(سماهاني) بركة ساكن بالسواحيلية .. عودة الحكاية إلى جغرافيتها الأولى
مشاوير - المحرّر الثقافي
أعلنت دار الريس صدور الترجمة السواحيلية لرواية (سماهاني) للروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن، في شراكة مع دار الموسوعة الصغيرة، لتضاف بذلك ترجمة جديدة إلى المسار العالمي للرواية التي صدرت بالعربية عام 2017، وترجمت إلى عدد من اللغات، من بينها الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والكردية (السورانية)، قبل أن تصل إلى السواحيلية، إحدى أبرز لغات شرق إفريقيا.
وأعرب بركة ساكن عن شكره لكل من أسهم في إخراج الترجمة السواحيلية إلى النور، مشيرًا إلى أن ترجمة الرواية جاءت بمبادرة من دينق قوج، الذي رحل قبل أن يرى المشروع مكتملًا. وتمثّل الترجمة الجديدة امتدادًا لرحلة رواية شغلت القراء والنقاد منذ صدورها، وفتحت عبر التخييل التاريخي أسئلة شائكة حول السلطة والعبودية والعنف والحرية والعلاقات العربية الإفريقية.
وتدور أحداث (سماهاني) في القرن التاسع عشر، في جزيرة أنغوجا ضمن أرخبيل زنجبار بشرق إفريقيا، خلال مرحلة اتسمت بتداخل النفوذ العُماني والعربي مع المجتمعات الإفريقية المحلية، وازدهار تجارة التوابل وتجارة الرقيق.
ولا يتعامل بركة ساكن مع هذه المرحلة بوصفها مادة تاريخية جامدة، وإنما يعيد بناءها روائيًا من خلال شخصيات ومصائر فردية تكشف الوجه الإنساني القاسي لعالم تحكمه السلطة والاستعباد والثأر.
وتقوم الرواية على خطوط درامية متشابكة، يتداخل فيها الاستبداد بالعبودية والعشق والثأر. في مقدّمة هذه الخطوط شخصية السلطان الذي يقدّم نفسه مالكًا مطلقًا لكل ما في الجزيرة، من البشر إلى الأرض والبحر والشجر والطيور، ويمنح سلطته بعدًا مقدسًا لتبرير إخضاع الآخرين. وفي الجهة الأخرى تقف مأساة (سندس)، الطفل الإفريقي الذي يقع في أسر تجارة الرقيق، ويتعرّض للخصاء ليصبح خادمًا في قصر السلطان. ويجد سندس نفسه داخل علاقة معقّدة مع ابنة السلطان، تتقاطع فيها التبعية مع التعاطف والعشق، بما يكشف المفارقة بين عالم القصر المغلق وعالم العبيد الذين يدفعون ثمن هذا الترف من أجسادهم وحياتهم.
أما (موانا)، البحار الإفريقي، فيعود إلى الجزيرة محمّلًا بذاكرة مختلفة؛ ذاكرة أم استعبدها السلطان وانتهت حياتها في ظل القهر. ولا يعود موانا بحثًا عن خلاص شخصي، وإنما مدفوعًا بالرغبة في الثأر والانتقام، لتتجه الرواية نحو نهاية تراجيدية تتشابك فيها الرغبة في العدالة مع دورة العنف.
وفي لحظة تتصل بعنوان الرواية، يصبح طلب الصفح جزءًا من سؤال أوسع عن الذنب والضحية والجلاد، وعن إمكانية الخروج من دائرة العنف المتوارث.
ومن خلال هذه الشخصيات، تطرح (سماهاني) أسئلة تتجاوز زمن أحداثها إلى الحاضر: من يملك الإنسان؟ ومن يمنح السلطة شرعيتها؟ وهل يمكن للضحية أن تتحوّل، تحت وطأة القهر والرغبة في الانتقام، إلى طرف في إنتاج العنف نفسه؟ كما تعيد الرواية النظر في التاريخ العربي الإفريقي، ولا سيما تاريخ العبودية وتجارة الرقيق، من خلال التخييل الذي يسمح للكاتب باستعادة أصوات ومصائر لا تظهر عادة في السرديات التاريخية الرسمية.
وقد حظيت الرواية باهتمام دولي لافت عبر ترجماتها، إذ فازت نسختها الفرنسية بـ(جائزة الباوباب) الأدبية عام 2023 في كندا، فيما نالت نسختها الإنجليزية منحة الترجمة من منظمة القلم البريطانية (English PEN)، وهو ما عزز حضور العمل في المشهد الأدبي العالمي وأتاح له الوصول إلى قراء خارج المجال العربي.
وتأتي الترجمة السواحيلية في سياق خاص، بالنظر إلى ارتباط الرواية جغرافيًا وتاريخيًا بشرق إفريقيا، حيث تدور أحداثها في زنجبار، وهو ما يمنح وصول العمل إلى القارئ السواحيلية دلالة تتجاوز مجرد انتقاله إلى لغة جديدة؛ إذ تعود الرواية إلى المجال الثقافي والجغرافي الذي تستمد منه جزءًا أساسيًا من مادتها التاريخية والروائية.
وبصدور (سماهاني) بالسواحيلية، تتسع خريطة اللغات التي حملت الرواية إلى قرّاء جدد، لتصبح التجربة الروائية لعبد العزيز بركة ساكن متاحة بالسواحيلية أيضًا، في مسار يعكس اتساع الاهتمام بالأدب السوداني خارج حدوده اللغوية والجغرافية، ويضع الرواية في سياق أوسع من الترجمة بوصفها وسيلة لإعادة قراءة التاريخ المشترك بين إفريقيا والعالم العربي.