منتدى (إسـمار) في الدوحة يستعد للإعلان .. الثقافة السودانية في مواجهة النسيان
الدوحة - مشاوير: مجدي علي
تستعد مجموعة من الموسيقيين والفنانين والمثقفين السودانيين في الدوحة للإعلان عن قيام منتدى (إسـمار)، بعد استكمال ترتيباته التنظيمية وإنجاز نظامه الأساسي، تمهيداً لعقد الجمعية العمومية وانتخاب القيادة خلال الأيام المقبلة، بإشراف الجهات المختصة.
لكن (إسـمار) لم يولد من نظام أساسي، ولا من قرار مؤسّسي مسبق، بل من فكرة صغيرة تسلّلت إلى الحياة قبل سنوات، حين تحوّلت رغبة عفوية في استعادة الألفة إلى لقاءات منتظمة، ثم إلى مشروع ثقافي واجتماعي أخذ يتسع بهدوء وصبر، قبل أن تمنحه الحرب معنى أكثر إلحاحاً، وتضعه وجهاً لوجه أمام سؤال الاستمرارية وحفظ الذاكرة.
من (ديوان حجوج)
يعود عبد الرحيم محمد عبد الرحيم، المعروف بـ(حجوج)، صاحب الفكرة الأولى إلى جائحة كورونا بوصفها لحظة البداية؛ ففي منزله، وفي عزلة فرضتها ظروف استثنائية، بدأت لقاءات مساء كل خميس، تجمع الأصدقاء للسمر والعزف والغناء، ومع انتظام هذه اللقاءات واتساعها تدريجياً لتشمل الأسر، نشأت حولها دائرة اجتماعية أخذت تتمدّد بهدوء، فاختار لها الناس اسم (ديوان حجوج) وعرفت به لسنوات.
غير أن حجوج يؤكّد أن الغناء الموسيقى لم تكن الغاية الأولى لهذا الاجتماع، وإنما كانت وسيلة إلى ما هو أبعد منها وأعمق: “في البداية كنت أريد أن تكون فكرة المنتدى بعيدة تماماً عن الموسيقى، وألا تكون هي الأساس. صحيح أن الموسيقى ركيزة اللقاءات، لكن الفكرة الأساسية كانت أن نخلق علاقة اجتماعية بين الناس”.
ومع وصول سودانيين جدد إلى الدوحة، تجاوز الديوان حدود المنزل الذي احتضنه، وبدأت الفكرة تبحث عن فضاء أوسع يليق باتساعها. وكان حجوج حريصاً على أن تحتفظ التجربة بجوهرها الأول رغم هذا التمدّد: “كنت أريد أن يكون مختلفاً، وأن تكون الركيزة الأساسية فيه هي الجانب الاجتماعي؛ أن نجمع الناس معاً، ونتعارف ونتونس، نلتقي ونغني، نفعل ذلك بصورة طبيعية”.
وهكذا بدأت الفكرة من الاجتماع الإنساني الخالص، قبل أن تتفرع منه الثقافة والفن كامتدادين طبيعيين، لا كغايتين مقصودتين لذاتهما.
حين قادت الموسيقى إلى الثقافة.
مع اتساع الدائرة، أخذت الموسيقى موقعاً أكثر حضوراً في مسار التجربة، وبدأت تتحول من مجرد رفيق للقاء إلى مدخل حقيقي لأسئلة الثقافة والذاكرة. ويستعيد حجوج نقاشاته مع أزهري عبد القادر، وعثمان النو، ووليد أبو القاسم، وعثمان دقيس، وعبد الله الطاهر وآخرين، حول ضرورة صون الأغنية السودانية، خصوصاً تلك الأعمال التي تعرضت للتشويه أو التداول الخاطئ، وضرورة إعادة تقديمها للأجيال الجديدة على نحو يحفظ قيمتها الفنية وسياقها التاريخي.
ثم انتقلت اللقاءات إلى صالة قنقليزة بدعوة من صاحبها معاوية، وانضم إليها أعضاء مجموعة (أسحار الجمال)، فاتسعت التجربة أكثر حتى بلغت ذروتها الأولى في لقاء جامع أقيم في رأس السنة 2024. وفي تلك المرحلة بالتحديد تشكلت النواة الموسيقية التي ضمت عدداً من العازفين والفنانين، وتحولت لاحقاً إلى فرقة متكاملة قادرة على تقديم الفعاليات باحترافية أكبر.
