تقارير

اقتصاد المنفى .. كيف أعاد السودانيون أسواقهم في القاهرة؟

من آثار الحرب إلى الإنتاج.. جالية نازحة تصنع اقتصاداً جديداً

مشاوير – القاهرة : تحقيق/ مجدي علي – راما عبد الله

لم يدخل السودانيون إلى القاهرة بعد اندلاع الحرب في أبريل 2023 بحقائب النزوح والخوف وحدها؛ حملوا معهم خبرات ومهارات وعلاقات ومدخرات ومشروعات توقفت بفعل الحرب. ومع امتداد النزوح، بدأت صورة أخرى تتشكّل: سودانيون يعيدون بناء حياتهم عبر العمل والإنتاج، من المطاعم والمتاجر والمدارس إلى شركات الشحن والمشروعات المنزلية.

هكذا نشأ ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد المنفى”: اقتصاد لم تخطّط له الجالية مسبقًا، وإنما فرضته الحرب، قبل أن يتحوّل تدريجيًا من اقتصاد للبقاء إلى دورة إنتاج واستهلاك وخدمات. فالنازح الذي جاء بحثًا عن الأمان وجد نفسه مضطرًا إلى استعادة دخله، وصاحب المهنة أعاد استخدام خبرته، وصاحبة المشروع المنزلي حوّلت مهارتها إلى مصدر رزق، فيما نقل أصحاب الأعمال جزءًا من رؤوس أموالهم إلى سوق جديدة.

ولا يعني استعادة الدخل في المنفى الوصول دائمًا إلى عمل أو مشروع مستقر؛ إذ اضطر كثير من السودانيين في القاهرة إلى تنويع مصادر دخلهم والجمع بين أعمال وأنشطة مختلفة وفقًا للفرص المتاحة وتقلّبات السوق.

ويكشف هذا التنويع عن إحدى آليات البقاء الاقتصادي في المنفى، حيث يصبح تعدّد مصادر الدخل وسيلة لتقليل مخاطر فقدان مورد واحد، في ظل غياب شبكات أمان مستقرة وتقلّب ظروف العمل والسوق.

في هذا التحقيق، تسلّط (مشاوير) الضوء على هذا التحوّل في حياة السودانيين في القاهرة، وتستقصي بعض جوانبه من خلال شهادات أصحاب مشروعات وعاملين في قطاعات مختلفة، إلى جانب آراء مختصين ومراقبين تحدّثوا إليها، لرصد كيف تحوّل النزوح من حالة انتظار مؤقتة إلى حركة عمل وإنتاج، وما الذي تركه هذا التحوّل من أثر في حياة السودانيين وفي الاقتصاد المصري.

من السكن إلى السوق

كان السكن نقطة البداية. جذبت أحياء فيصل والهرم وأرض اللواء أعدادًا كبيرة من الأسر بسبب انخفاض الإيجارات نسبيًا، بينما استقطبت الدقي والمهندسين ومدينة نصر الطلاب وأصحاب الأعمال والشرائح الأكثر قدرة على الإنفاق. وفي شرق القاهرة، برزت عين شمس، خصوصًا شارع أحمد عصمت، بكثافة سودانية لافتة، إلى جانب تجمّعات أقدم في عابدين وحارة الصوفي ووسط البلد. ومع طول فترة النزوح، اتسعت الخريطة نحو السادس من أكتوبر والشيخ زايد والرحاب والتجمّع الخامس والقاهرة الجديدة، حيث فضّلت بعض الأسر المستقرة وأصحاب الأعمال مناطق أكثر هدوءًا وخدمات تعليمية وسكنية أفضل.

ويعكس هذا الانتشار اتساع حجم الوجود السوداني في مصر؛ إذ تتراوح التقديرات المتداولة لأعداد السودانيين بين أربعة وستة ملايين، من بينهم نحو 834 ألفًا مسجّلين رسميًا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

ومع اتساع حركة السكن، ظهرت خدمات جديدة حولها؛ فتحوّلت سمسرة الإيجارات نفسها إلى مصدر دخل ومهنة لبعض السودانيين الذين وصلوا إلى القاهرة مبكّرًا، وراكموا معرفة بالأحياء والأسعار والمُلّاك، وأصبحوا حلقة وصل بين القادمين الجدد وسوق العقارات. وبذلك لم يعد السكن مجرد حاجة أساسية للنازحين، بل أصبح مدخلًا إلى نشاط اقتصادي أوسع تشارك فيه شبكة من الوسطاء والمُلّاك وأصحاب النقل والخدمات.

