عماد البشرى في أسئلة الصحافة والحرب والدولة مع (مشاوير)
لم نبنِ دولة حتى الآن .. الدولة الحديثة ستقوم بعد أن تنفصل أجزاء من السودان
الحرب كشفت أننا لسنا شعبًا واحدًا.. ولا نعترف بالآخر ولا نحفظ ذاكرة عظمائنا
الإعلام السوداني خسر استقلاله في الحرب.. وأصبح بعضه تابعًا لمن يدفع
صنعت من الصوت الإذاعي نجمًا ينافس نجوم التلفزيون
الدوحة – مشاوير : حاوره: مجدي علي
من الصحافة المكتوبة إلى الإذاعة والتلفزيون، ومن صفحات (الوفاق) و(ألوان) إلى ميكروفون (إذاعة المساء) وشاشات (أم درمان) و(الخضراء) و(الشروق) و(سودانية 24) و(الزرقاء) راكم عماد البشرى أكثر من عقدين في الإعلام السوداني، وصنع حضوره بوصفه صحفيًا وكاتب رأي ومحاورًا عُرف بأسئلته الهادئة والصعبة في آن..
في الإذاعة وجد مساحة لصناعة نجومية مختلفة؛ نجومية الصوت الذي يصل إلى المستمع ويصبح جزءًا من يومه، قبل أن ينتقل إلى التلفزيون ويخوض تجربة الحوار المباشر مع الجمهور والضيوف.
كتب في قضايا الدولة والسياسة والحرب والمجتمع، وانشغل بالتوثيق والذاكرة وأدب الرحلات.
وفي هذا الحوار يعود إلى بداياته ومحطاته المهنية، ويتحدّث بصراحة عن تجربته الإعلامية، ويكشف عن مواقفه من أزمة الدولة السودانية، والحرب، والإعلام، والتدخّلات الخارجية، ومستقبل السودان، كما يستعيد شخصيات ومحطات تركت أثرها في ذاكرته.
حوار يفتح دفاتر الصحافة والذاكرة والحرب، ويضع عماد البشرى أمام أسئلة المهنة والوطن والمواقف التي لا تسمح دائمًا بإجابات آمنة..
بدأت من (الوفاق) و(ألوان) قبل الإذاعة والتلفزيون؛ ماذا بقي من ذلك الصحفي الشاب في عماد البشرى اليوم، وماذا مات على الطريق؟
الوفاق كانت بداية الطريق، ومحمد طه محمد أحمد، عليه رحمة الله، فارس لن يتكرر. في (ألوان) بدأ التوهّج، وعندما تتوهّج تنطلق إلى آفاق بعيدة، وهنا كانت الإذاعة والتلفزيون. الصحافة حرمتني من حلم الدبلوماسية. التقيتها على قدر ومصادفة، وأنا أبحث عن مدخل لي في الدبلوماسية، وكنت وقتها بجامعة الخرطوم، ما زلت طالبًا، لكني أصبحت ممن قال فيهم أوسكار وايلد: “أجمل الحب هو الذي نعثر عليه أثناء بحثنا عن شيء آخر”. فهجرت الدبلوماسية كحلم، وعشقت الصحافة كحبيبة متمرّدة. لا أظنني أندم على خياراتي، فكلها أقدار مكتوبة، لكن أعتقد أن التميّز في كل ما هو مكتوب مطلوب، خاصة من المبدع.
