جوزيف زينباور.. كل فريق يمد كراعه قدر مدربه

محمد عبد الماجد

بعد رحيل المدرب الروماني ريجيكامب، وعندما كان الحديث عن بعض الأسماء المرشحة لقيادة الهلال فنيًّا، كتبتُ من بين كل الأسماء المرشحة أتمنى أن يكون الألماني “جوزيف زينباور” مدربًا للهلال؛ وذلك لأن السيرة الذاتية والفنية لهذا المدرب الألماني كانت الأفضل، وكان أسلوبه الفني الأكثر توافقًا مع الهلال والأقرب هوىً لجماهير الهلال. نحن بالطبع لم نشاهد المدرب بصورة ميدانية حتى نحكم عليه من منطلق تجربة أو معرفة شخصية أو متابعة دقيقة، وإنما نتحدث عن سيرته الذاتية الرائجة وعن أرقامه التي حققها وأسلوبه الذي عُرف به.

عندما تعاقد الهلال مع المدرب الكونغولي فلوران لم أكن متحمسًا للتعاقد معه، وقد كتبتُ وقتها منتقدًا التعاقد معه، وكذلك كنتُ غير راضٍ عن التعاقد مع الروماني ريجيكامب بسبب بعض الأزمات والإشكاليات التي نُقلت عنه، ولكن للأمانة فقد أحسن فلوران وأجاد ريجيكامب ولم تُحسب عليهما نقطة يمكن أن تؤخذ عليهما في الهلال. الألماني جوزيف زينباور ليس هنالك شيءٌ يمكن أن يؤخذ عليه أو شائبةٌ في سيرته الذاتية كما كانت في سيرة فلوران وريجيكامب.

كل ما نحبه ونفضله يوجد في أسلوب هذا المدرب الذي يلعب على الاستحواذ، بل يتعدى ذلك ويلعب على السيطرة والامتلاك الكامل للكرة؛ فهو تكتيكي من الطراز الأول يطبق الضغط المتقدم ويلعب بأسلوب هجومي قاطع. علاقته جيدة مع اللاعبين ومتميز في إدارته للمباراة وفي قدرته على التنوع التكتيكي في المباراة الواحدة، شخصيته قوية ومحبوب من اللاعبين، انفعالي وحماسي وأنا أفضّل المدرب صاحب الشخصية القوية في المنطقة الفنية حتى وإن كان انفعاليًّا، وقد كنتُ آخذ على فلوران أنه مدرب هادئ وبارد في المنطقة الفنية ـ مع الوضع في الاعتبار أن البعض يعتبر الهدوء لدرجة البرود ميزة إيجابية وليست سلبية كما أنظر إليها.

في سيرة الألماني جوزيف زينباور هذا التوصيف الذي أسعدني كثيرًا حتى فتحتُ نوافذ الأمل:

“(يعتمد المدير الفني الألماني جوزيف زينباور (Josef Zinnbauer) على فلسفة كروية ألمانية حديثة تمزج بين الانضباط التكتيكي العالي والضغط الهجومي الشرس، وظهرت معالم أسلوبه وطبيعة شخصيته بوضوح خلال محطاته التدريبية المختلفة (مثل هامبورغ الألماني، أورلاندو بايرتس الجنوب أفريقي، والرجاء الرياضي المغربي، وشباب الأهلي الإماراتي)).”

المدرسة الألمانية لا خلاف عليها، ويمكن أن تكون لها الريادة الآن في العالم، إلى جانب المدرسة الإسبانية والمدرسة البرتغالية، المتشعبتَين من المدرسة البرازيلية أو هما الشكل المتطور من المدرسة البرازيلية؛ لأن المدرسة الإسبانية والبرتغالية أعلى تكتيكيًّا من المدرسة البرازيلية التي تعتمد كليًّا على المهارات والحلول الفردية. جاءت تلك المدارس الأوروبية ونمّت الحلول الجماعية أو جعلتها طريقة وأسلوبًا فنيًّا.

المدرسة الفرنسية أيضًا لها مزايا وهي جمعت بين طبائع مدارس عديدة، وهي الأكثر تنوعًا أو الأكثر مرونة في أوروبا.