لكن كل تجمّع سكاني ولّد احتياجات جديدة؛ فالمسكن يحتاج إلى الأثاث والصيانة، والأسرة تحتاج إلى الطعام والملابس والتعليم، والطالب يحتاج إلى النقل، وصاحب المشروع يحتاج إلى الشحن والتحويلات. وهكذا نشأت دورة اقتصادية تبدأ من السكن وتمتد إلى قطاعات متعددة، حتى أصبح الوجود السوداني نفسه عاملًا في خلق طلب مستمر على السلع والخدمات.

رأس المال الذي نجا

بالنسبة إلى كثير من أصحاب المشروعات، لم يكن الوصول إلى مصر يعني بالضرورة امتلاك رأس مال كافٍ للبدء، لكن الخبرة السابقة كانت أحد أهم الأصول التي حملوها معهم.

يقول محمد أحمد، صاحب محل (أبو رهف للأقمشة السودانية)، إن العقبة الأولى كانت رأس المال: “بدأنا حياتنا من جديد من الصفر، والإنسان الذي يأتي من بلد فيه حرب يحتاج إلى إعادة ترتيب كل شيء، لكن الرغبة في العمل والخبرة السابقة ساعدت كثيرين على البداية”. ويشير إلى فرق لمسه في طريقة إدارة النشاط: “في السودان كنّا نواجه جبايات عشوائية وتحصيلات غير منظّمة، أما هنا فهناك فواتير وإيصالات وحسابات واضحة، والمطلوب الالتزام بالقانون والمواعيد”.

أما علي أبو ملك، فبدأ من وضع أكثر هشاشة؛ محل صغير للفول والطعمية، وسط ظروف مالية صعبة ودون أوراق رسمية تمكّنه من استخراج الترخيص بسهولة. كان يعرف أن استمرار نشاطه محفوف بالمخاطر، لكنه اختار العمل: “السعي الشريف يستحق المحاولة، والإنسان لا يملك إلا أن يبذل جهده ثم يتوكّل على الله”. ومع الوقت، تجاوزت شهرة المحل أبناء الجالية إلى جيرانه المصريين، فتحوّل من محاولة لتأمين الدخل إلى نشاط مستقر نسبيًا يبحث له عن تقنين رسمي.

وفي مستوى مختلف من رأس المال، تروي شهد مكاوي، الموظّفة في شركة (Adobrtech) السودانية المتخصّصة في البناء المستدام، أن الشركة خاضت تجربة مختلفة في السوق المصرية، إذ واجهت منذ بدايتها تحدّيات بناء قاعدة عملاء وإثبات حضورها في سوق تنافسي، إلى جانب محدودية الموارد وتغيّر احتياجات السوق. وتقول إن هذه التجارب دفعت الشركة إلى مراجعة أساليب عملها والتعلّم من تجاربها ومن المحيط الجديد، قبل أن تتوسّع رؤيتها من المنافسة التجارية إلى دعم المشروعات الشبابية والمبادرات المجتمعية، مع تركيز المرحلة المقبلة على تطوير الأعمال وتوسيع الشراكات والاستفادة من التكنولوجيا، معتبرة أن الاستمرار في السوق لا يعني تجاوز الأزمات فقط، بل تحويلها إلى فرص للنمو.

وفي هذه القصص الثلاث، من محل الأقمشة إلى محل الفول وصولًا إلى شركة البناء المستدام، يظهر أحد أهم ملامح اقتصاد المنفى: أن رأس المال ليس مالًا فقط؛ فالخبرة والمهارة والعلاقات والمعرفة والاحتكاك بالسوق يمكن أن تتحوّل هي الأخرى إلى رأس مال اقتصادي.

