هل تحول “مدرعة باكستانية” حرب السودان إلى صراع إقليمي؟
د. محمد بدوي مصطفى
لم تعد صورة مدرعة باكستانية في أحد شوارع الخرطوم مجرد صورة عابرة من صور الحرب السودانية، فظهور مركبات Mohafiz-V في العاصمة، في سياق التعاون العسكري بين باكستان والقوات المسلحة السودانية، يفتح سؤالًا يتجاوز نوع المدرعة وعددها إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي تدخلها الحرب، وما إذا كان وصول سلاح جديد إلى أحد طرفي الصراع يمكن أن يغير موازين القوة، أو يفتح الباب أمام أطراف أخرى للدخول على خط المواجهة.
وكانت وسائل إعلام سودانية وهندية رصدت مؤخرا مركبة مصفحة خلال عرض عسكري في شوارع الخرطوم، وأكدت أنها ناقلة جنود من طراز “محافظ” (Mohafiz)، التي تصنعها شركة “الصناعات الثقيلة في تاكسيلا” (HIT ) المملوكة للدولة في باكستان، مما يقدم دليلاً على وجود معدات باكستانية الصنع بحوزة قوات الجيش السوداني.
يُذكر أن شركة “HIT” طورت مركبة “محافظ” في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لتلبية احتياجات عمليات الشرطة والقوات شبه العسكرية، حيث توفر حماية ضد نيران البنادق
ففي الوقت الذي تراهن فيه الولايات المتحدة والدول الغربية على الضغط من أجل وقف الحرب والحد من تدفق السلاح إلى السودان، تظهر في المقابل مسارات جديدة للتعاون العسكري، وهو تناقض يعكس صعوبة المشهد السوداني؛ إذ إن كل سلاح جديد لا يدخل الميدان وحده، وإنما يأتي غالبًا مصحوبًا بحسابات سياسية واستراتيجية ومصالح اقتصادية، وقد يمنح طرفًا ما قدرة أكبر على مواصلة القتال بدل التوجه إلى طاولة التفاوض.
المدرعة الباكستانية، التي بحسب الموقع الهندي الذي نقل الخبر تم تطوريها في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين لتلبية احتياجات عمليات الشرطة والقوات شبه العسكرية، حيث توفر حماية ضد نيران البنادق، لا تكمن فقط في إمكانية حسمها حربا بهذا الحجم، بقدر ما وإنما لأنها قد تكون جزءًا من نافذة جديدة في سوق السلاح السوداني، وفي شبكة التحالفات التي بدأت تتشكل حول الحرب.
وقد تحدثت تقارير عن تعاون عسكري متزايد بين إسلام آباد والجيش السوداني، وعن صفقة كبيرة قُدرت بنحو 1.5 مليار دولار شملت طائرات ومسيّرات ومعدات عسكرية، قبل أن توضع الصفقة لاحقًا قيد التعليق. ومهما يكن حجم هذه الصفقة أو مصيرها النهائي، فإن مجرد ظهور هذا المسار يكشف أن السودان أصبح بالنسبة لبعض الدول سوقًا للسلاح وموقعًا استراتيجيًا في الوقت نفسه.
الكاتب
لكن المسألة لا تقف عند باكستان.
فالحرب السودانية شهدت منذ بدايتها حضورًا خارجيًا متزايدًا، وتحدثت تقارير عن أدوار روسية وأوكرانية، وعن شبكات إمداد مرتبطة بأطراف مختلفة، كما أصبحت دول إقليمية عديدة معنية بما يجري في السودان، سواء بسبب موقعه على البحر الأحمر، أو بسبب الذهب والموارد الطبيعية، أو بسبب موقعه بين أفريقيا والعالم العربي.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر اتساعًا: هل يمكن أن يؤدي الحضور الباكستاني إلى فتح باب جديد أمام التنافس الهندي ـ الباكستاني في السودان؟
ليس هناك، حتى الآن، ما يكفي للقول إن الخرطوم تحولت إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الهند وباكستان، ومن الأفضل عدم القفز إلى مثل هذا الاستنتاج، لكن وجود باكستان عسكريًا في المشهد، إذا اتسع، يمكن أن يضيف بعدًا جديدًا إلى حسابات القوى الآسيوية، خصوصًا أن الهند تنظر باهتمام متزايد إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي وطرق التجارة البحرية.