لا ننسى كذلك المدرسة الإيطالية التي تهتم بشكل أكبر بالناحية الدفاعية، وبين هذا وذاك هنالك مدارس فرعية حققت نجاحًا في أفريقيا وفي المنطقة العربية، والحديث هنا عن المدرسة البلجيكية والمدرسة الرومانية.

أما المدرسة الألمانية ـ وهذا عن رؤيتي الشخصية أو تقديراتي الخاصة التي قد أصيب فيها وأخطئ ـ فهي جمعت بين القوة الدفاعية والشراسة الهجومية.. يدافعون بقوة ويهاجمون بقوة، أو يدافعون جميعًا ويهاجمون جميعًا.. المدرسة الألمانية في اعتقادي تتناسب أكثر مع الكرة الأفريقية لأنها تهتم بالجانب البدني إضافة إلى اهتمامها بالجانب التكتيكي، وهذا ما تفقده الكرة الأفريقية.

في الحديث عن زينباور وصفوا أسلوبه كما جاء في فقرة سابقة عندما قالوا عنه إنه صاحب: (فلسفة كروية ألمانية حديثة تمزج بين الانضباط التكتيكي العالي والضغط الهجومي الشرس).

وماذا نريد نحن أكثر من ذلك؟ هذا أقصى ما نتمناه فيمن يقود الهلال فنيًّا.

الجميل أن الأسلوب الذي يلعب به زينباور يتوافق تمامًا مع الهلال، ليس من ناحية المزاج العام فقط، وإنما من حيث إمكانيات لاعبي الهلال؛ والأزرق يمتلك عناصر قادرة على تطبيق أسلوب زينباور بتفوق وإجادة.

وفي ديباجة جوزيف زينباور هذا التعريف المفرح بأنه يلعب على:

“(الضغط العالي والتحول السريع (Gegenpressing): يُفضل زينباور الضغط على المنافس في مناطقه لافتراس الكرة مبكرًا. ويعتمد على خطوط متقاربة لتقليل المساحات، واستغلال التحولات السريعة من الدفاع إلى الهجوم بمجرد استعادة الاستحواذ).”

إننا لو كنا نختار المواصفات والصفات التي يتمتع بها المدرب الذي يجب أن يقود الهلال فنيًّا، لما كنا سنحلم بأكثر من هذه الصفات التي يتمتع بها هذا المدرب الألماني.

أحسب أن الألماني زينباور قادم من دولة ذات كثافة تكتيكية عالية في كرة القدم، ويمكن أن نقول إن زينباور جاء من دولة صاحبة حضارة في كرة القدم إذا أردنا أن نبسّط الأشياء أو نوصلها للناس.

وهل كرة القدم فيها حضارة؟ نعم، بكرة القدم حضارة؛ فبما أن الكرة أصبحت علمًا واستثمارًا، يبقى من الطبيعي أن تكون لها حضارة.

جنسية المدرب أو الدولة التي ينتمي إليها لها تأثير على المدرب وعلى أسلوبه وشخصيته وحتى سمعته.

وقيل في هذا المدرب من حيث السيرة الفنية الذائعة عنه والمعرّفة له:

“(يميل في الغالب إلى رسم 4-2-3-1 أو 4-3-3، لكنه يتميز بالمرونة في تغيير الرسم التكتيكي بناءً على ظروف المباراة وقوة المنافس، مع إعطاء حريات هجومية للأجنحة ولأظهرة الجنب لتقديم الدعم الهجومي. لا يميل إلى الكرات الطويلة العشوائية، بل يصر على بناء اللعب بتدرج سلس من خط الدفاع مرورًا بلاعبي الارتكاز، مع تركيزه على الاستحواذ “الفعال” الذي يخلق المساحات ويُنهك منافسيه ذهنيًّا وبدنيًّا. تعتمد منظومته الهجومية بشكل كبير على فتح أطراف الملعب عبر تداخل الأجنحة إلى العمق لترك مساحات للأظهرة للصعود والمشاركة في صناعة الفرص والعرضيات).”