النساء .. المنزل وحدة إنتاج

برزت النساء بصورة خاصة في المشروعات التي لا تحتاج إلى رأس مال كبير أو مقر تجاري، فتحوّل المنزل في كثير من الحالات إلى ورشة إنتاج أو نقطة توزيع.

ترى أسماء أمين، صاحبة (إستايل للملابس الجاهزة)، أن الطلب على الثوب والجلابية والملابس التقليدية لا يتعلّق بالملبس وحده، بل يعكس رغبة في الحفاظ على الهوية، وهو ما عزّز سوق منتجاتها.

أما رحاب محمد، صاحبة (منتجات الرحاب للتجميل)، فقد نقلت معها تجربة مشروع بدأ في السودان عام 2017. غير أن الحرب جعلت السوق أكثر تعقيدًا؛ فجزء من زبائنها بقي داخل السودان، بينما أصبحت عملية الشحن إليهم أكثر كلفة وأصعب لوجستيًا، ما جعلها تنظر إلى التجربة المصرية بوصفها مرحلة اختبار وتعلّم، بينما يظل السودان في رؤيتها المساحة الاستثمارية الحقيقية.

وتروي ندى أوشّي تجربة أخرى بدأت برأس مال محدود جمعته وأرسلته إلى السودان لشراء منتجات مثل الويكة والشمار، ثم واجهت ارتفاع تكاليف الشحن والجمارك قبل أن تبدأ البيع لتجار الجملة بأرباح متواضعة. وتؤكّد ندى أن تجربتها علّمتها أن المشروع لا يحتاج دائمًا إلى رأس مال كبير بقدر حاجته إلى فكرة واضحة وإصرار على الاستمرار.

هذه المشروعات الصغيرة لا تنتج دخلًا لأصحابها فقط؛ فهي تخلق شبكات من النساء العاملات في التصنيع والتعبئة والتسويق والتوزيع، وتربط المنتج السوداني بالسوق المصرية وبالسودانيين داخل السودان في آن واحد.

التعليم .. من حاجة إلى اقتصاد

كان التعليم من أكثر القطاعات التي فرضت الحرب عليها توسّعًا سريعًا. ومع توقّف الدراسة في مناطق واسعة من السودان، وجدت آلاف الأسر في مصر نفسها أمام سؤال مصيري يتعلق بمستقبل أبنائها.

وتشير المعلومات المتاحة إلى ارتفاع عدد المدارس والمراكز التعليمية السودانية من نحو 21 مؤسسة قبل الحرب إلى أكثر من 100 مؤسسة مسجّلة، في ظل تزايد الطلب على بيئة تعليمية تحافظ على صلة الطلاب بالمنهج السوداني، إلى جانب محدودية قدرة المدارس الحكومية المصرية على استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب السودانيين.

يقول ضياء الدين، مدير (مدارس المستقبل السودانية)، إن المدرسة أصبحت “أكثر من مكان للتعليم؛ هي مساحة لاستعادة الاستقرار” بعد أن فقد الأطفال كثيرًا من تفاصيل حياتهم الطبيعية، كما أصبحت نقطة تلتقي فيها الأسر وتتبادل الخبرات. ويشير إلى أن طبيعة المباني تمثّل تحديًا إضافيًا؛ فالمباني المدرسية في السودان غالبًا ما تكون أفقية وواسعة، بينما تعتمد كثير من المؤسسات في مصر على مبانٍ رأسية أو شقق، ما يرفع تكاليف الإيجار ويحد من مساحات الأطفال والأنشطة.

وفي الجانب الآخر، استفادت إجلال حجوج، صاحبة (مركز القبطان للغات)، من خبرتها في التدريس لتأسيس مشروع تعليمي صغير. وترى أن إقبال الأسر على المراكز “السناتر” التي انتشرت في مناطق التجمّعات السودانية يرتبط أيضًا بقربها من أماكن السكن، بما يقلّل الوقت وتكاليف المواصلات، مشيرةً إلى أن الخبرة والعلاقات يمكن أن تشكّلا “رأس مال أوّلي” للمشروع، إلى جانب المال.