ومع ذلك، لا يرى حجوج في الموسيقى نهاية المشروع أو غايته القصوى، بل واحدة من الطرق التي قادت إلى اكتشاف قيمة أعمق: قيمة العمل الجماعي نفسه. ومع اتساع هذه الرؤية تدريجياً، بدأ اسم (ديوان حجوج) يضيق عن استيعاب الفكرة الجديدة، التي أصبحت تجمع بين الثقافة والفنون والتواصل الاجتماعي في نسيج واحد، حتى استقرت أخيراً على اسمها الحالي: (إسـمار).
الحرب.. حين اتسع السؤال
لم تكن الحرب هي التي أنشأت الفكرة، غير أنها غيّرت حجم السؤال الذي أصبح المشروع مطالباً بالإجابة عنه.
ويقول حجوج إن التريث في هذه المسيرة كان مقصوداً، لا تردداً، لأن تجارب ثقافية كثيرة سبقتها بدأت بحماس كبير ثم سرعان ما انطفأت: “الأهداف كبيرة جداً، وهناك أشياء أخرى يمكن أن تأتي في المرحلة الثانية. الحرب فرضت علينا ظروفاً جديدة، لكنها في الوقت نفسه جعلتنا نفكر في مجالات لم نكن نفكر فيها من قبل”.
ومع تزايد أعداد السودانيين الوافدين إلى قطر بسبب الحرب، لم يعد النشاط الاجتماعي والموسيقي وحده كافياً لاستيعاب هذا الواقع الجديد؛ فنشأت حاجة إلى مساحة أرحب تستوعب مجتمعاً سودانياً أكبر، بخبراته ومهنه واهتماماته المتنوعة، وتحول اللقاء تدريجياً من مجرد ممارسة اجتماعية إلى محاولة جادة لبناء فعل ثقافي أكثر استدامة وعمقاً.
لكن الحرب، في نظر حجوج، أضافت إلى المشروع مهمة أكثر جسامة من مجرد التوسع: حماية الثقافة نفسها من الانقطاع والذوبان. يقول: “أنا أرى أن من أهم أدوارنا في هذه المرحلة الحفاظ على الحياة الثقافية السودانية، لأن الحرب لا تدمر المدن والمباني فقط، وإنما تهدد أيضاً الذاكرة والحياة الثقافية”. ومن هذا الإدراك تحديداً لم يعد الغناء والتراث والتوثيق مجرد أنشطة ثقافية عابرة، بل أصبحت وسائل للإبقاء على الصلة بالسودان، ومقاومة صامتة للنسيان.
من الفكرة إلى المؤسسة
وكلما اتسعت الفكرة، بات الاعتماد على العلاقات الشخصية وحدها أمراً غير كافٍ لضمان استمرارها. ولهذا بدأت مشاورات موسّعة شارك فيها موسيقيون ومثقفون ومختصون وخبراء وقانونيون، لصياغة إطار يحكم المشروع ويضمن بقاءه أبعد من حماس مرحلته الأولى. وكان ياسر قشي من أبرز الداعمين لهذه الخطوة، إذ أسهم عملياً في إعداد النظام الأساسي ومتابعة ترتيبات التسجيل خطوة بخطوة.
ويؤكد حجوج أن التنظيم ليس إجراءً شكلياً يُستكمل على عجل، بل شرط أساسي لحماية الفكرة من أن تظل رهينة أشخاصها الأوائل: “وجود إطار قانوني وتنظيمي مهم جداً… لا بد من وجود إطار يجمع الناس بصورة رسمية”. وبعد إنجاز النظام الأساسي والخطاب الموجه إلى السفارة، يمضي المشروع اليوم نحو عقد الجمعية العمومية وانتخاب القيادة. ووفق هذا النظام، تمثل الجمعية العمومية السلطة العليا للمنتدى، فيما يتكون المكتب التنفيذي من خمسة إلى سبعة أعضاء، وتتوزع أعمال المنتدى على لجان متخصصة تشمل: البرامج والأنشطة الثقافية، والموسيقى والتراث، والشعر والأدب، والتوثيق والأرشيف والإعلام، والعلاقات الخارجية، والمالية والدعم والرعاية.
وبهذا ينتقل (إسـمار) من تجمع بدأ خلف باب منزل، إلى كيان له عضوية وهيكل تنظيمي وبرامج ومسؤوليات موزعة، قابل لأن يستمر أبعد من الأشخاص الذين أطلقوا فكرته الأولى.