هذا الشغل لو طُبّق في الهلال سيحدث نقلة كبيرة، ليس في الهلال فقط، وإنما في الكرة السودانية ككل.

تاني هنقول لكم: أي فريق يمد كراعه قدر مدربه.

المرتب العالي لهذا المدرب والمفاوضات الشاقة معه لقيادة الهلال تؤكد أنه مدرب كبير، وليس مدربًا عاطلًا يبحث عن أن “يأكل عيش”. واضح أن الهلال وجد مشقة وصعوبة كبيرة في إقناع هذا المدرب بالتعاقد مع الهلال، ولا أعتقد أن الهلال وجدها في تاريخ تعاقداته مع المدربين قبل ذلك.

ربما هذه أطول فترة تفاوض بين الهلال ومدرب.

نسأل الله أن تتم الأمور على خير.

الألمان بطبيعة تركيبتهم متميزون.

نحن لا ننسى أن الألماني هورست الذي درب المريخ والمنتخب السوداني في سنوات الماضية أحدث نقلة كبيرة في الكرة السودانية وأدخل طرقًا جديدة وجدت رواجًا ونجاحًا في السودان، وصار حتى “الشفع” والهواة يلعبون بها في الحواري والدافوري.

كما أحسب أن الألماني أوتوفيستر كان من أنجح الذين أشرفوا فنيًّا على المريخ.

الهلال نجاحاته كانت مع المدرسة البرازيلية، وشيء ما يمكن أن نعتبر المدرسة الفرنسية والمدرسة الرومانية نجحت مع الهلال.. وقبلهما المدرسة البرتغالية.

جوزيف زينباور فرصة نجاحه مع الهلال كبيرة؛ لأنه هو لا يجسد المدرسة الألمانية بماكينتها أو آليتها التي عُرفت بها، فهو يعتمد في أسلوبه على نواحٍ جمالية ويقدم كرة قدم جميلة، وهذا هو ما نريده في الهلال، أو هذا ما يفضله الأهلة ويتوافق مع ذوقهم الفني العالي.

إن كل ما هو جميل يتوفر في هذا المدرب، إنه مدرب عبارة عن “بستان” يجمع كل الزهور.

المدرسة الألمانية يمثلها زينباور في ذلك الذي عُرف عنه:

“(يحمل الجينات الألمانية في الالتزام والانضباط داخل الملعب وخارجه. لا يتساهل مع التقاعس أو عدم الالتزام بالواجبات الدفاعية من لاعبي الهجوم).”

وهو كما قلت مدرب حيوي وعاطفي:

“(يتفاعل بكتلة من الحماس على خط التماس، ويُعرف بقدرته العالية على شحن لاعبي المعنويات وبث روح القتال والاستماتة حتى الدقائق الأخيرة من المباراة).”

أما الذي تبحثون عنه فهو عنده على هذا النحو:

“(يمتلك جرأة كبيرة في إقحام العناصر الشابة وإعطائها الثقة، ويمتاز بالقدرة على رفع المستوى الفردي والبدني للاعبين الموهوبين وتوظيفهم لصالح المجموعة. يتميز بالوضوح والواقعية في تصريحاته الصحفية، ويُجيد حماية لاعبيه من الضغوط الجماهيرية والإعلامية عبر تحمل المسؤولية في لحظات الإخفاق).”

كثير من المدربين لا يحسنون التعامل مع الضغوط، ويقصرون أو يفشلون مع الأندية الجماهيرية التي تكون تحت منظار إعلامي كثيف ـ زينباور يبدع في مثل هذه الظروف، ويبدو أن الأندية الجماهيرية تحفزه أكثر على النجاح، وأميز فتراته كانت مع أندية جماهيرية.

سيرته مع الأندية التي أشرف عليها تقول:

هامبورغ (ألمانيا): أظهر شجاعة في التعامل مع الضغوط الكبيرة لدوري عالمي بحجم البوندسليغا، واعتمد على الانضباط والقتالية.