وتشير د.سوسن صلاح الدين، خبيرة علم النفس ومديرة (منظمة التضامن الاجتماعي) بالجيزة، إلى أن السلطات المصرية أتاحت للسودانيين إنشاء مراكز مجتمعية والمشاركة في العملية التعليمية مع الالتزام باللوائح المنظّمة، وترى أن هذه التسهيلات ساعدت في استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب. وتشير إلى انتشار عدد كبير من المراكز والمدارس التي تخدم السودانيين في محافظات مختلفة، بينها الإسكندرية وأسوان، لكنها تلفت إلى تحدّيات تتعلّق بالتراخيص والتصاديق، إضافة إلى خلافات داخل الوسط التعليمي السوداني بشأن الاعتراف ببعض المراكز والجهات المشرفة عليها.

ويقول خالد إدريس، مؤسس مدارس (المجد والقبس)، إن التحدّيات التي تواجه المدارس السودانية في مصر لا ترتبط، من وجهة نظره، بالحكومة المصرية أو المجتمع المصري وحدهما، مشيرًا إلى تسهيلات مقدّمة للسودانيين في الإيجارات والتراخيص، وأن المدارس المستقبِلة للطلاب السودانيين تستفيد من فترات سماح سنوية تتيح لها مواصلة العمل واستكمال إجراءاتها. لكن نمو القطاع فرض في المقابل تحدّيات تتعلق بالتراخيص والاشتراطات القانونية وجودة البيئة التعليمية، وهو ما جعل التنظيم ضرورة لحماية الطلاب والمؤسّسات معًا.

المطاعم .. فضاءات للأكل والتواصل

ربما كان قطاع المطاعم والكافتريات الأكثر وضوحًا في التعبير عن التحوّل من النزوح إلى الإنتاج. ففي الدقي وفيصل والمهندسين وعابدين ومناطق أخرى، ظهرت مطاعم تقدّم الإقاشي والعصيدة والملاح والقراصة والزلابية وغيرها من الأطعمة السودانية، من بينها (الحوش السوداني) في الدقي، و(بيت حبوبة) في شارع الحسين بالدقي، و(الأمير الشطبي) في المهندسين، ومطعم (السودان) في الفوالة بعابدين.

يقول الحارث الأمين، صاحب (مطعم الحارث السوداني)، إن مطعمه لم يعد مجرد مكان لتقديم الوجبات، بل أصبح “مساحة يلتقي فيها الناس ويتبادلون الأخبار”، مشيرًا إلى أن الزبائن لم يعودوا سودانيين فقط، بل بدأ مصريون يتعرّفون إلى المطبخ السوداني ويقبلون عليه. ويقول عبد المنعم عبد المجيد إن المطاعم اضطرت إلى مخاطبة جمهور أوسع، فيما تحوّل بعض المشروعات من مطاعم صغيرة إلى علامات لها فروع ومطابخ مركزية وتسويق عبر منصّات التواصل.

ولم يتوقّف الأمر عند الطعام؛ فقد أصبحت بعض المقاهي فضاءات للونسة والتواصل، يبحث فيها القادم الجديد عن سكن أو وظيفة أو مدرسة، وتقام فيها أحيانًا أمسيات موسيقية سودانية. وهنا تتحوّل الخدمة التجارية إلى شبكة اجتماعية، ويصبح النشاط الثقافي جزءًا من دورة اقتصادية أوسع.

الويكة والشحن .. سوق داخل السوق

بالتوازي مع المطاعم، انتشرت محلات العطارة والمنتجات التي توفر الويكة والكركديه والكول والدكوة والشرموط المجفّف والبخور والحنّاء وغيرها من الواردات السودانية. يقول سلطان، صاحب (عطارة الأسواني)، إن هذه المنتجات أصبحت جزءًا من الحياة اليومية للجالية “لأن الناس تحتاج إلى الأشياء التي تذكّرها ببيتها وبلدها”.

أما شركات الشحن فأصبحت حلقة أساسية في هذه الدورة؛ فمكاتب الشحن البري والجوي بين القاهرة والسودان تنقل الأدوية والوثائق والملابس والأجهزة والمواد الغذائية والبضائع التجارية. ويقول أحد مديري هذه الشركات إن النشاط الذي كان موسميًا أصبح يوميًا، وإن أصحاب المشروعات يعتمدون على الشحن للحفاظ على صلتهم بالسوق السودانية.

