أبعاد المناورة السياسية ورجحان كفة الرفض

أشرف عبد العزيز

على خلفية خطاب رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بمناسبة عيد الجيش تطفو على السطح تعقيدات المشهد السياسي السوداني والانقسام الحاد حول جدوى الحوار الوطني في ظل اشتعال المواجهات المسلحة فقد حاول البرهان رسم ملامح مرنة لعملية سياسية يراها شاملة ومفتوحة متطرقاً إلى ضرورة تهيئة المناخ وتوفير الحريات وضمان عدم الملاحقة القانونية للمشاركين مع التمسك الصارم بالحسم العسكري ضد قوات الدعم السريع.

غير أن هذا الحديث فتح الباب أمام سجال عميق يعكس تباين الرؤى القائمة بين القوى المكونة للمشهد المأزوم ويكشف عن الفجوة المتزايدة بين خطاب السلطة العسكرية وتطلعات الشارع والقوى المناهضة للحرب.

يتجلى هذا التباين بوضوح في الموقفين المتباينين الصادرين عن كل من الكتلة الديمقراطية والتنظيمات الديمقراطية والمناهضة للحرب وعلى رأسها ما ورد في مقال القيادي في تحالف «صمود» خالد عمر يوسف.

ففي الوقت الذي عبر فيه الدكتور محمد زكريا باسم الكتلة الديمقراطية عن ترحيب صريح بالخطاب باعتباره مدخلاً لاستعادة الملكية الوطنية للحوار ورفض التدخلات الأجنبية جاءت قراءة خالد عمر يوسف لتعتبر الطرح مجرد مناورة سياسية صاغتها قيادات النظام البائد والحركة الإسلامية لإعادة إنتاج سلطتها من خلف ستار العسكر.

يرى هذا الاتجاه الرافض أن الإصرار على جمع شتات حوار تحت هيمنة التيارات العقائدية النافذة في المؤسسات الأمنية لن يمنح السلطة الحالية أي شرعية حقيقية بل سيزيد من عزلتها الدولية والإقليمية ويمدد أمد الحرب ويفاقم الكارثة الإنسانية.

إن الجوهر الحقيقي لهذا الخلاف لا يقف عند حدود الخطابات المعلنة بل يتعداه إلى بنيوية الأزمة السودانية وطبيعة الصراع على السلطة.

فالخطاب العسكري يحاول تقليل كلفة العزلة السياسية عبر إظهار الانفتاح على الجميع بيد أنه يقدم هذا الانفتاح ضمن معطيات ميدانية وسياسية يرفضها الخصوم بالكامل وتتسع شقة الخلاف حين يغيب عن الطرح الحكومي إيجاد آليات واضحة وملزمة لإنهاء مظاهر الصراع مما يجعل الوعود بالحريات وتوفير الضمانات مجرد كلام إنشائي يصطدم بواقع الانتهاكات المستمرة والتضييق على العمل المدني في المناطق الخاضعة لسيطرة الطرفين.

تُبرز هذه التباينات الترجيح الفعلي لكفة القوى السياسية الرافضة للانخراط في حوار تُحدَّد معالمه تحت ضغط السلاح حيث تتمسك هذه القوى بضرورة إعطاء الأولوية المطلقة لوقف الحرب وإنهاء المعاناة الإنسانية للشارع السوداني كشرط أولي وضروري لأي عملية سياسية ذات مصداقية وتستند في تمسكها هذا إلى تجربة انعدام الثقة المتراكمة وتغلغل عناصر المؤتمر الوطني في القرار وقناعتها بأن الحوار المبني على توازنات القوة العسكرية لن ينتج بيئة ديمقراطية أو سلاماً مستداماً بل سيظل يستهلك الوقت على حساب شعب لم يعد يملك رفاهية التحمل وتشتت بين نزوح داخل الوطن ولجوء خارجه.

تقف الدولة السودانية اليوم عند مفترق طرق حرج حيث أثبتت التجربة المتكررة أن محاولات بناء عملية سياسية تحت ظلال البنادق وفي غياب التوافق الشامل لا تعدو كونها كسباً للوقت وتأجيجاً للصراع ولن يتسنى للسودان الخروج من هذه الحلقة المفرغة إلا بإقرار واقعي يضع حداً كاملاً للاقتتال أولاً وتأسيس عملية سياسية مدنية مدعومة بإرادة حقيقية لتفكيك شمولية المشهد وتحقيق العدالة والانتقال السلمي بعيداً عن التكتيكات المرحلية والمناورات التي تبقي البلاد على جرف هار.

Exit mobile version