درست الآداب بجامعة الخرطوم وتتحدّث ثلاث لغات؛ هل صنعت الجامعة مثقفًا يعمل في الإعلام، أم إعلاميًا يستعين بالثقافة لفهم الأحداث؟
كان يمكنني، حسب شهاداتي، أن ألتحق بكليات القانون أو الاقتصاد، لكني آثرت اللغات، وتعرّفت على عوالم بودلير وسارتر وثورية ديكارت وشكه، وكفاح سيمون دي بوفوار، وجدل غوستاف لوبون. عوالم دراسة اللغة تتيح لك زيارة الضفّة الأخرى من نهر المجتمعات، تعرف أقدارها، انكساراتها، انتصاراتها، وكيف تصنع حضاراتها. باختصار، بعلوم اللغة أنت مع الإنسان دون تزييف أو تجميل. وهذا المعنى الحقيقي لمفهوم المثقّف، وهو إدراك ما صنعته البشرية بكافة طبقاتها، في كافة الأزمنة. في مرة كنت أظن أن معرفة اللغة تجعلك مثل طفل في العاشرة في بلد اللغة نفسها، لكن تبينت لاحقًا كمية المعرفة التي تنالها من الاطلاع بلغات أخرى.
تنقلت بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون وأدرت (إذاعة المساء)؛ أي محطة صنعت شخصيتك المهنية، وأيها خيّبت توقعاتك؟
كل مرحلة لها وزنها وثقلها، لكن محطة المساء منحتني نجومية أحسب أنها مستحقة، لأني منحتها عشرة أعوام من عمري بلا كلل، وكان جهدي فيها دائمًا تزاحمه نظرة النقد اليومي لكل إبداع، وكنت أنا الناقد الأول لبرامجي، ومن ثم الجمهور. لذلك أحمد الله أنني لمعت كإذاعي ومحاور مقتدر، قوته أنه لمع برغم أنه مجرد صوت وليس صورة، لكن صوت حمل للناس الأفكار والمشاعر والأحاسيس حتى صار جزءًا من حياتهم اليومية. كانت أعظم انتصاراتي الذاتية أن أرى شخصًا لا يعرفني، وعندما يلتقيني يقسم أنه يتحرّك بعربته ليلًا فقط ليستمع إلى عماد. أظنّني نجحت في شيء لم يكن من قبل، وهو أنه صار الجميع ينتظر سهرة عماد البشرى، فصنعت من الصوت المثقّف نجمًا حقيقيًا زاحم كل نجوم الفضاءات. في الصحافة هناك شخصية أخرى تقوم على المراقبة ودقّة الملاحظة واقتناص الفرص في خلق حدث يومي، فهناك مدرسة إعلامية تقول: ليس الحدث هو الذي يصنع الإعلام، بل الإعلام هو الذي يصنع الحدث. فالصحافة مهنة ترتب ذهنك أولًا، وتعيد تربية صبرك واحتمالك مرّة أخرى. وفي التلفاز أنت تقوم على فكرة المواجهة بينك والجمهور، حيث لا ينفعك إلّا حسن المظهر وعمق المعرفة ورجاحة العقل.
تُعرف بأسلوبك الهادئ في الحوار، لكنّك كثيرًا ما تقود ضيفك إلى مناطق لا يريد الحديث عنها؛ كيف تعرف أين تنتهي مهارة المحاور وتبدأ المواجهة؟
السر في كلمة واحدة: (الغواية)، وأعني أن تغوي ضيفك ليرتمي في أحضان ما تريده بلا خوف، بل بقناعة منه. وهنا أمارس سحر الاستخلاص، فيصبح الضيف معي كمن تعرّض لتنويم مغناطيسي، يسهل بعده جذبه لمنطقة اللا عودة في الاعتراف. مهارة يصعب تعلمها، لكن لها نتائج فعّالة، تصنع منك نجمًا ومحاورًا فذًا. أذكر كثيرًا ما كان بعض الضيوف يأتون إلى الاستوديو وهم تتملكهم فكرة مرعبة بقوة الأسئلة ودهاء المحاور. بعضهم أعمل على طمأنته، والآخر أجعله أسيرًا لقيود مخاوفه ليكون أسرع في الاعتراف، لكن الأمر في النهاية مهارة تختلف طرقها حسب نوعية الضيف والموضوع نفسه. وعلى ذكر الحوار، أكاد أكون أول من أطلق عليه لقب محاور، فكل برامجي يُكتب عليها أو يُقرأ أن البرنامج للمحاور فلان.