لكن هذا السوق لا يعيش بمعزل عن الاقتصاد المصري؛ فالمطعم يشتري اللحوم والخضروات ومواد التعبئة والغاز من السوق المحلي، والعطارة تعتمد على الموردين وشبكات النقل، فيما تستأجر المحال العقارات وتستخدم العمالة والخدمات المحلية. وبذلك لا يقتصر الأثر الاقتصادي للوجود السوداني على ما ينفقه السودانيون داخل مجتمعاتهم، بل يمتد إلى سلسلة واسعة من المورّدين والعمال وأصحاب العقارات ومقدّمي الخدمات في الاقتصاد المصري.

وفي موازاة حركة السلع والخدمات، تتحرّك الأموال عبر قنوات متعدّدة؛ إذ يستخدم السودانيون في مصر القنوات المصرفية والتحويلات الرسمية، إلى جانب شركات تحويل الأموال ومكاتب الصرافة المرخّصة، فيما تعتمد الشركات في معاملاتها التجارية على التحويلات البنكية والاعتمادات المستندية. وهكذا تتصل دورة التجارة بحركة مالية ومصرفية تمتد بين السوقين السوداني والمصري.

الأرقام .. اقتصاد أكبر من الظاهر

تكشف الأرقام الرسمية جانبًا من حجم هذا التحوّل. فبحسب وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية المصرية، بلغ حجم الاستثمارات السودانية في مصر نحو 79 مليون دولار خلال عام 2024، بزيادة قدرها 39% عن العام السابق، عبر أكثر من 3,320 شركة سودانية عاملة في السوق المصرية. وتتوزّع هذه الشركات بين قطاعات متعدّدة، من بينها الصناعات الغذائية والخدمات واللوجستيات والإنشاءات والعقارات والزراعة والثروة الحيوانية. ولم يقتصر انتقال النشاط السوداني إلى مصر على المشروعات التجارية الصغيرة، إذ اتجهت مصانع سودانية إلى التصنيع في مصر وإعادة تصدير منتجاتها إلى السودان، بما يعكس انتقال جزء من النشاط الإنتاجي نفسه إلى السوق المصرية.

غير أن حجم النشاط الاقتصادي السوداني الفعلي يبدو أكبر بكثير مما تظهره سجلات الاستثمار المباشر، التي لا تشمل جانبًا من المشروعات الصغيرة والأنشطة غير الرسمية، ولا تعكس بالضرورة حجم التملّك والاستثمارات العقارية. فقد قدّر اتحاد الصناعات السوداني قيمة تملّك السودانيين واستثماراتهم العقارية في مصر بنحو 40 مليار دولار في أبريل 2026، مقابل نحو 23 مليار دولار عند اندلاع الحرب في 2023، بزيادة تقارب 74%. كما تتداول تقديرات أخرى إجمالي الاستثمارات والتدفّقات الرأسمالية السودانية في مصر، بما فيها التملّك العقاري، بين 30 و40 مليار دولار.

وبالحساب المجرد، يزيد تقدير الـ40 مليار دولار على الاستثمارات السودانية المسجّلة لعام 2024 بأكثر من 500 ضعف، وهي فجوة تكشف اتساع حجم النشاط الذي لا يظهر في سجلات الاستثمار المباشر، مع اختلاف طبيعة ونطاق الرقمين. فبينما يعكس الرقم الرسمي استثمارات مسجّلة خلال عام، يتعلق التقدير الآخر بتملّك واستثمارات عقارية تراكمية.

وتشير هذه الفجوة، إلى جانب انتقال المصانع وتوسّع التجارة والخدمات، إلى حجم اقتصادي سوداني متنامٍ في مصر يتجاوز حدود الشركات المسجّلة رسميًا، ويمتد إلى العقار والإنتاج والتجارة والاستهلاك وسلاسل التوريد. وهي صورة تفسّر جانبًا من التحوّل الذي فرضته الحرب: انتقال السودانيين من مجرد البحث عن مكان آمن للإقامة إلى إعادة بناء مصادر الدخل والإنتاج داخل السوق المصرية.

