الكلمةُ أمانةُ الوجود، والخبرُ نبأٌ يُستخرج من قاع المعنى، لا لغوٌ يُلتقط من سطح الأشياء.
فمن دخل وادي المعانى حافيًا من هواه، رأى النارَ قبسًا وهدى؛ ومن دخله بنعالِ مصلحته، خرج أكثرَ عمًى وتيهًا.
لذلك أسأل نفسي قبل أن أكتب: من الذي يكتب؟ أنا.. أم ما يُراد له أن يُكتب؟.
فلعل أخطر ما في الكتابة أن يتقدم القلمُ على حامله، فتكتبُ «الأنا» باسم الحقيقة، بينما تكون الحقيقةُ قد غادرت المكان.
حركة الأرواح والظلال:
لستُ معنيًا فقط بأجسادٍ تتحرك على خشبة الحدث، ولا بأسئلة الصحافة الخمسة أو الستة، حين تتحول إلى أقفاصٍ للمعنى.
إنني أطارد حركة الأرواح والظلال ذلك الشيء الذي لا يظهر في الصورة، ولا يرد في البيان، لكنه هو الذي يدفع الصورة والبيان إلى أن يكونا ما هما عليه.
أبحث عن جوهر الواقعة، وعن شفيرها الإنساني والكوني، عن السبق الذي لا تقيسه الساعة، بل تقيسه لحظة انكشاف المعنى.
فالخبر عندي ليس أن تقول للقارئ ماذا حدث، لكن أن تعيده إلى الواقعة بصورة أوضحَ، وأصدقَ، وأعمقَ، وأشملَ، وأجمل.
التكليف الأول:
أنبئهم بأسمائهم
ربما كان أصل التكليف الصحفي، أقدم من الصحافة نفسها: الإنباء بالأسماء.
﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ﴾.
فليست مهمة الكاتب أن يخترع أسماءً للأشياء من هواه، لكن فقط، أن يرفع عنها الأقنعة.
أن يقول للخوف: خوف، وللجشع: جشع، وللانكسار الروحي: انكسار، وللتحول: تحول.
أن يسمّي الشيء باسمه حين تعجز اللغة العامة عن رؤية ما وراء الاسم.
فالصحافة، في جوهرها، ليست هي مهنة جمع الأخبار، لكنها مهنة كشف الأسماء المستترة.
الوادي المقدس
ولأن المعنى لا يُؤتى إليه بالأحذية الثقيلة، فإن للكتابة واديها المقدس.
وادٍ لا يُدخَل إلا بعد خلع النعلين: نعل المصلحة الضيقة، ونعل الانتماء الفئوي، والسياسي، والطبقي، وكل ما يجعل المرء يرى الحقيقة بقدر المسافة التي تفصله عنها.
التجرد هنا ليس حيادًا باردًا، إنما هو طهارةُ المرآة.
هنا يتصافح العرفان والتحقيق، فالبصيرة لا تلغي الدليل، إنما تضيء الطريق إليه.
والتأويل لا يستغني عن التجربة، والحدس لا يستغني عن المراجعة.
فكل قراءةٍ إشراقية ينبغي أن تقف أمام مرآة الحقيقة وتسأل:
أكنتُ أبصر؟ أم كنتُ أتوهم أنني أبصر؟.
إذ الفارق بين البصيرة والظن قد يكون شعرة، لكنها شعرةٌ تفصل بين نورٍ يهدي وظلٍّ يضل.
لماذا ينكسر الزجاج؟
لهذا لا ينبغي أن يكون العنوان مجرد لافتةٍ للخبر، العنوان الحقيقي يصوغ اسم المعنى.
فإذا انكسر الزجاج، لا أسأل فقط: من كسره؟، ومتى؟، وأين؟، لكن: لماذا انكسر هنا؟، ولماذا الآن؟ وماذا تقول الشظايا؟.
فربما كانت شظية أبلغ من نافذة، وربما كان كسر هو الصورة الأكثر صدقًا لشيءٍ كان قد انكسر في الداخل، قبل أن ينكسر من خارجه.
لهذا أبحث عن لغة شفافة ومكثفة لغةٍ تنزع عن الخبر جفاف التقريرية، دون أن تغرقه في زخرفة الكلام.
فالجمال، في الكتابة، ليس أن نُجمّل الفوضى، لكن أن نكتشف انتظامها الخفي.
عين البصيرة
هكذا أفهم الصحافة: ليست رصدًا لأجسادٍ تتحرك على منصة الأحداث، ولا سباقًا محمومًا على من يصل إلى الخبر أولًا.
إنها محاولةٌ للوصول إلى ما وراء الخبر.
أن يتحول الخبر إلى نبأ، والنبأ إلى معنى، والمعنى إلى سؤال، والسؤال إلى بصيرة.
فالكاتب لا ينبغي أن يكون مجرد عينٍ ترى، بل عينًا تبصر.
ولا أريد أن أكتب من مكاتب الوكالات وحدها، لكن من ذلك الموضع الذي يلتقي فيه الواقع بروحه، والحدث بظله، والإنسان بسره.
وهناك، حين تخفت ضوضاء «الأنا»، ربما لا يعود السؤال: هل أنا الذي أكتب؟ إنما يصبح السؤال الأعمق:
أيُّ شيءٍ فيَّ يكتب حين أظن أنني أنا الذي أكتب؟
فلعل الكتابة الحقّة ليست أن يقول الكاتب ما عنده، لكن أن يصمت قليلًا حتى تقول الحقيقة ما عندها.
وعندها فقط يصبح الخبرُ نبأً، والكلمةُ أمانة، والصحافةُ ضربًا من العرفان: أن ترى الشيء كما هو، ثم ترى ما وراءه، ثم لا تنسب ما رأيت إلى «أنا» قبل أن تسأل: من أين جاءني هذا النور؟