أجريت خلال مسيرتك حوارات كثيرة؛ ما أهمّها، وأيها ظل عالقًا في ذاكرتك أكثر من غيره؟
أعتقد حواري مع د.منصور خالد، والفنان محمد وردي، وعبد الرزاق عبد الواحد، شاعر صدام والبعث، وحوارات كثيرة. هناك حوار خطير كان مع د.الأمين محمد عثمان، وهو أحد القيادات الإسلامية التي اختارت طريق الشعبي. تحدّث حديثًا مرًّا، وهاجم رموزًا كبيرة في الدولة، وعندما انتهت الحلقة شعرت أنها بكثافة معلوماتها تقودني وضيفي إلى سيبيريا وليس كوبر فقط، فتحفّظت عليها وكتبت: هذه الحلقة تُبث إما بعد سقوط الإنقاذ أو بعد موتي، والحمد لله لم تُبث. حلقاتي مع الحلنقي أيضًا خلقت لي نجومية.. صدفة جمعتني بالحلنقي، لكني اقتنصتها، ساعدني في ذلك حب الحلنقي لإبداعي والتماهي بيننا، حتى صرنا عقلًا واحدًا في كثير من الأحيان. هي لم تكن مجرد سهرة فنّية أدبية، بل حركة مجتمعات وجلسات أنس جمعت التاريخ الإنساني بين العربي والغربي والسوداني، وتنتهي بضحكة وأغنية للجميع. حلنقي كنز من الصدق، ونهر من الإبداع لا يجف.
تكتب منذ سنوات عن (أزمة الدولة السودانية) من زاوية القيادة والكفاءة؛ هل الأزمة في بنية الدولة أم في النخبة التي أدارتها وأبعدت الكفاءات؟
الأزمة مركّبة، أولًا في الشخصية السودانية نفسها، التي تعاني من أمراض إبعاد الآخر، وأنانية الإدارة، وتخوين كل شخص له نبوغ. نحن لم نعرف حتى الآن كيف نختار من يقودنا، وما مواصفات القائد. لم نستطع أن نفصل بين ولاء سياسي وكفاءة في الإدارة، مع تحفّظي على السياسي في الأصل. يبهرنا المستورد من الملابس والأحذية والسياسيين، ودونك فشل حمدوك ودروشة كامل إدريس. بشكل عام، لم نصنع دولة حتى الآن. الدولة عندي تعني المؤسسات، وليس الأفراد ولا الأفكار. نحن ما زلنا في قرية في العالم يرتع فيها بعض أبناء السادة، ويتصارع فيها بعض مثقّفي الأيديولوجيات مع هؤلاء السادة، ومثل الساقية: انقلاب، ثورة وانتقالية، ثم ديمقراطية زائفة يعقبها انقلاب. لم نبنِ دولة حتى الآن، للأسف.
في كتاباتك عن التدخلات الإقليمية تبدو شديد الحساسية تجاه العامل الخارجي؛ متى يكون التدخّل الخارجي سببًا حقيقيًا للأزمة، ومتى يصبح شماعة لفشلنا الداخلي؟
التدخّلات موجودة في كل عصر وكل مكان، لكن الفشل لدينا في كيفية التعامل مع هذه التدخّلات والحد منها. وهنا أستدعي كامب ديفيد، رغم أنها كلفت السادات حياته، لكنها في ظن الكثيرين أجرأ خطوة سياسية في القرن، جنّب بها السادات مصر ويلات حرب طويلة. نحتاج إلى سادات جديد يقلب طاولة الخنوع تحت راية التدخّلات، ليمنح هذا البلد نفسًا عميقًا يعيد به بنيان الحياة. كنت أعتقد بعد انفصال الجنوب أن نجلس لنعيد تعريف الآخر، ونقف عند محطات علاقاتنا الخارجية، بشرط ترك الخوف والانبهار والخنوع والتبعية، لكن للأسف ظل ذلك سمتنا حتى قيام الحرب.