يقول الباحث الاقتصادي معتصم الزاكي إن هذه الأرقام، رغم أنها لا تعكس كامل حجم الوجود والنشاط الاقتصادي السوداني في مصر، تكشف عن تحوّل من اقتصاد قائم على تلبية احتياجات الجالية إلى حضور اقتصادي أكثر اتساعًا وتشابكًا مع السوق المصري. فصاحب المشروع السوداني لا يخدم الجالية وحدها؛ بل يستأجر عقارًا، ويشتري من المورّدين المحليين، ويوظّف عمالة، ويدفع رسومًا وضرائب، ويستخدم النقل والخدمات، وبالتالي يصبح جزءًا من الدورة الاقتصادية في البلد المضيف.

ومن هذه الزاوية، فإن قيمة النشاط السوداني لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات المسجّلة، وإنما أيضًا بحجم الإنفاق والتشغيل والطلب الذي يخلقه في قطاعات الاقتصاد المصري المختلفة. وتظل الأرقام التقديرية المتعلّقة بحجم الاستثمارات والتملّك العقاري بحاجة إلى فصلها بوضوح عن الاستثمارات المسجّلة رسميًا، حتى لا تختلط البيانات الموثّقة بالتقديرات، أو يُنظر إلى الأرقام المتداولة بوصفها حقائق إحصائية نهائية.

الوجه الآخر .. مظاهر سلبية

لم يكن مسار هذا الاقتصاد الناشئ خاليًا من الاحتكاك مع محيطه المصري. فإلى جانب قصص النجاح، برزت خلال الأشهر الأخيرة شكاوى متكرّرة من سكان بعض الأحياء بشأن تجمّعات ليلية صاخبة قرب مقاهٍ وكافيهات يرتادها شبان من الجالية السودانية وجاليات إفريقية أخرى، حيث يشتكي بعض الأهالي من الضوضاء، مطالبين بمراعاة حقوق السكان المجاورين.

وفي المقابل، تنشط أجهزة الدولة المصرية لضبط هذه الظواهر من زاوية الترخيص لا الجنسية؛ فقد شنّت حملات متكرّرة لغلق عشرات الكافيهات والمحال العاملة دون تراخيص أو المخالفة لاشتراطات الإشغال والضوضاء، شملت محال يديرها مصريون وأخرى يديرها سودانيون على حد سواء، في إطار ما وصفته السلطات بـ”إعادة الانضباط إلى الشارع” لا استهداف جالية بعينها.

الملف الأكثر حساسية ظل مرتبطًا بالمدارس السودانية غير المرخّصة؛ إذ أدى التوسع السريع في افتتاح مراكز تعليمية دون استيفاء كامل الاشتراطات القانونية والفنية إلى إغلاق عدد منها، وسط اتهامات متبادلة بين أسر رأت في القرار تعطيلًا لتعليم أبنائها، وجهات رسمية أكّدت أن الهدف حماية الطلاب من بيئات غير آمنة. وتكرّر الأمر نفسه في قطاع المطاعم والمحال التجارية، حيث واجه بعض أصحاب المشروعات صعوبة في استكمال أوراق الترخيص بسبب غياب المستندات الرسمية أو ارتفاع تكاليف الالتزام، ما جعل جانبًا من النشاط السوداني يعمل في منطقة رمادية بين التسامح المؤقّت والمخالفة القانونية.

ويرى مراقبون أن هذه المظاهر، من التجمّعات الصاخبة إلى إشكاليات التراخيص، جزء طبيعي من أي احتكاك بين جالية كبيرة العدد ومجتمع مضيف خلال فترة قصيرة، وليست ظاهرة معزولة عن السودانيين وحدهم. لكنها تبقى في الوقت نفسه تحديًا حقيقيًا أمام الجالية ذاتها؛ إذ تدرك بعض مؤسساتها ورموزها أن استمرار الأنشطة الاقتصادية والتعليمية رهين بالالتزام الكامل بالقانون، حتى لا تتحوّل حوادث فردية إلى صورة نمطية تُلحق الضرر بتجربة اقتصادية أثبتت جدواها.