أورلاندو بايرتس (جنوب أفريقيا): قدم كرة قدم هجومية وممتعة تتناسب مع مهارات اللاعب الأفريقي، واستطاع إعادة الفريق لمنصات التتويج (حقق لقب كأس إم تي إن 😎.

الرجاء الرياضي (المغرب): حقق معهم موسمًا استثنائيًّا وتاريخيًّا (2023-2024) بإنهاء الدوري المغربي وكأس العرش دون أي خسارة، حيث تجلت أقصى درجات فلسفته من حيث الصلابة الدفاعية، الفاعلية الهجومية، والسيطرة الذهنية التامة على المباريات الكبيرة.

هذا المدرب لم يأتِ لأفريقيا ويعمل فيها لأنه فشل في أوروبا أو لأنه لم يجد فيها الفرصة، هذا المدرب جاء لأفريقيا من أجل التحدي والمغامرة ـ شخصيته بطبيعتها شخصية مغامرة وتحب التحدي.

الأجمل من ذلك أنه أشرف على فريق من شمال أفريقيا وهو فريق الرجاء المغربي ونجح معهم ولم يعرف الخسارة في دوري يُعتبر من أفضل وأقوى الدوريات في أفريقيا.

زينباور فاز في ذلك الموسم الذي أشرف فيه على الرجاء بجائزة أفضل مدرب في المغرب، وهذا إنجاز صعب لمدرب أجنبي في بلد حقق فيه المدربون المغاربة نجاحات غير مسبوقة.

لقد نجح زينباور في الوقت الذي كان فيه المدرب المغربي في قمة هرم التدريب، ليس في أفريقيا وحدها بل في آسيا أيضًا.

زينباور أشرف أيضًا على فريق شبيبة القبائل الجزائري وعاد به للواجهة الأفريقية بعد غياب طويل، مع كل هذه الخبرات التي اكتسبها زينباور في شمال أفريقيا والنجاحات التي حققها في المغرب والجزائر هو كان قد نجح أيضًا في جنوب أفريقيا مع أورلاندو الجنوب أفريقي، وهذا يعطيه خبرة كبيرة ومعرفة بكل خبايا الكرة الأفريقية في شمالها وفي جنوبها، والمعلوم أن البطولات الأفريقية تارة تفوز بها أندية جنوب أفريقيا وتارات أخرى تفوز بها أندية شمال أفريقيا.

الهلال رجلٌ صالح ـ الهلال فاز بمدرب حافظٍ لأفريقيا من شمالها إلى جنوبها.

….

متاريس

نتمنى ونسأل الله أن تجري الأمور على ما يرام وأن يتم التعاقد والإعلان الرسمي عن جوزيف زينباور.

نرجو ألا تظل الأمور معلقة كما هو الحال بالنسبة لكثير من الملفات الهلالية التي لم تُحسم حتى الآن.

تبقى 24 يومًا من أول مباريات الهلال الأفريقية.

مدرب في ثلاثة أسابيع ستكون الأمور صعبة عليه.

غاي بوكاسا يجب أن يبقى المدرب العام في الجهاز الفني للفريق الأول، على أن يكون في الوقت نفسه مديرًا فنيًّا بجهازه المستقل لفريق الرديف.

يجب الاستفادة من خبرات وإمكانيات غاي بوكاسا في الفريق الأول.

والربط بين الفريق الأول والرديف أمر مهم، وغاي بوكاسا يمكن أن يكون حلقة الوصل بين الفريقين، خاصة أنه أشرف على الفريق الأول في بطولة سيكافا.

ننتظر أن نرى أمجد قلق مع الهلال في كيجالي.

بصورة مهذبة وجميلة شكر لاعب الهلال السابق أَنَس نيمار الهلال وغادر الفريق، نتمنى كل التوفيق للاعب الهلال السابق في رحلته القادمة.

ظروف الحرب والبلاد تضرر منها الكثير من المواهب.

لو البلاد كانت مستقرة لكثير من المواهب كانت ستظهر بشكل أفضل.

منتظرون جوزيف زينباور، وبالتوفيق إن شاء الله مع الهلال.

ترس أخير: تاني بالدخيري ما بحلكم.

Exit mobile version