الحرب أعادت تعريف السودان أمام نفسه والعالم؛ ما الحقيقة التي كشفتها عن السودانيين ولم نكن نريد الاعتراف بها قبل 15 أبريل؟
نحن لا نعترف ببعضنا البعض، ولا نقبل بعضنا. كنّا نظن أننا شعب واحد، لكنّنا شعوب ممزّقة تقبع تحت برك من الغِل والحقد على بعضنا. فمشاهد الاغتصاب وبيع الحرائر ليس فعلًا طبيعيًا، ودعوة دولة 56 ليس تصنيفًا عقلانيًا، وتحميل المواطن المغلوب على أمره فشل النخب ليس عدلًا .الحرب كشفت سوءاتنا ولم ترحمها. هناك سؤال مهم من وراء الحرب. فعليًا قناعتي أن الإمارات مجرد وسيط أو مخلب من المخالب، الحرب تقف وراءها دول كبرى مثل بريطانيا وإسرائيل، مشيخة أبو ظبي التي أضحت سمسار مواقف في العالم، ويد إسرائيل الكبرى التي تبطش بها وتشتري ذمم القادة والأمم. الأمر معقّد ويحتاج إلى تحرّكات دبلوماسية تفكّك هذا المشهد، وتحاور وتناور الغرب بلغة جديدة، لكن تقوم على السيادة الوطنية وقوة الموقف الوطني.
وأنت جزء من المشهد الإعلامي؛ هل استطاع الإعلام السوداني خلال الحرب أن يكون شاهدًا على الحقيقة، أم تحوّل أحيانًا إلى طرف في الاستقطاب؟
للأسف، الإعلام إما مشترى من السلطة أو من الدعم السريع، وهذا ليس إطلاقًا، لكن للأسف جزء كبير منه، حتى تم إطلاق مصطلح “صحفي بنكك”، الذين يعرضون أقلامهم الصدئة لمن يدفع فقط. الدولة السودانية لم تنجح في كافة تجاربها في إعلام يُعرّف بها التعريف المطلوب، وما يخرج منها فقط صور الخراب والانقلابات والمرض والجوع، وفي الحرب زادت الصورة قتامة. يقيني أن إعلام العدو كان أكثر قدرة على الوصول للجماهير، واستطاع لفترة أن يفت في عضد قناعتهم بقواتهم المسلحة، لكن شاءت إرادة الله أن تهزم آلتهم العسكرية، لكيلا يجد إعلامهم أمرًا يتكئ عليه.
هل يستطيع الصحفي أن يبقى مستقلًا في حرب تطالبه كل لحظة بموقف؟ وأين تنتهي المهنية وتبدأ القناعة الوطنية؟
لاحياد مع الوطن والحقيقة. “حرب الكرامة” هذه لا تقبل الوقوف بعيدًا أو متأملًا. وهنا أذكر موقف الكاتب محمد جلال هاشم، فرغم وقوفه بقلمه دائمًا في نقد الجيش وتغوّله على السياسة، إلا أن موقفه من الحرب كان مشّرفًا، وعرف متى يكون مع الحق، رغم أنه اكتوى بويلاتها ودفع الثمن بفقده لساقه، إلا أنه كان وطنيًا حقًا. وتحضرني أيضًا قصة الممثّل محمود مرسي، والذي كان يعمل مذيعًا بالإذاعة البريطانية BBC، حينما رفض أن يقرأ خبرًا عن مصر أيام العدوان عليها، فاستقال وعاد إلى القاهرة. الإعلام والموقف محكّان لكل شريف ووطني غيور، إذما فشل فيه لحقته لعنة النشر ليوم الدين. حرب الكرامة ليست حربًا تقليدية في ظنّي، إنها تعريف جديد للخبث والغدر وسوء المنقلب. فرأس الأفعى حميدتي كان الرجل الثاني في الدولة، اقتاده طموحه الجاهل أن يدمّر مكانته والبلد وحتى أحلامه بفعل أرعن، وهو الانقلاب على القوات المسلحة، وكل ذلك تحت مظلّة الغرب والإمارات، لكنها أيضًا أخرجت أثقالًا اجتماعية اتضح أنها كانت تحت الأرض لسنوات طوال، ويجب معالجتها تمامًا.