وفي هذا السياق، يقتصر دور السفارة السودانية بالقاهرة، في جانب كبير منه، على تقديم الخدمات القنصلية وتنبيه أفراد الجالية إلى متطلبات الإقامة وصحة المستندات، وإصدار وثائق السفر والإفادات والمستندات الرسمية. كما تصدر من وقت لآخر تنبيهات بشأن ضرورة الالتزام بالإجراءات القانونية المصرية. غير أن هذا الدور لا يمتد، في الواقع، إلى التدخّل في حل المشكلات التي يواجهها السودانيون الناشطون في سوق العمل مع السلطات أو الجهات المصرية، لتبقى معالجة كثير من قضايا العمل والسكن والإقامة وغيرها مسؤولية أصحابها والجهات المصرية المختصّة.

حين يصبح المنفى إقامة

مع طول الحرب، بدأ اقتصاد المنفى يواجه السؤال الأصعب: هل هو اقتصاد مؤقّت ينتظر العودة، أم نواة لحياة جديدة؟

السلطات المصرية تؤكّد أن استقبال السودانيين يأتي في إطار العلاقات التاريخية بين الشعبين، وقد رفضت مرارًا اختزال وجودهم في مفهوم اللجوء وحده، مفضّلة وصفهم بالمقيمين.

وفي المقابل، يفرض اتساع النشاط الاقتصادي حاجة إلى تنظيم أكبر، فيما يمثّل الانتقال من النشاط غير الرسمي إلى النشاط المرخّص اختبارًا حقيقيًا لكثير من المشروعات التي بدأت بإمكانات محدودة.

لكن التحدّي الأكبر ليس اقتصاديًا فقط؛ إنه سؤال العودة. فصاحب المشروع الذي بنى شبكة من المورّدين والعملاء، والأسرة التي سجّلت أبناءها في مدرسة، والشخص الذي استثمر مدخراته في عقار، لم تعد عودته مرتبطة بتوقّف إطلاق النار وحده.

يقول أحد أصحاب المشروعات: “العودة حلم عند الجميع، لكن الإنسان يفكّر أيضًا في مستقبله ومستقبل أبنائه؛ بعض الأسر بدأت حياة جديدة هنا وأصبح لديها التزامات، لذلك القرار ليس سهلًا”.

من اقتصاد النجاة إلى الإنتاج

تكشف تجربة السودانيين في القاهرة أن النزوح لم يكن حركة سكانية في اتجاه واحد، بل حمل معه جزءًا من الاقتصاد السوداني إلى مصر. فمن فيصل والهرم وأرض اللواء إلى عين شمس وعابدين والدقّي والمهندسين، تشكّلت شبكة تتداخل فيها الحياة اليومية مع التجارة والخدمات والتعليم والعقار: السوداني الذي استأجر مسكنًا احتاج إلى الطعام والملابس والتعليم والنقل، وصاحب المطعم احتاج إلى المورد والعامل وشركة الشحن، والمشروع المنزلي احتاج إلى السوق والتوصيل، والمدرسة احتاجت إلى المعلم والإدارة والمقر. ومن هذه الحلقات الصغيرة نشأت دورة أكبر، يستفيد منها سودانيون ومصريون معًا.

لهذا فإن “اقتصاد المنفى” لا يعني ببساطة أن السودانيين أنفقوا أموالهم في القاهرة؛ فالأهم أنهم أعادوا إنتاج قدرتهم على العمل داخل بلد جديد، وحوّلوا الخبرة إلى مشروع، والحاجة إلى سوق، والعلاقات إلى شبكة خدمات، والذاكرة إلى منتج قابل للتداول.

لقد خرجوا من السودان بحثًا عن النجاة، لكنهم لم يصلوا إلى القاهرة ككتلة من المستهلكين؛ حملوا معهم أدوات الإنتاج، ثم اضطروا إلى استخدامها من جديد. وبينما تظل العودة إلى السودان أملًا مؤجّلًا، تبدو القاهرة في تجربة آلاف السودانيين أكثر من محطة نزوح؛ إنها المكان الذي أعادوا فيه ترتيب حياتهم، وبناء مصادر دخلهم، وتأسيس دورة اقتصادية فرضتها الحرب، لكنها قد تترك آثارها أبعد بكثير من زمن الحرب نفسه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: النسخ ممنوع