في السودان بين الجيش وقوات “الدعم السريع” لأكثر من ثلاثة أعوام ترمي بظلالها السلبية على سبل العيش، مما دفع أصحاب المخابز إلى العودة للوراء باستحضار أدوات الماضي في استخدام الحطب كوقود بديل لإشعال الأفران التي تحولت من أفران حديثة إلى تقليدية نتيجة انقطاع التيار الكهربائي وارتفاع جنوني في أسعار الغاز، مما يشكل أخطاراً متزايدة على الغابات والقضاء على ما تبقى من الغطاء النباتي الذي أسهم في خسارة البلاد آلاف الهكتارات.

آثار الأزمة لامست تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين في الحصول على رغيف الخبز في مشهد يعكس حجم التحولات غير المسبوقة التي فرضها الصراع الدائر في البلاد، وإحجام عشرات من المخابز في العاصمة الخرطوم عن العمل وإغلاق محالهم بعد أن أصبح الإنتاج مرتبطاً باستخدام الحطب الذي يمثل الخيار الوحيد حالياً، فضلاً عن اتساع حجم الضغوطات التي تواجه المخابز بالتزامن مع ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج.

ويرى مراقبون أن التوسع في الاعتماد على الحطب يضاعف التحديات التي تواجه الغطاء الشجري في ظل عجز الدولة عن حل معضلة الطاقة، مع ضرورة وضع إجراءات صارمة تحد من القطع الجائر.

كلفة باهظة

يقول ميسرة فتح الرحمن، أحد أصحاب المخابز في ضاحية الفتيحاب بأم درمان، إن “تشغيل الأفران لضمان استمرار إنتاج الخبز في معظم مدن العاصمة بات أمراً صعباً، نظراً إلى ارتفاع كلفة التشغيل، خصوصاً في ظل أزمة الكهرباء وصعوبة الحصول على الوقود لتشغيل المولدات الكهربائية، إلى جانب موجة الغلاء الفاحش في الغاز التي تتفاقم بصورة يومية، مما دفع أصحاب المخابز في بعض المناطق إلى إغلاق محالهم والتوقف نهائياً عن مزاولة العمل، بينما فضل بعضهم الاستمرار وذلك بالعودة لأعوام مضت واللجوء إلى استخدام الحطب لتشغيل الأفران”.

وأردف فتح الرحمن “في السابق كانت جميع الأفران تعمل بالحطب في ظل توفيره من ولايتي دارفور وكردفان، ولم تكن هناك خيارات غيره على رغم استقرار الأوضاع في البلاد، ومع التطورات التي طرأت جرى تحولها من أفران تعمل بالحطب إلى أفران تعمل بالغاز والكهرباء، مما شكل استقراراً في إمداد المواطنين بالخبز، إلا أن الحرب التي اندلعت في البلاد على نحو مفاجئ قلبت موازين الحياة وغيرت تفاصيلها، وأوقفت هذا القطاع الحيوي بتدمير البنية التحتية لقطاع الكهرباء ومصفاة الجيلي، مما أدى إلى أزمة خانقة في الغاز والتيار الكهربائي”.

وأشار صاحب المخبز إلى أن “هناك مفارقات قاسية فرضها الصراع شكلت تهديداً واضحاً لأصحاب المخابز في إنتاج الخبز، في الوقت الذي لا يوجد فيه وقود غير الحطب، والغريب في الأمر أن تكون هناك آراء متباينة من المواطنين في الخبز المنتج بواسطة استخدام الحطب على رغم البطء في إشعال الفرن والكميات التي يجري إعدادها أن جودته أفضل، بينما آخرون يؤكدون أن همهم الأول توفير الخبز بغض النظر عن نوع الوقود”.

شريان الحياة

من جانبه أشار عاصم محمود العامل في أحد المخابز بمنطقة الأزهري جنوب الخرطوم، إلى أن “الخبز يعد شريان الحياة، وأن صناعته من المهن التي لا يمكن أن تندثر بأية حال مهما بلغت حجم التحديات التي تؤثر في استمراره، إذ يعد من السلع التي تدخل في بقاء الإنسان ومده بعناصر غذائية مهمة، فكلما ضاقت الخيارات وجد أصحاب المخابز حيلاً من أجل الاستمرار في الإنتاج”.

وأوضح محمود “أمارس هذه المهنة منذ أكثر من 25 عاماً من دون توقف، لم يخضع الخبز طوال تلك الفترة للتوقف على رغم وجود أزمات، إلا أن الحرب تسببت في معضلة أصبحت متجذرة بعد أن انهار قطاع الطاقة، مما أدى إلى توقفها بالكامل نتيجة النزوح، وحين العودة لا تزال تحديات التعافي ماثلة تحت وطأة أزمة الكهرباء والغاز، لذلك وجد أصحاب المخابز أنفسهم مضطرين إلى استخدام الحطب للإيفاء بحاجة المواطنين إلى الخبز”.