ما الذي فقده الإعلام السوداني بسبب الحرب ولن يستعيده بمجرد عودة الصحف والقنوات إلى العمل؟
فقد الصدق وعدم التزييف، وفقد أرشيفًا قديمًا ومكتبات صوتية لن تعود. كثير من المؤسسات الصحفية فقدت أرشيفها، وهو تاريخها الحقيقي. بعضها عاد ليبدأ من جديد مشوار العمر المهني، وللأسف فقدت أيضًا أقلامًا وكوادر آثرت الهجرة النهائية من البلد، لا يمكن تعويضهم. ولا شك أن كل المؤسّسات في واقع كارثي بسبب هجرة المبدعين منها وأصحاب الفكر.
كتبت في السياسة والدولة والحرب، ثم ذهبت إلى القاهرة وأدب الرحلات؛ هل تهرب من السياسة إلى الثقافة، أم أن الثقافة طريقتك الأخرى لقراءة السياسة والإنسان؟
قناعتي قبل كل شيء أن حركة المجتمعات اليومية هي الفعل السياسي، وأن الحديث عن السياسة دون الوقوف على حركة المجتمع يصبح مجرد تهريج فكري. بعد الحرب وحالة الاصطفاف التخويني أو التجريمي أو اللا موضوعي أحيانًا، سئمت الكتابة في السياسة، ولك أن تقول عمدت إلى مهرب مبدع، فذهبت إلى معشوقتي القديمة القاهرة، أسطّر مشاهداتي، والتي جعلتها كأدب رحلات بلغة المشاهدة اليومية. وأنا مرّة أكتب عن القاهرة المعزية، ومرة عن القاهرة الجديدة، ومرة عن القاهرة ما بعد النكسة، ومرة عن الأزهر، ومرّة عن بحر المتوسط العجوز. لكن في بعض الهرب ذكرى وموعظة لشعبنا، الذي أحيانًا تأخذ بعض مثقفيه أمراض أطلقت عليها “عقدة المثقّف السوداني من مصر”. أتمنى أن تنتهي لنقرأ هذا البلد مرة أخرى من زاويته الطبيعية.
وأنت توثّق سير شخصيات ورموزًا سودانية؛ هل حفظ الإعلام ذاكرة الذين صنعوا تاريخه، أم أنه تأخّر حتى غاب كثير منهم؟
لقد أثرت أمرًا عظيمًا. قناعتي أن وطنية الأطفال وتربيتهم على حب الوطن هو التوثيق لكل عظمائه، ولعل هذا ما نفتقده في كل مقرراتنا وإعلامنا وحكاوينا. نحن لا نوثّق لأننا نعاني من مرض عدم الاعتراف بجهد الآخرين، فنجتمع على هدم الرموز ونصنع منهم أصنامًا للعمالة، ونرمي بها بكل حجارة الدنيا. هنا تكمن المشكلة. حتى من وثّقنا لهم لم نعرف كيف نوثّق. أعترف أنني اجتهدت في أمرين: الأول الوصول لكل مبدع أو سياسي أو أكاديمي له أثر وكان على قيد الحياة، والأمر الثاني اكتشاف نجوم جدد لم يطرق بابهم الإعلام، وهؤلاء في يقيني مهمّون لأنهم مفاتيح البناء للوطن.
