إنَّ لعدوِّك عليك حقًّا؟!

الجميل الفاضل

ليس الامتحانُ أن تُحسن إلى من أحبَّك؛ فذلك بعضُ ما جُبلت عليه النفوس.

وليس الامتحانُ أن تُنصف من أنصفك؛ فذلك أقلُّ درجات النزاهة والوفاء.

لكنَّ الامتحانَ كلَّ الامتحان أن يبقى ميزانُ قلبك قائمًا حين تعصف به ريحُ الكراهية، وألَّا يسقط العدلُ من يدك وأنت قابضٌ على زناد البندقية.

فالحقُّ في الإسلام ليس عطيَّةً نهبها لمن نرضى، ولا غنيمةً نصادرها ممَّن نخاصم، لكنَّه سرٌّ كبيرٌ من أسرار الحياة والوجود.

ولذلك لم يكن البيان النبوي العظيم:

«إنَّ لربِّك عليك حقًّا، وإنَّ لنفسك عليك حقًّا، وإنَّ لأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه»

إلَّا تأسيسًا لفقهٍ أوسع، تنداح دوائره حتى تبلغ الخصومة نفسها، فتهمس في أذن الإنسان حين يستبدُّ به الغضب، أو حين يعلوه غبار المعارك:

«إنَّ لعدوِّك عليك حقًّا».

أيُّ منزلةٍ هذه التي تجعل العدلَ يُمتحَن عند حدود الكراهية؟!

وأيُّ دينٍ هذا الذي لا يكتفي بأن يُطهِّر يدك من الظلم، بل يُطهِّر قلبك من أدنى شهوةٍ تدفعك إلى ارتكاب أيِّ ظلمٍ صغُر أو كبُر؟!

ولذلك جاء القرآن حاسمًا، لا يترك للهوى منفذًا، ولا للغضب عذرًا، قائلًا:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.

كأنَّما التقوى ليست في كثرة الشعارات، ولا في ارتفاع الأصوات، لكن في أن يبقى العدل قائمًا حين يسقط ميزان كلِّ شيء.

فعندما خرج جيشُ أسامة، لم يكن أبو بكر الصديق يودِّع جنودًا، لكنَّه كان يودع في الضمير الإنساني وثيقةَ حقوقٍ متكاملة في كلماتٍ بسيطةٍ ومختصرة، قائلًا لجنوده: لا تغدروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا طفلًا، ولا شيخًا، ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرةً مثمرة، ولا تحرقوا نخلًا، ولا تذبحوا شاةً إلَّا لمأكلة، ثم دعوا أصحاب الصوامع وما فرَّغوا أنفسهم له.

يا الله، حتى الشجرة كان لها في الحرب حقٌّ، وحتى الطير كان له حقٌّ، وحتى الشاة كان لها حقٌّ، وحتى الراهب الذي لم يحمل سيفًا كان له كذلك حقٌّ.

انظر كيف يُوقِّر الإسلام هذه الخلائق كلَّها بلا استثناء، بشرًا وأشياءَ، أحياءً وجماداتٍ؟

كأنَّ هذا الدين منذ نعومة أظفاره لم يكن يريد أن يربح معاركه بأيِّ ثمن، إنَّما كان يريد أن يحفظ قيمة الوجود بأسره وسط لهيب هذه الحروب والمعارك.

ثم جاءت سمرقند، لا لتُفتح بالسيف، لكن لتفتح بابًا مدهشًا في تاريخ العدالة.

مدينةٌ تشكو، وقائدٌ يعترف، وقاضٍ يحكم، وجيشٌ منتصر يُؤمَر بالانسحاب.

أيُّ حضارةٍ هذه التي تجعل سلطان القضاء أقوى من نشوة الانتصار، وأقدس من وقع أقدام الجنود على الأرض؟

وأيُّ رسالةٍ تلك التي ترى أن خسارة مدينةٍ أهون من خسارة قيمةٍ عليا واحدة؟

لقد خرج الجيش من أسوار سمرقند، لكنَّ هذا العدل دخل قلوب أهلها بلا استئذان، ليصبح ذلك الفتح القيمي النادر أكبر وأبقى من كلِّ نتائج يُحرزها السلاح على مرِّ التاريخ.

