ظل المغني يغني “نحن هل جَنَّينا.. أم عقولنا نصاح؟”، وهو يعبر عن حال المحب في لوثة العشق، حتى أنه لا يدري ولا يعي حاله. وأظنه لم يكن يحسب أن سؤاله هذا صالح لكل حال وزمان ومكان. وها نحن الآن نحتاج إلى سؤال الشاعر العظيم في حلبة السياسة، لا العشق.
من ينظر إلى حالنا اليوم سيكتشف أن الأولويات الواضحة والمعلومة بالضرورة ليست كذلك بالنسبة لبعض القيادات السياسية والناشطين في العمل العام، وكأنهم قادمون من كوكب آخر. ففي ظل الحرب التي تأكل الأخضر واليابس، وتختطف أرواح الشباب من كل أنحاء السودان، وتدمر كل إمكانيات البلاد، وتشيع روح الفرقة والتنافر في بلادنا، يأتي البعض ليتحدث عن حوار وطني غرضه الأساسي تمهيد الأرض لنظام حكم جديد، يلغي أجسامًا ومؤسسات، ويقيم أجسامًا ومؤسسات جديدة في جزء من أراضي السودان، دون أن يسأل: وماذا عن باقي أراضي السودان وأهله؟.
على ماذا يجلس الناس ليتحاوروا، وأصوات المدافع والقصف والمسيرات تصم الآذان؟ هل سيتحاورون على شكل الحكم؟، أم حل مجلس السيادة وتنصيب شخص رئيسًا للجمهورية؟، أم تقاسم المناصب؟ هل هذا هو الوقت المناسب لمناقشة قضايا مثل هذه؟.
الأولوية الآن هي وقف الحرب، ويحتاج ذلك إلى حشد كل الجهود الوطنية والإقليمية والدولية، وممارسة كل الضغوط الممكنة على أطراف الحرب لوقف هذا التدمير الممنهج لكل أوجه الحياة في السودان، وتهيئة الأجواء لتحقيق السلام، وفتح الأبواب لتقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين، وعودة النازحين واللاجئين، وقبل كل ذلك التأكيد على وحدة البلاد وشعبها.
إن تحقق هذا، ولو في ظل هدنة إنسانية محددة المدة، يمكن للسودانيين أن يجلسوا معًا ليناقشوا مستقبل بلادهم على هدى مبادئ واضحة تؤدي إلى حكم مدني انتقالي، وحل كل المليشيات في ظل إصلاح أمني وعسكري يبني الجيش القومي الواحد، ومحاسبة كل من أجرم في حق الوطن والشعب. ويمكن لهذا الوضع، إن تحقق، أن يهيئ البلاد، بعد الفترة الانتقالية، لانتخابات ديمقراطية تعيد وضع البلاد في المسار الصحيح الذي تأخرت في الأخذ به.
أولوية وقف الحرب هي الحقيقة الموضوعية التي لا يجب تأخيرها أو تأجيلها من أجل مطامع شخصية أو طموحات فردية لأيٍّ كان، ولا يجب المجاملة في هذا الأمر، سواء كانت هذه الفكرة مخططًا داخليًا أم إقليميًا أم دوليًا.
روما تحترق.. والبعض في شغل شاغل عنها، يعد الأفراح بمناسبة تنصيب نيرون جديد عليها، وحين تنتهي الأفراح سيكتشفون أنه لم تعد هناك بلاد ليحكمها نيرون، ولا شعب ليلقي عليه أوامره.