الثقافة.. فعل لا مناسبة
وفي رؤية هاشم علي عثمان، عضو اللجنة التحضيرية للمنتدى، لا ينبغي أن ينتهي دور المنتدى عند حدود الحفلات والأمسيات العابرة؛ فالمشروع يمتد إلى الفنون والتعليم والتدريب والتوثيق والمبادرات الاجتماعية، وإلى حماية الذاكرة وإحياء التراث ودعم المواهب، والاستفادة من الخبرات السودانية المتنوعة الموجودة في الدوحة. ولا يريد حجوج للمنتدى أن يكون مساحة مغلقة على النخب الثقافية وحدها، بل مجالاً مفتوحاً للسودانيين بمختلف مهنهم واهتماماتهم، مع مدّ جسور مع المجتمع القطري والتعريف بالسودان وثقافته الغنية.
ويضع هاشم على عاتق الفنان والمثقف مسؤولية تتجاوز مجرد تقديم العمل الفني، قائلاً: “أنت كموسيقي أو فنان عندك دور في تحريك الناس، وليس من الممكن أن تكون قاعداً وتتفرج”. ولهذا يمكن أن يبدأ نشاط المنتدى بحفل أو معرض أو ندوة أو دورة تدريبية بسيطة، لكن المهم في نظره أن يقود كل نشاط إلى نشاط آخر، وأن يتحول الفعل الثقافي تدريجياً من مناسبة عابرة إلى ممارسة مستمرة راسخة.
(الحقيبة).. الغناء حين يصبح ذاكرة
وتأتي الموسيقى، التي احتلت موقعاً محورياً في تجربة حجوج الشخصية، لتحتل قلب أحد أبرز مشاريع المنتدى: (الحقيبة). وقد أقيمت الحلقة الأولى منه بالفعل، ويستعد المشروع لمواصلة تناول مراحلها وشعرائها ومبدعيها، مع تصور طموح لإنشاء مكتبة تجمع الأغنيات والمعلومات المتعلقة بها، والاستفادة من الوسائط الحديثة في بناء أرشيف متكامل بالصوت والصورة.
ولا يتوقف الأمر عند حدود الحقيبة وحدها؛ فالغاية الأوسع هي توثيق تاريخ الأغنية السودانية بمراحله المختلفة كافة، وحفظ تجارب وأسماء قد لا تصل إلى الأجيال الجديدة بسهولة إن لم تُبذل جهود واعية لذلك. كما يريد المنتدى أن يحوّل فعالياته نفسها إلى جزء حي من هذا الأرشيف: صوراً وتسجيلات ومقابلات ومواد توثق جانباً من حياة السودانيين في الدوحة خلال سنوات الحرب. ومن هنا تكتسب لجنة التوثيق والأرشيف الثقافي والإعلام دوراً يتجاوز مجرد حفظ المواد إلى بناء ذاكرة حية ومتنامية للمجتمع السوداني في المهجر.
ما بدأ في بيت.. يتجه إلى مؤسسة
في مسار يبدو بسيطاً في بداياته، لكنه عميق الدلالة في محصلته، انتقلت الفكرة من جلسة خميس عابرة في زمن العزلة، إلى (ديوان حجوج)، ومنه إلى لقاءات أوسع، ثم إلى الموسيقى وأسئلة التراث، وصولاً إلى مشروع ثقافي واجتماعي يستعد اليوم لأن يأخذ شكله المؤسسي الكامل.
ويظل الخيط الذي يصل بين هذه المراحل جميعها، في رؤية حجوج، هو الإنسان قبل النشاط: “أهم ما تعلمته من هذه التجربة أن المشاركة مع الناس هي الأساس”. وفي زمن الحرب، تكتسب هذه المشاركة معنى يتجاوز الاجتماع نفسه إلى ما هو أبعد منه؛ فالونسة تستعيد شيئاً من المجتمع المفقود، والغناء يحفظ شيئاً من الذاكرة المهددة، والتوثيق يقاوم النسيان بصمت وإصرار.
ما بدأ ذات خميس في بيت حجوج يستعد اليوم للخروج إلى فضاء أوسع: منتدى يريد أن يجمع السودانيين، ويمارس الثقافة، ويوثق الذاكرة، ويمنح الفعل الثقافي فرصة حقيقية للاستمرار رغم كل ما تحمله الحرب من تهديد وتشتت.