ثم في مقامٍ آخر يقف الفاروق عمر، لا يسأل فقط: لماذا تأخَّر النصر؟ لكنَّه يسأل: أيُّ ذنبٍ أحدثناه حتى طال أمد الباطل؟ ليقول من بعد كلمته التي كان ينبغي أن تُكتب بمدادٍ من ذهب:

«إنَّما نُنصر عليهم بمعصيتهم لله ولزومنا الحقَّ، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوَّة والعدد».

يا لها من معادلةٍ، النصر فيها ليس ثمرة قوَّة مميتة أو غير مميتة “أيها العطا”، إنَّما ثمرة الطهارة أولاً.

فما إن يستوي الخصمان في الظلم، حتى يفقد الحقُّ جناحيه، ويغدو الحديد هو الحكم الوحيد.

وهنا، على مثل هذا الميزان نضع اليوم حرب السودان، التي تقف عاريةً بين وصيَّة الصديق وحكمة الفاروق.

تقف باحثةً عن وجهها في مرآةٍ كسرتها هذه الحرب، التي كم من بطنٍ بُقر فيها، وكم من جسدٍ مُثِّل به، وكم من شيخٍ ذُبح أو قُتل، وكم من امرأةٍ رُوِّعت، وكم من طفلٍ صار رقمًا في دفاتر الأموات.

لكن الأدهى أنَّها حربٌ ظلَّ يُرفع فيها “التكبير” بلا حياء، حيث كان ينبغي أن يرتفع البكاء.

حربٌ فاجرة ظلَّ يُستدعى فيها اسم الله ليكون غطاءً لما لم يأذن به.

على أيَّة حال، هنا بلغت الفتنة ذروتها، لا لأنَّ دم الأبرياء قد سال؛ فدماء غزيرة قد سالت في حروبٍ كثيرة قبل هذا اليوم بمختلف أرجاء السودان، لكن لأنَّ المقدَّس صار يُختطف دائمًا لمباركة ما جاء أصلًا ليحرِّمه.

فما أقسى أن تتحوَّل رموز الدين وآيات الكتاب من نورٍ يهدي، إلى راياتٍ يتوارى خلفها القتلة.

ولذا، أتصوَّر أنَّ من أوجب الواجبات الآن ليس أن نفصل الدين عن الدولة، لكن أن نفصل الدين عن هذه الحرب القذرة، بأن نقدِّس اسم الله من خلال إعادته إلى موضع رحمته،

وأن نعيد القرآن من أفواه البنادق إلى صدور المؤمنين.

فالله سبحانه وتعالى لا ينبغي أن يُلطَّخ ذكره بجرائم كلِّ أفَّاكٍ أثيم،

وألَّا يكون اسمه ستارًا لثأرٍ، أو شاهد زورٍ على وحشيَّة الإنسان.

ثم يعود القرآن، فيختم الدرس كلَّه بآيةٍ واحدة، كأنَّها نافذةٌ تُفتح في هزيع هذا الليل الأخير:

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾.

ما أعجب هذا الدين الذي لا يكتفي بأن يمنعك من ظلم عدوِّك، لكنَّه يفتح لك بابًا يجعل عدوَّك ذاته أخًا حميمًا في نهاية المطاف.

إذ كأنَّ الخصومة ليست قدرًا، إنَّما هي مرضٌ قابل للشفاء.

وكأنَّ العدل ليس طريقًا إلى هزيمة العدو، لكنَّه طريقٌ إلى نجاة الكلِّ من السقوط في براثن التيه والضلال.

المهمُّ، فإنَّ الأمم لا تهلك يوم تخسر معركة، إنَّما تهلك حين تخسر ميزان الحق.

ولا تسقط يوم يُكسر جيشها، إنَّما تسقط حين يُكسر ضميرها.

ليبقى الحقُّ واقفًا عند باب التاريخ، ينادي كلَّ من حمل سلاحًا بغير وجه حقٍّ، وحتى من حمل راية حقٍّ أراد بها باطلًا، وكلَّ من حمل في قلبه شيئًا من غضب، قائلًا:

«إنَّ لعدوِّك عليك حقًّا».

فإن ضيَّعتَ حقَّه، فلن تكون قد ظلمته وحده، إنَّما ظلمت نفسك قبله أيضًا، وأطفأت في الأرض شمعةً أخرى كان الله يريد لها أن تهدي الحائرين.

Exit mobile version