تتحدّث كثيرًا عن الدولة والكفاءة والقيادة؛ لو أُتيح لك اختيار خمسة أشخاص فقط للمساهمة في إعادة بناء الدولة السودانية، هل ستختارهم من السياسيين أم من خارج السياسة؟ ولماذا؟
لا إيمان لي بالسياسي في بلدي، فهو مجرد أقوال وليس أفعالًا، ولا أدعو للانبهار بالمستورد من الرجال. يكفينا ما رأيناه من حمدوك، وكامل البلد مترع بالرجال، فقط علينا كف ألسنتنا عنهم ليعملوا ونرى جهدهم. لا بد لنا من وضع معايير حقيقية لكل مهنة، ويجب أن توضع من حيث انتهى الآخرون، لننهض بالوطن دون الميل لأسماء قد تكون اجتهدت في تلميع ذاتها، وعندما تنصّب في المنصب نكتشف أن وراء الجدار سرابًا.
هل ما زلت تؤمن بإمكانية قيام دولة سودانية حديثة، أم أصبح هذا الإيمان شكلًا من أشكال المقاومة النفسية أمام واقع مختلف؟
الدولة الحديثة ستقوم، وظنّي أن ذلك سيحدث بعد أن ينفصل كم جزء من هذا البلد، وأعتقد أن ذلك سيكون هو القرار الصائب، على الأقل لتخفيف حدّة الغبن والتهميش المزعومين، ليرى كل صاحب وجعة موطن ألمه الحقيقي وقتها. والسؤال الأهم: هل نبني دولة حديثة دون استقرار اجتماعي؟ قناعتي أن الاستقرار لا بد أن يسبق بناء الدولة، لأنه حجر الأساس لإطالة عمر الدولة الحديثة.
بعد أكثر من عقدين في المهنة، ما الثمن الحقيقي الذي دفعته مقابل رأي كتبته أو سؤال طرحته ولم تكن مستعدًا للتراجع عنه؟
لم أندم على أي قول أو كلمة ذكرتها، لإيماني العميق بما أقول، ولأنني دائمًا متأنٍ في الحكم على الأشياء.
لو فتحت أرشيفك الصحفي اليوم، ما المقال أو الحوار الذي ستقرأه بعين مختلفة، وربما تختلف فيه مع عماد الذي كتبه؟
الحمد لله لم أختلف مع نفسي، ولكن يمكن أن تقول إنه في كل حوار لي هناك الكثير من الاستفهامات لم أذكرها، فقط لضيق المساحة أو ضيق الزمن.
ما أكثر ما تخشاه على مستقبل الإعلام السوداني: فقدان المهنية، أم الاستقلال، أم القدرة على صناعة الأسئلة، أم فقدان الجمهور؟
أخشى عليه من العمالة والرخصة التي عليها الكثيرون الآن، والتي جعلتنا مجرّد مأجورين لمن يدفع. ويا ليت لو كان الثمن غاليًا، بل وصل الأمر ببعض الإعلاميين أن تشتري قلمه بـ”حجر شيشة” في إحدى كافيهات القاهرة، وربما طبق من الفول.
لو طلبنا منك أن تترك للسودانيين بعد عشرين عامًا شيئًا واحدًا من تجربتك، ماذا تختار: أرشيف حواراتك، مقالاتك، مواقفك، أم الطريقة التي حاولت بها أن تسأل؟
كل ذلك مجتمعًا، فمقالاتي في الغالب كانت عن ترقية الحس والمشاعر، وحواراتي فتحت الجرح في كل المناحي: الدولة والمجتمعات. أما مواقفي فأنا مع الصدق والرقي أينما وُجدا.
بعد كل ما رأيته وكتبته ووثّقته خلال أكثر من عشرين عامًا، ما السؤال الذي ما زلت عاجزًا عن الإجابة عنه، وتخشى أن يظل السودان عاجزًا عن الإجابة عنه أيضًا؟
السؤال: من نحن؟ ولماذا يرفضنا العرب، وهل نحن حقيقة لا نشبه الأفارقة؟ سؤال الهوية، أظنه سيُجاب بعد الدولة الحديثة المنفصلة.