ومضى قائلاً “الطاقة الإنتاجية قبل الحرب كانت كاملة تغطي احتياجات المواطنين، أما اليوم نكابد للحفاظ على إنتاج متوسط يصل إلى 2000 قطعة خبز يومياً، وفي الغالب يهبط الإنتاج نتيجة قطوعات الكهرباء مع تحديد كمية محددة للمواطنين، هذه العوامل أدت إلى تحول في عمل الأفران من الحطب إلى الغاز”.

ونبه العامل إلى أن “الأزمة التي تواجه أصحاب المخابز تخطت ارتفاع أسعار الغاز والدقيق، وامتدت إلى تراجع قياسي في الإنتاج بسبب مدخلات الإنتاج في وقت يزيد الطلب بصورة أكثر اتساعاً عقب عودة السكان لمناطقهم، مما يجعل الغابات تدفع الثمن”.

أخطار بيئية

من جهته، أوضح الناشط المجتمعي أيوب عبداللطيف أن “اعتماد الأفران على الحطب في عملية إنتاج الخبز يفتح باباً يضاعف الأخطار البيئية في ظل إقبال شريحة كبيرة من المواطنين والتجار على الاحتطاب بالقطع الجائر، بوصفه بديلاً للطاقة “.

وتابع عبداللطيف “تداعيات الحرب بسبب النزوح أسهمت في تغير نمط الحياة وخسارة البلاد نحو ربع مليون هكتار من غاباته نتيجة التوسع في إزالة الغطاء الشجري للحصول على الحطب والفحم، إضافة إلى المال لتلبية الحاجات الأساسية لبعض الأسر في ظل تراجع الرقابة على الغابات في أجزاء واسعة من مناطق السودان”.

وأشار الناشط المجتمعي إلى أن “التوسع في الاحتطاب يهدد ما تبقى من الغطاء النباتي، إذا لم تكن هناك بدائل عاجلة للطاقة، وتفعيل إجراءات صارمة تحد من القطع العشوائي للأشجار، مع إيجاد حلول ممكنة أبرزها توفير الوقود بأسعار مدعومة”.

تحديات وجهود

في السياق، قال المتحدث باسم اتحاد المخابز عصام عكاشة إن “العودة للحطب لم تكن الخيار الأمثل، بل أزمة فرضتها الحرب الدائرة في البلاد، في حين لا تعد بديلاً كاملاً للكهرباء، إذ إن هناك معدات رئيسة تعمل بالكهرباء مثل العجانات وخطوط الإنتاج، بينما يقتصر استخدام التيار الكهربائي على تشغيل الأفران فقط”.

وأضاف أن “استمرار قطوعات الكهرباء ترافقت مع ارتفاع حاد في أسعار الغاز، مما وضع أصحاب المخابز أمام تحديات أبرزها اتباع أساليب تقليدية في تشغيل الأفران لضمان عملية استمرار إنتاج الخبز الذي يعتمد عليه ملايين السودانيين في نظام تغذيتهم، في وقت لا يمكن الاستغناء عنه على رغم وجود بدائل أخرى”.

وتابع عكاشة “هناك قفزة كبيرة في كلفة الإنتاج في ظل استخدام الحطب، على رغم أنه يعد أقل كلفة مقارنة بالغاز، إذ وصل سعر القنطار من الحطب خلال فترة وجيزة من 16 ألف جنيه سوداني (2.7 دولار) إلى 45 ألف جنيه (7.5 دولار)، فيما بلغ سعر الخميرة نحو 170 ألف جنيه سوداني (28.3 دولار)، تزامناً مع زيادات متلاحقة في بقية مدخلات إنتاج الخبز”.

وبين أن “أسعار الغاز في زيادة مطردة، إذ وصل إلى 100 ألف جنيه (16.7 دولار)، مما جعل تشغيل الأفران عبئاً مالياً إضافياً على أصحاب المخابز في ظل المحافظة على سبل العيش”.

وأشار المتحدث باسم اتحاد المخابز إلى أنه “في تقديري مع عدم وجود حلول تنهي أزمة الكهرباء والوقود وكلفة الغاز المتصاعدة، يظل الاحتطاب الذي تتدافع عليه الشرائح التي تعاني هشاشة اقتصادية خطراً قائماً على أوسع نطاق يهدد البيئة بإزالة الغطاء الشجري، في حين هناك مجهودات رسمية وشعبية تبذل في استعادة المساحات الخضراء”.

Exit mobile version