وهكذا قد يجد السودان نفسه أمام صراعات متقاطعة: تنافس روسي ـ غربي، وتنافس روسي ـ أوكراني، وحسابات خليجية، ومصالح تركية ومصرية وإيرانية، وتنافس على البحر الأحمر والذهب والموانئ، وربما في المستقبل حسابات آسيوية جديدة.
وهذا هو الخطر الحقيقي.
فالحرب التي بدأت داخل السودان يمكن أن تتحول تدريجيًا إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين، ليس بالضرورة من خلال مواجهة مباشرة بين الجيوش الأجنبية، وإنما من خلال السلاح والدعم والتمويل والشبكات والوسطاء.
والسلاح، في مثل هذه الحروب، لا يغير موازين القوة فقط، وإنما يغير أيضًا حسابات السلام.
فعندما يحصل طرف على طائرات أو مسيّرات أو مدرعات جديدة يا سادتي، فإنه قد يعتقد أن موازين المعركة يمكن أن تنقلب لصالحه، فيؤجل التفاوض، ويبحث الطرف الآخر بدوره عن سلاح جديد، وهكذا تدخل الحرب في دائرة مغلقة يصبح فيها كل طرف أكثر تمسكًا بفكرة الحسم العسكري.
والخاسر في النهاية هو المواطن السوداني.
فخلف كل صفقة سلاح هناك مدينة مدمرة، وخلف كل معركة هناك أسرة نزحت، وخلف كل طريق عسكري مغلق هناك مريض ينتظر الدواء وطالب انقطعت دراسته ومزارع ترك أرضه.
لقد امتدت الحرب من الخرطوم إلى دارفور وكردفان والجزيرة ومناطق أخرى، وتحولت حياة الملايين إلى سلسلة من النزوح والخوف والبحث عن الغذاء والماء والدواء، بينما أصبحت المستشفيات والمدارس والبنية الأساسية في كثير من المناطق عاجزة عن أداء وظائفها الطبيعية.
وهنا لا ينبغي أن نختزل الحرب في عبارة “حرب الإخوان”، كما لا ينبغي أن نختزلها في صراع بسيط بين الجيش والدعم السريع.
لقد ترك نظام عمر البشير وراءه دولة مثقلة بإرث طويل من الحروب والانقسامات، ومؤسسات ضعيفة، وشبكات سياسية وأمنية واقتصادية متداخلة، كما أن قوات الدعم السريع نفسها نشأت في عهد البشير وتطورت من منظومة الجنجويد المرتبطة بحرب دارفور إلى قوة عسكرية واقتصادية كبيرة بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
وبعد سقوط البشير عام 2019، فشلت المرحلة الانتقالية في معالجة مسألة تعدد مراكز القوة المسلحة، وظل الخلاف حول دمج الدعم السريع في القوات المسلحة وتوقيت ذلك وشروطه أحد العوامل المباشرة التي سبقت اندلاع الحرب في أبريل 2023.
لذلك فإن ما يجري اليوم هو أزمة دولة قبل أن يكون أزمة سلاح، وهو صراع على مستقبل السودان بقدر ما هو صراع بين قوتين عسكريتين.
أما السؤال: هل تحولت الحرب بالفعل إلى حرب إقليمية؟
فالإجابة تحتاج إلى شيء من التحفظ.
قد لا يكون السودان قد تحول بعد إلى ساحة حرب إقليمية مباشرة، لكن الحرب أصبحت بلا شك ذات أبعاد إقليمية ودولبة.